مصر

في عيدهم: إضاءات على عمل النقابات العمالية في مصر

يحتفل يوم 1 مايو ما يقدر تقريبًا ب١٣٠ دولة بعيد العمال والذي يُطلق عليه اليوم العالمي للتضامن مع الطبقة العاملة؛ حيث دائمًا ما كان ولا يزال يُنظر إلى النقابات العمالية بأنها المدافع عن مصالح العمال. ويعتبر اليوم عطلة رسمية في معظم دول العالم، لذا نتطرق في هذا التقرير إلى نبذه تعريفية عن النقابات العمالية، والتشريعات المنظمة لها، وتحديات العمل النقابي وفرص تطويره، وجهود الدولة المصرية لدعم العمال.

النقابات: (التكوين- الدور- الأهداف)

لطالما لعبت النقابات العمالية دورًا محوريًا في الدفاع عن حقوق العمال والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية للمجتمع، من خلال توسيع نطاق المشاركة السياسية وضمان الحريات العامة. 

وتُعد النقابات تنظيمًا ديمقراطيًا على شكل هرمي، حيث تتكون قاعدته من “اللجان النقابية”، وقمته من الاتحاد العام لنقابات العمال. أما مستويات التنظيم فهي: اللجان النقابية للعاملين في المنشآت، ثم النقابات العامة على المستوى القومي للصناعة أو النشاط الاقتصادي، ويأتي في القمة الاتحاد العام لنقابات العمال الذي يجمع النقابات العامة.

وتتكون الجمعية العمومية للنقابة العامة من مندوبي اللجان النقابية للعاملين في النشاط الذي تمثله النقابة العامة، حيث ينتخب هؤلاء المندوبون مجلس إدارة النقابة العامة من 21 عضوًا بينهم الرئيس.

ويهدف الاتحاد العام لنقابات عمال مصر إلى قيادة الحركة النقابية، ووضع سياساتها العامة التي تحقق أهدافها داخليًا وخارجيًا، والتي من أبرزها: الدفاع عن حقوق العمال المصريين، والاهتمام بمصالحهم ورفع مستواهم اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا، إلى جانب التنسيق بين النقابات العامة ومساعدتها في تحقيق أهدافها، والمشاركة في مناقشة مشروعات الخطط العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ووضع مدونة أخلاقيات للعمل النقابي في إطار المبادئ والقيم السائدة. 

ذلك بالإضافة إلى إنشاء وإدارة مؤسسات ثقافية وعلمية واجتماعية وتعاونية وصحية وائتمانية وترفيهية تقدم خدمات على مستوى الجمهورية ويكون لهذه المؤسسات شخصيتها الاعتبارية، مع إبداء الرأي في مشروعات القوانين والأنظمة والقرارات المتعلقة بتنظيم شؤون العمل والعمال، والمشاركة في المجالات العمالية العربية والأفريقية والدولية.

تاريخ العمل النقابي في مصر

يعود وجود الحركة العمالية المصرية إلى العصور القديمة في التاريخ، حيث قامت حضارة وادي النيل على تقديس العمل وتكريم العمال. لم يكن المصريون القدماء ليبلغوا الإنجازات التي حققوها في مجالات العمارة والهندسة والزراعة والصناعة والتعدين والرسم والنحت إلا إذا كانت حركتهم الجماعية مبنية على تنظيم محكم ودقيق ومبادئ عادلة تحكم العلاقات بين القوى الاجتماعية المختلفة، بما يسمح لها بالتعبير عن الطاقات الإبداعية الكامنة في إطار الموضوعية والحرية.

وقد أدخل المجتمع المصري القديم نظام العطلة الأسبوعية، وقنن حقوق العمال على أساس التكافل الاجتماعي بعيدًا عن التناقض والصراع، وحدد نظام المدن والتجمعات العمالية، حيث تم اكتشاف ثلاث مدن عمالية بُنيت قبل خمسة آلاف عام.

ومع المراحل التاريخية المتتالية، تعرفت الحركة العمالية في مصر على نظام الطوائف الذي يعود إلى العصور الوسطى، ليشمل فئات من الصناع والحرفيين، خاصة في عهد الإمبراطورية الرومانية التي خضعت لهت مصر لفترة طويلة. 

علمًا بأن “الطائفة” تطلق على مجموعة من الناس يعملون في حرفة واحدة، يرأسها “شيخ” يتولى شؤونها. وكان “لمشايخ الطوائف” -(نواب) ووكلاء- يعرفون باسم “النقباء” يختارهم حكام المدن التي يقيمون بها. 

يقوم “الشيخ” بوظائف بالغة الأهمية، فهو الذي يفصل في المنازعات التي تنشأ بين أفراد الطائفة، ويحدد أسعار المنتجات ويرتب الأجور، ويسمح بدخول أعضاء جدد، ويوجه لكيفية تنفيذ العقود، وتحصيل الرسوم والضرائب المفروضة على أفراد الطائفة. وقد بقي هذا النظام ساريًا حتى بداية عام 1890 عندما صدر قانون “الباتينه” في يناير 1890 الذي أنهى التعامل بنظام الطوائف.

وكان إصدار قانون “الباتينه” وإلغاء نظام الطوائف بداية ظهور التنظيمات النقابية للعمال، والتي أعلنت عن تشكيل نقابة عمال السجائر في مصر عام 1898 كأول نقابة مصرية ولدت في أعقاب إضراب ناجح حدث في نهاية ذلك العام وانتهى في فبراير 1900 ومن ثم بدأت الانطلاقة لميلاد التنظيمات النقابية في مصر التي بدأت تمارس دورها وتنظم الإضرابات رغم عدم وجود قانون يحميها ويشرعنها. إلى أن صدر أول قانون يعترف بالنقابات العمالية في مصر في سبتمبر 1942 وهو القانون رقم 85 لسنة 1942.

النقابات في التشريع المصري

كفلت الدساتير الحقوق النقابية مما مكن مجموعة منظمة “النقابة العمالية” من الدفاع عن الحقوق والمصالح التي تؤثر على شريحة معينة من النقابات العمالية المعنية. وإذا اتبعنا موقف العديد من التشريعات في مفهوم الحقوق النقابية، نجد أن الاتفاقيات والمواثيق الدولية كفلت تنظيم العمل النقابي للموظفين والعمال بما يخدم مصالح الجميع. وهذا ما شهدته اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (87) لسنة 1948 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم.

وقد أقر المشرع المصري بحق العاملين في القطاع الخاص في مزاولة العمل النقابي وفقًا لقانون النقابات العمالية رقم 85 لسنة 1942، لكنه قرر حرمان موظفي القطاع العام من هذا الحق في نص القانون المشار إليه بعدم سريان أحكامه على موظفي الدولة وموظفي المديريات والمجالس المحلية والعاملين في الجيش والطيران والبحرية والشرطة. 

إلى أن تم تعديل هذا القانون بعد أن ظل العمل به حتى صدور القانون رقم 91 لسنة 1959 المعدل بالقانون رقم 92 لسنة 1964، والذي نصت مادته الرابعة على عدم سريان أحكامه على العاملين في الحكومة والمؤسسات العامة، باستثناء ما يصدر به قرار من رئيس الجمهورية. 

ولم يتضمن قانون الخدمة العامة رقم 46 لعام 1964 نصًا صريحًا يسمح لموظفي القطاع العام بتشكيل نقابات للدفاع عن مصالحهم، علمًا بأن هذا القانون قد ألغى التمييز الذي كان بين الموظفين والعمال والذي كان من أهم المطالب النقابية المهنية.

ونصت المادة الثالثة من القانون رقم 53 لسنة 1976 والمعدل بقانون رقم 137 لسنة 1981 على أن “للعامل حرية الانضمام أو الانسحاب من التنظيم النقابي، ويحدد النظام الأساسي للمنظمة النقابية قواعد وإجراءات الانضمام إليها ورفضها، وكذلك تنظيم قواعد وإجراءات الانسحاب والبت فيه”. 

تحديات العمل النقابي وفرص تطويره

أولًا- تحديات العمل النقابي: فقد عانى المجتمع النقابي خلال العقود الماضية من: 

  • زيادة التوظيف الديني والسياسي داخل النقابات، مما أسهم في اختراق قوى الإسلام السياسي وتغولها داخل النقابات، وغلبة الشخصنة على المؤسسية. 
  • وجود تحديات في بناء التنظيم الداخلي للنقابات بما يحد من مشاركة الجميع، وتغييب دور النقابة في الدفاع عن المهنة، والخلط بين مفهوم العمل النقابي والسياسي، وبروز ظاهرة الانقسام.
  • ضعف الإمكانيات والتمويل للبرامج والأنشطة للنقابات العمالية، وضعف نسب العضوية فيها.
  • غياب الخطط والبرامج والسياسات ذات البعد التنموي عن عمل النقابات العمالية.
  • العمل التقليدي للنقابات العمالية، وعدم مواكبة الحداثة والتطور في برامجها وأنشطتها.
  • الصراع بين القيادات النقابية على حق التمثيل النقابي للعمال، بدلًا من أن يكون دافعًا للتنافس على الخدمات المقدمة للعمال التي ترعى مصالحهم.
  • تدني نسبة مشاركة المرأة والشباب في العمل النقابي، والبرامج والأنشطة النقابية.
  • قلة الوعي بأهمية النقابات والتمتع بحقوق الحرية النقابية عند قادة النقابة أو أعضائها.
  • عدم وجود الإبداع في تقديم تنويعه واسعة من الخدمات، تتناسب وتطلعات الأعضاء وطبيعتهم.

ثانيًا- فرص التطوير والتي تتضمن:

  • عمل تشريعات تؤدي إلى زيادة طاقة النقابات وحل الكثير من مشكلاتها، وضرورة وجود تشريع يفصل السياسة والدين عن العمل النقابي.
  • ضرورة ابتعاد الأحزاب السياسية عن النقابات المهنية والعمالية.
  • إعادة إحياء النقابات المستقلة والحفاظ على استقلاليتهم وتوسيع الفضاء العام لهم. مع التعامل مع أزمات العمال والاستماع لرأي الخبراء في النقابات المبني على عمل دراسة حقيقية.
  • ضرورة صياغة الخطط والبرامج التنموية بشكل علمي ومنهجي؛ لإحداث تأثير على العمال، مما يسهم في تغيير الثقافة التي سادت عن النقابات العمالية، والتي مفادها تبعيتها للنظام السياسي، وإهمال القضايا العمالية.

ماذا قدمت الدولة لعمال مصر؟

لو ألقينا نظرة على جهود الدولة لدعم عمال مصر نجدها قامت بدعم العاملين في الشركات المتعثرة عن طريق صندوق إعانات الطوارئ للعمال، والتنسيق مع القطاع الخاص لتوفير فرص عمل، وحماية ورعاية العمال. 

هذا إلى جانب التعاون مع شركاء التنمية في الخارج، ومنهم منظمة العمل الدولية في مشروعات عديدة، أبرزها مشروع تعزيز علاقات العمل في المكونات الثلاثة، الحرية النقابية والحوار الاجتماعي والعمل الأفضل، وإصدار دليل الإجراءات الموحدة لإنشاء المنظمات النقابية العمالية في شهر أكتوبر الماضي. 

بجانب الانتهاء من إجراء الانتخابات النقابية العمالية التكميلية لعدد من الشركات لانتخابات مجالس إدارة المنظمات النقابية العمالية والأعضاء المنتخبين بمجالس إدارات الشركات التابعة لقطاع الأعمال. 

هذا بالإضافة إلى اختيار نائب رئيس اتحاد عمال مصر مقررًا مساعدًا للجنة النقابات والمجتمع الأهلي والتي تندرج ضمن قضايا المحور السياسي بالحوار الوطني، الأمر الذي سيسهم في تطوير أداء النقابات.

وفيما يخص الجانب التشريعي؛ تم فتح مساحات واسعة للحوار الاجتماعي بين الأطراف المعنية للانتهاء من مشروع قانون العمل الجديد، الذي نأمل أن يلبي تطلعات طرفي الإنتاج في تحديد التوازن بين مصالح العمال وأصحاب العمل.

وفيما يخص التدريب والتأهيل، فتوجد استمرارية في خطة التدريب المهني للعام المالي 2022-2023 والتي يتم تنفيذها من خلال 75 تدريبًا مهنيًا ثابتًا ومتنقلًا، فضلًا عن التنسيق مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني واتحاد الصناعات المصرية، لتوقيع بروتوكول تعاون لتطوير مناهج والبنية الأساسية بالورش والقاعات لمدارس التعليم الفني.

وبشأن تكليف القيادة السياسية الخاص بذوي الهمم؛ فمنذ يناير حتى أبريل 2023 حصرت المديريات 16124 منشأة بين 23 ألفا و660 منشأة بنسبة 68%، لمعرفة مدى استيفاء نسبة تشغيل ال 5% من إجمالي العاملين بها طبقا لقانون 10 لسنة 2018، وجارٍ استكمال باقي الحصر لتدريبهم وتشغيلهم لدمجهم بسوق العمل.

وفيما يخص إجراءات الحد من البطالة؛ فجارٍ التواصل مع شركات القطاع الخاص لتوفير فرص عمل وتم عقد 9 ملتقيات توظيف في 9 محافظات، شارك فيها 255 شركة، وأتاحت فرصة عمل 24196 للشباب على وظائف متنوعة، وتم إنشاء وحدة تنفيذية لإدارة حسابات العمال غير المنتظمة على المستوى القومي تحت إشراف وزارة القوى العاملة المباشر بهدف إحكام الرقابة على مواردها وأوجه الصرف.

بالإضافة إلى مواصلة صندوق اعانات الطوارئ للعمال؛ لدوره الوطني في الوفاء بأجور العمال ومساندة الشركات المتعثرة، والذي أنفق منذ تأسيسه وحتى الآن مليارين و188 مليون جنيه، وتطوير وزارة القوى العامة للوائح التدريب على اشتراطات السلامة والصحة المهنية ولوائح خدمات المركز القومي للسلامة والصحة المهنية، واستمرار تفعيل منظومة التحول الرقمي بأنشطة عمل الوزارة وميكنة الخدمات استعدادا لإطلاقها على بوابة مصر الرقمية.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى