
تخفيض حذر وتفاؤل بالمستقبل.. قراءة في قرار “موديز” بخفض التصنيف الائتماني لمصر
أصدرت وكالة التصنيف الائتماني “موديز” يوم ٧ فبراير بيانًا بخفض تقييم إصدارات الحكومة المصرية طويلة الأجل بالعملتين الأجنبية والمحلية إلى “B3” بدلًا من “B2″، وعدلت النظرة المستقبلية إلى “مستقرة” بدلًا من “سلبية”، بالإضافة إلى تخفيض تقييم الإصدارات (إصدارات السندات المصرية بالعملة الأجنبية) بالعملة الأجنبية غير المضمونة إلى “B3″، وبرنامج إصدار السندات غير المضمونة متوسطة الأجل بالعملة الأجنبية إلى (P) “B3”. في نفس الوقت، خفضت “موديز” تقييم سقف العملة المحلية لمصر إلى “Ba3” بدلًا من “Ba2” (وهو تقييم يتعلق بجدارتها الائتمانية كمصدر لديون بالعملة المحلية)، وسقف العملة الأجنبية (كمصدر للديون بالعملة الأجنبية) إلى “B2” بدلًا من “Ba3”.
تخفيض حذر
يعد تراجع قدرة البلاد على استيعاب الصدمات مع انخفاض المساندة الخارجية هي الأسباب الرئيسة لخفض التصنيف الائتماني؛ إذ ترى الوكالة أن الاقتصاد المصري يمر بتغيرات هيكلية نحو نموذج للنمو يقوده القطاع الخاص ويعتمد بكثرة على التصدير في ظل نظام مرن لأسعار الصرف. ومنذ إعلان الوكالة نظرتها السلبية في مايو 2022، هبطت الاحتياطيات السائلة من النقد الأجنبي نتيجة للانخفاض الحاد في تدفق رأس المال واضطرابات الأسواق الخارجية في العام الماضي، بالإضافة إلى تراجع معدلات تغطية السيولة الأجنبية في النظام النقدي (قياسا على زيادة صافي الالتزامات بالعملة الأجنبية عند البنك المركزي والبنوك التجارية) مما أدى إلى زيادة التعرض للمخاطر الخارجية في وقت يتسم بتقلب الأوضاع العالمية وهشاشتها.
بالتالي خفضت “موديز” قدرة الحكومة الخارجية على امتصاص الصدمات، وأدى إلى انخفاض كبير في تغطية مدفوعات خدمة الدين الخارجي المتوسطة وطويلة الأجل التي تصل إلى 20.4 مليار دولار في السنة المالية 2023/2024 و23.2 مليار دولار في 2024/2025، بالإضافة إلى 26 مليار دولار في الدين قصير الأجل، وسط شروط تمويل خارجية مشددة (رفع أسعار الفائدة).
في ظل محاولات الحكومة المصرية لإصدار قرارات واستراتيجيات تساعد على عملية التكيف الهيكلي في الاقتصاد المصري، أعلنت الحكومة عن البدء في تطبيق استراتيجية تعزيز شراكة القطاع الخاص بالاقتصاد بداية من شهر فبراير الجاري في إطار برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي. تسهم هذه الاستراتيجية في توليد تدفقات رأسمالية مستدامة غير متعلقة بالديون لمواجهة مدفوعات خدمة الدين الخارجية المتزايدة خلال العام المقبل. لكن أوضحت وكالة “موديز” أن هذه الإجراءات سوف تستغرق وقتًا حتى تظهر نتائجها بتراجع تعرض مصر للمخاطر الخارجية. وبالرغم من أن الحكومة المصرية ملتزمة بسعر الصرف المرن فإن الوكالة أوضحت أن قدرة الحكومة على إدارة مخاطر التضخم ليست مؤكدة بعد.
أشادت الوكالة بإجراءات الحكومة المصرية في تنفيذ إصلاحات تعزيز القدرة التنافسية، والالتزام بمرونة أسعار الصرف، وإلغاء شروط الاعتماد المستندي التي تؤدي إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، والتي بدورها ستعزز القدرة على تحمل الدين الخارجي مما يعزز التوازن التدريجي في حساباتها الخارجية وتقلل بشكل مستدام من تعرض الاقتصاد للمخاطر الخارجية.
لكنها حذرت من فرض قيود على الاستيراد وحدود سحب العملات الأجنبية في الخارج، لأن لذلك مخاطر محتملة على التحويل وقابلية التحويل في ظروف احتدام الضغوط، بالإضافة إلى أن التحول إلى نظام سعر الصرف المرن بشكل دائم في هذه المرحلة سيكون معقدًا بسبب التضخم المرتفع بالفعل، وتكاليف الاقتراض المحلى التي تتفاقم بسبب التراجع الحاد في اختلالات أسعار الصرف الفعلية الحقيقية السابقة.
وأوضحت الوكالة أن الحكومة المصرية مطالبة بسد احتياجات تمويلية إجمالية سنوية تتجاوز 30٪ من الناتج المحلى الإجمالي بالرغم من ظروف السيولة المحلية والدولية مقيدة، لكن ما زال لدى الحكومة المصرية القدرة على إمكانية الوصول المستمر إلى سوق أدوات الدين المصرية لتلبية احتياجاتها التمويلية حتى على حساب مزاحمة الإقراض للقطاع الخاص. وبالرغم من زيادة نسبة الدين لأكثر من 90٪ من الناتج المحلى الإجمالي في السنة المالية 2022/2023 من نحو 85٪ في السنة المالية 2021/2022، توقعت الوكالة بأنه سوف يأخذ مساره في الهبوط مرة أخرى بسبب تحقيق فوائض أولية
وحاليًا، ترى الوكالة أن مصر لديها وجهتين: الأولى حدوث تحول هيكلي إلى نموذج نمو يولد حصيلة من النقد الأجنبي للوفاء بمدفوعات خدمة الدين الخارجي، ما سينعكس في زيادة حصة الصادرات غير النفطية بمرور الوقت والتراكم المستدام في احتياطي سيولة النقد الأجنبي مدعومًا بتدفقات غير متعلقة بالديون مما يؤدي إلى زيادة التصنيف الائتماني، والثاني عدم القدرة على الالتزام بتعهدات الإصلاح وزيادة نسب الدين إلى الناتج الإجمالي للدولة مما سيؤدي إلى خفض التقييم مرة أخرى.
كيف سيؤثر هذا البيان على الوضع الاقتصادي؟
يجدر الإشارة إلى أن التصنيفات الائتمانية للدول يمكن أن تتغير عدة مرات في فترات زمنية قصيرة. وفي ظل ما تشهده مصر من تحولات كبيرة على المشهد الاقتصادي الداخلي وإعادة هيكلة اقتصادها جذريًا فقد يكون ذلك البيان منطقيًا في ظل الظروف الراهنة. لكن بالنظر إلى ما اشارت إليه الوكالة عن الجدية الشديدة من جانب الحكومة المصرية في تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي فإن هذا التقييم لن يكون مستدامًا، وقد ظهرت البوادر الأولى لتلك الإصلاحات في تعزيز قدرة الحكومة المصرية على استقطاب استثمارات المحافظ المالية مره أخرى، حيث رصد البنك المركزي عمليات دخول لمستثمرين أجانب إلى السوق المصرية مرة أخرى منذ يوم 11 يناير الماضي بمبالغ تخطت الـ 925 مليون دولار حيث ظهرت ثقة الأجانب في الحكومة بتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري المدعوم من صندوق النقد الدولي.
يمكن أن تكون هناك تأثيرات قصيرة المدى على سعر تداول السندات المصرية في الأسواق الدولية، وقد يكون لذلك الخفض التصنيفي آثار على جاذبية أدوات الدين المصرية بالخارج، خاصة وأنه كان من المخطط أن يتم طرح سندات استدامة بقيمة 500 مليون دولار خلال النصف الأول من العام الحالي 2023، لكن وفي ظل ارتفاع سعر الفائدة على الدولار عالميًا فإن قدرات الأسواق الناشئة على النفاذ إلى أسواق الدين عالميا تنخفض ومنها مصر.
جانب آخر من آثار ذلك الخفض قد يكون على قدرات مصر على تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية المرتقبة من حيث مستوى القيمة المستهدف جمعها من المستثمرين، حيث يؤدي خفض درجة التصنيف إلى إعادة نظر المستثمرين في تقييم أسهم الشركات، فدرجة التصنيف الائتماني للدول تدخل في حسابات المستثمرين الأجانب عند دخول أي دولة لضخ استثمارات مباشرة وغير مباشرة. لكن ولأن تلك التصنيفات تتغير بشكل مستمر، فقد تعود تلك النظرة للتحسن مره أخرى خلال عام 2023، خاصة مع بداية ظهور آثار إجراءات السياسة الاقتصادية التي اتخذتها مصر خلال الفترة الماضية على السوق.
لكن هل الوضع صعب كما ذكرت الوكالة؟ لا يمكن الجزم بذلك، فهناك مؤشرات كثيرة تدعو إلى التفاؤل حيث تنفذ الحكومة المصرية برنامجًا وطنيًا للإصلاح الاقتصادي لضمان استقرار الأوضاع الاقتصادية والحفاظ على الانضباط المالي وزيادة تنافسية الاقتصاد المصري؛ استكمالًا لما تحقق في السنوات الماضية ومنها العام المالي الماضي، حيث بلغ العجز الكلي 6.1٪ من الناتج المحلي منخفضًا من 6.8٪ في العام قبل الماضي، والقدرة على تحقيق فائض أولي للعام الخامس على التوالي بلغ 1.3 ٪ من الناتج المحلي خلال العام المالي الماضي، بالإضافة إلى تحقيق قناة السويس حصيلة تعد الأعلى تاريخيًا وصلت 7 مليارات دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 8 مليارات دولار خلال عام 2023، كما أنها حققت أعلى عائد شهري في تاريخها خلال يناير الماضي بـ 802 مليون دولار بزيادة سنوية 47٪.
بالإضافة إلى ذلك، حقق قطاع السياحة ارتفاعًا في الايرادات خلال العام الماضي إلى 10.7 مليارات دولار في ظل التدفقات القوية من أسواق متنوعة مثل دول الخليج وألمانيا وبولندا، بالإضافة إلى زيادة حصيلة الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 71٪ لتحقق نحو 9.1 مليارات دولار مقارنة بنحو 5.2 مليارات دولار في العام الذي يسبقه. وما يعزز من تلك النظرة التفاؤلية هو قرار تقييم مؤسسة “ستاندرد آند بورز” والذي جاء على النقيض بتثبيت التصنيف الائتماني لمصر، مع نظرة مُستقبلية مُستقرة.
باحث ببرنامج السياسات العامة



