الحوار الوطني

الحوار الوطني والجمهورية الجديدة.. إرادة سياسية وإدارة ديمقراطية

ثمة تمثلات واقعية أننا نخوض غمار الجمهورية الجديدة عبر عديد التحديات والإشكاليات التي تتصل بالوضع السياسي والاقتصادي، وما يتبعه من أطر عقد اجتماعي جديد يحكم العلاقة بين المواطن والدولة، من خلال أسس مغايرة لما تم تداوله في العقود الماضية، مما يلزم معه ضبط مفاهيم المرحلة ومقاصدها المبتغاة وآليات الوصول إلى ذلك.

جاءت الدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جلسات الحوار الوطني العام الماضي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية بغية طرح كافة النقاط المهمة واللافتة نحو بنية الدولة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وكذا استجابة منطقية وموضوعية لانتقال هيكل الدولة بشكل سلس نحو مرحلة جديدة تتواءم بشكل رئيس مع كافة المتغيرات والتحولات التي تعصف بالوضع الدولي والإقليمي، وما يحتاجه ذلك من إجراءات ضرورية في الداخل؛ بهدف تهيئة الوعي الجمعي وانفتاحه على ما جرى خلال السنوات الاخيرة، ثم فهمه بعمق بواطن ودوافع حدوثه وتداعياته المباشرة وغير المباشرة، فضلًا عن سيناريوهات القادم المحتملة.

تستجيب فلسفة الحوار الوطني في لحظتها الراهنة وما سيتبعه من جلسات نوعية ستشمل عديد النقاط والزوايا نحو إحداث قيمة مضافة للدولة المصرية في ظروف صعبة ودقيقة. ليس ثمة شك أن اصطلاح الجمهورية الجديدة الذي يبدو مرادفًا لواقع وسياسات الدولة وإدارة الرئيس يحتاج الكثير من فض الاشتباكات، وكشف الغطاء عن مضمونه وبنية تكوينه. ولذلك قد يضحى السيناريو الأرجح أن بلورة ذلك في وعاء منتظم يحشد من خلفه كافة اعتبارات الدولة المصرية تاريخيًا وثقافيًا وسياسيًا واستراتيجيًا واجتماعيًا، ينبغي أن يكون ضمن أهم مخرجات الحوار الوطني.

إن تتابع الحركة بوتيرة منتظمة نحو جدول معلوم لجلسات الحوار الوطني ينبئ بكثير من الواقعية ومدى استيعاب كافة الاطراف لأهمية ومقصد ذلك، خاصة مع الخطوات المتقدمة التي أنجزتها لجنة العفو الرئاسي غير مرة عبر الإفراج عن عدد من  المحبوسين احتياطيًا في قضايا غير متعلقة بالعمليات الإرهابية.

ومن ناحية أخرى، يأتي مسار الحوار الوطني في لحظة دالة على مستوى التحديات الاقتصادية، ومدى الارتباك الشديد الذي يضرب اقتصاديات الدول الكبرى، الأمر الذي يمكن وصفه بحالة من عدم اليقين المتعلقة بالاقتصاد العالمي، فضلًا عن أثر ذلك على معيشة المواطنين وقدراتهم الشرائية، نتيجة ارتفاع معدلات التضخم وجهود الحكومة إزاء ضبط تلك المعدلات وعودتها إلى مساراتها الآمنة خلال أفق منظور من العام القادم.

يضرب الحوار الوطني مثلًا ويضيف قيمة موضوعية صوب القبض على هدفه الرئيسي فيما يتعلق بالشأن السياسي وضمانة نزاهة العملية الانتخابية، حين تقدم لرئيس الجمهورية بأول مقترحاته التشريعية نحو استمرار الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات والاستفتاءات والذي كان مقررًا انتهاء أعماله في السابع عشر من شهر يناير العام القادم ٢٠٢٤.

وتأتي الاستجابة المباشرة من رئيس الجمهورية تعبيرًا عن التماهي مع سياق الحوار ولجانه، متمثلة في توجيه أجهزة الدولة المعنية بدراسة المقترح المقدم وآلياته التنفيذية، ويلفت بثقة إلى وعي الإدارة السياسية إزاء كل ما ينتج عن جلسات الحوار الوطني من توصيات وآراء سيتم التفاعل معه، الأمر الذي يسهم في تهيئة المجال العام لترقب مشهد الانتخابات الرئاسية المصرية خلال العام القادم، عبر أرضية سياسية تستوعب الجميع وتشمل طيفًا واسعًا من التيارات المعارضة.

نحو ذلك؛ أعلن الكاتب الصحفي ضياء رشوان المنسق العام للحوار الوطني عن أنه في إطار حرص مجلس أمناء الحوار الوطني على مشاركة كل أطياف المجتمع المصري ورموزه وقياداته بمختلف المجالات في الحوار، وتم عقد لقاءات تشاورية بين المنسق العام للحوار ورئيس الأمانة الفنية المستشار محمود فوزي مع مجموعات من هؤلاء الرموز والقيادات. وعقب مناقشات طويلة وبناءة دارت في تلك اللقاءات، تلقى مجلس أمناء الحوار من الحضور عدة قوائم للمشاركة في اللجان المتخصصة للحوار، تضم مجموعات كبيرة من القيادات والرموز السياسية والفكرية والحقوقية والفنية الذين ينتمون إلى مختلف مدارس الفكر والعمل في مصر.

وأكد الحضور ضرورة بدء الحوار في الموعد المقترح الثالث من  شهر مايو القادم، مع استمرار جهود كل الأطراف لاستكمال توافر كل عناصر المناخ الإيجابي الذي يضمن بدء الحوار واستمراره بنجاح، معبرين عن ثقتهم التامة في حرص الجميع على توفير هذه العناصر. وفي هذا السياق، حيّا الحضور جهود لجنة العفو الرئاسي، مؤكدين ضرورة استمرارها بكل طاقتها للإسراع بتحقيق مهمتها. وشدد الحضور على ضرورة التوسع في دعوة كل الأطراف والخبرات المصرية للمشاركة في الحوار ودعم مشاركة الشباب، والمفرج عنهم وممثلي مختلف الفئات الاجتماعية والمدارس الفكرية والسياسية المصرية.

وأنهى المنسق العام للحوار الوطني تصريحاته بإعلان ترحيب مجلس الأمناء الكامل بانضمام كل الرموز والقيادات الواردة أسماؤهم في القوائم المقدمة، بما يضيف مزيدًا من الإثراء للحوار، مؤكدًا أن أبواب الحوار الوطني ولجانه مفتوحة أمام جميع المصريين، فمصر هي “الوطن الذي يتسع لنا جميعًا، والاختلاف في الرأي لا يفسد للوطن قضية”.

قد يبدو من المنطقي أن المُضي قدمًا في الحوار الوطني يستجيب بشكل أو بآخر لتحقيق كلمة سواء تجمع رؤى مختلفة للمجتمع من حيث تشخيص الأزمات والمشاكل وكيفية التصدي ووضع أنساق الحلول المناسبة لها. ومن البديهي أن ينتاب لدى بعضهم تخوفات، غير أن المحك في هذا الأمر يبدو من خلال جملة  الإجراءات التي تبناها مجلس أمناء الحوار، خاصة وأن تشكيل مجلس أمناء الحوار جاء من خلال التوافق بين الأحزاب والقوى السياسية المختلفة.

إن تقاطع كافة الجهود والخطوات -سواء تلك التي اتخذتها الإدارة السياسية الحاكمة وكذا مجلس أمناء الحوار الوطني- تذهب نحو إرادة حقيقية لترجمة كافة المتغيرات التي عصفت بنا خلال السنوات الأخيرة وطرحت أمامنا سؤالًا عميقًا حول كيفية الانتقال الديمقراطي وسبل إدارة ذلك سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وما يعوزه المجتمع ومؤسساته حتى يتسق مع هذا التحول ويستجيب لكافة متطلباته وتحدياته.

ينبغي أن يرسخ في ضمير المصريين جميعًا أن الحوار الوطني لا يمثل لحظة مؤقتة أو حالة وظيفية، إنما هو رؤية استراتيجية تأمل دومًا في الإضافة والبناء من خلال كافة التيارات السياسية ودعم أطراف من اتجاهات ومرجعيات متباينة؛ وذلك لبلورة رؤية مصر في الجمهورية الجديدة.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى