مصر

يوم الشهيد وذكرى انبعاث الروح في جسد الأمة

تحتشد في يوم الشهيد ذكريات جمة في عقل الدولة المصرية. فضلًا عن أنها تذخر بمعان في واقعها ودروس موضوعية نحو مستقبلها المنظور. ولا ينبغي فصل واقعة استشهاد الفريق أول عبد المنعم رياض، في التاسع من شهر مارس عام ١٩٦٩، على جبهة القتال خلال معارك الاستنزاف التي مثلت عتبة رئيسة نحو انتصار حرب أكتوبر المجيدة، بما حققته الدولة عبر معركتها الشاملة ضد الإرهاب في سيناء خلال سنوات العقد الماضي.

يقينًا، حرصت مصر خلال العقود الماضية، على ديمومة الاحتفال بتلك الذكرى وتمجيد بطلها في تجسيد حي لصيرورة التضحيات التي يقدمها الشعب المصري، لا سيما من قواته المسلحة نحو أبدية الاستقلال والكرامة خلال تاريخه عبر عقود مضت. بيد أن الاحتفال بيوم الشهيد خلال السنوات الأخيرة، بعثت في ذهنية الوطن قيم ومدركات تتماهى مع مرتكزات إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهي تسعى نحو تموضع الجمهورية الجديدة.

غير مرة يتحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن شكل وملامح الإرهاب، الذي فتح كافة جبهاته وذخيرته، ضد استقرار القاهرة، وسعى بكل ضراوة نحو حلحلة استقرار البلاد عبر بوابته الشرقية سيناء. إذ بدا ذلك واضحًا بشكل دقيق خلال العقد المنصرم، بغية تمييع مفهوم تماسك الدولة وتشتيت جهودها في سياق التنمية.

إن المسافة التي تتقاطع مع دحر استنزاف الوطن ووأد تحركاته، جاءت مع تضحيات عظيمة قدمها شهداء الوطن، وهو ما يتسق مع قول الرئيس خلال الندوة التثقيفية الـ ٣٧ بمناسبة يوم الشهيد، ووعده أسر الشهداء بتخصيص يوم للاحتفال معهم في سيناء، وقال: “سترون سيناء بصورة مختلفة عن الصورة المؤلمة التي كانت تظهر عليها بسبب ممارسات الأشرار”، مضيفًا “ستفخرون بأن أبناء الوطن قدموا أرواحهم من أجل هذا البلد”.

عكس انطلاق العملية الشاملة، في فبراير عام ٢٠١٨، إرادة صلبة تتمركز في حيز عقل الدولة نحو القضاء على الإرهاب في شبه جزيرة سيناء، وتحقق المسارات الآمنة التي تتكفل بالتحول نحو نهج التنمية، وبلوغ درجات عليا في سلم يبتغي تبدل شكل الحياة للمصريين. وذلك من خلال تنفيذ خطة لمواجهة العناصر الإرهابية بشمال ووسط سيناء ومناطق أخرى في دلتا مصر والظهير الصحراوي غرب وادي النيل، بهدف إحكام السيطرة على المنافذ الخارجية للدولة المصرية وجميع الاتجاهات الاستراتيجية، ثم تطهير المناطق التي تتواجد بها العناصر الإرهابية.

نحو ذلك، ثمة يقين بضرورة قراءة الاحتفال بيوم الشهيد خلال هذا العام، اتصالًا بتلك التضحيات وما بذل من شهداء ومصابين، فضلًا عما حدث خلال نهاية شهر فبراير الماضي من اصطفاف معدات تنمية وإعمار سيناء شهد الرئيس في إشارة واضحة لانطلاق مسار تنمية سيناء، في إطار جهود الدولة التي تترجم إرادة الرئيس لتغطية كافة الجغرافيا المصرية، وتوظيف قدراتها لأجل التنمية الشاملة.

مثل حرص الرئيس على وقوف المشاركين في ذلك الاحتفال دقيقة حداد على أرواح الشهداء كنواة صلبة لإطار الدولة من الناحية السياسية، وكرمز حقيقي لواقعها وحبل سري يلتئم بأفاق المستقبل.

حقيقة واقعة تتمثل في كون مساحة سيناء التي تبلغ ٦٠ ألف كيلو متر، وتحتاج لميزانية ضخمة حتى يتحقق كل المأمول من خطة التنمية، وربما التكلفة الباهظة التي تحتاجها سيناء بدت عائقًا في بلوغ ذلك عبر العقود الماضية. بيد أن السنوات الأخيرة ضخت الدولة مشروعات بلغت قيمتها حين ذلك من أربعين إلى خمسين مليار دولار، كتعبير حقيقي عن كون معركة التنمية لم تنفصل لحظة عن معركة دحر الإرهاب، وأن جهودها نحو ذلك ستتواصل في كافة ربوع البلاد.

في المقابل جاءت كلفة الحرب على الإرهاب ثقيلة على كاهل ميزانية الدولة في ظرف دقيق، وبلغت أرقامًا طائلة لمدة غير قليلة تحدث عنها الرئيس بدقة حين قال: ” كان كل شهر تتكلف مليار جنيه لمدة تسعين شهرًا على الأقل”، في إشارة واضحة لمدى ثقل تلك المعركة وكلفتها على كافة المستويات سواء من الناحية المالية أو البشرية.

إن حديث الرئيس، خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، جد لافت ودال خاصة حينما روى حقيقة الأحداث التي خبرتها مصر خلال السنوات التي سبقت العام 2011، وكيف أن إطارات تنظيمية وميدانية كانت تتم صياغتها لاختراق بنية الدولة، والتحضير للحظة احتسبوها دانت لهم، واقتربت مع سيولة الأحداث في العام ٢٠١١. غير أن وعي الدولة ومؤسساتها في تلك اللحظة كان عاملًا مهمًا للوقوف أمام تلك التحركات والخطط، التي استهدفت استقرار مصر وجغرافيتها السياسية، والتي تمثل قيمة مضافة في واقع ومستقبلها مما يدفع الرئيس، غير مردة نحو التأكيد على ضرورة تكاتف المواطنين وتراصهم مع بنية الدولة، فضلًا عن القيمة اللامتناهية التي تم دفعها في سبيل لحظة الأمان التي يعيشها المواطن المصري، وأنه لا قيمة معلومة يمكن إيداعها صوب أي أسرة كتعويض يناسب شهيدها أو مصابها. غير أن المضي قدمًا نحو بلوغ أقصى درجات العمل للحفاظ على منسوب الأمن والاستقرار من ناحية، والعمل على تحقيق التنمية، وتبدل وجه حياة المصريين، قد يبدو معادلًا معقولًا نحو الوفاء لأرواح الشهداء.

إن تراكم الأحداث الذي كان الرئيس عبد الفتاح السيسي شاهد عيان على تراتبيتها، وتطور وقائعها وأحداثها، وتباين درجة المنصب من نائب مدير المخابرات وحتى لحظة الفوز بمنصب رئيس الجمهورية مرورًا بمنصب مدير المخابرات ووزير للدفاع، صاغ مقاربة تامة في ذهنيته أن مسار الدولة في عهده ينبغي أن يرتكز على نقطتين رئيستين لا ينفصلان، الأولي الحرب الشاملة على الإرهاب واقتلاع جذوره، والثانية، العمل على تهيئة المناخ لأفكار تنويرية تستطيع أن تصمد وتواجه ذلك الظلام، وكذا حرث الوقت للأعمال التنموية، وتطوير بنية الدولة لتواكب كافة المتغيرات على مستوى التطور الاقتصادي والسياسي.

ثمة واقع يربط مسار التحديات، بشكل أو بآخر بالدولة المصرية عبر عقود مضت على مستويات عدة اختلفت وتيرتها. غير أن واقع ذلك، خلال السنوات الأخيرة، صادف أن ذلك جاء مع تحركات ابتغت سلامة الدولة وتماسك أبنائها وراء مقصد واحد، الأمر الذي لم يستطع أن يصمد أمام جهود المصريين سواء في معركة الإرهاب وكذا جهود الدولة في مسارات التنمية الشاملة.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى