الاقتصاد المصري

مصر وألمانيا: علاقات راسخة تعزز المجال الاستثماري

تحرص مصر دائمًا على تعزيز علاقاتها بدول العالم في نطاقها الإقليمي والدولي، خاصة وأن الموقع الاستراتيجي لمصر والذي يتوسط الشرق الأوسط يخلق مكانة استراتيجية لمصر على الساحة الإقليمية. ولكون ألمانيا هي الدولة الأكبر اقتصاديًا في أوروبا، فإن العلاقات المصرية الألمانية تحظى بمكانه خاصة على مستوى الدبلوماسية الاقتصادية المصرية.

كانت زيارة الرئيس السيسي لألمانيا في عام 2015 ولقاؤه بالمستشارة الألمانية السابقة “أنجيلا ميركل” نقطة فارقة على مستوى العلاقات المصرية الألمانية؛ إذ انطلق التعاون بين الدولتين بشكل لا يقتصر على الشراكات الاقتصادية والتنموية والعلمية والثقافية، بل امتد ليشمل قطاعات اقتصادية تعتمد على صناعات القيمة المضافة مثل صناعة السيارات، والطاقة، وإدارة وتدوير المخلفات، والتحول الرقمي، والإنتاج الحيواني.

لكن لم تكن تلك الزيارة هي نقطة التواصل الوحيدة بين البلدين، فدائمًا ما تحرص القاهرة على التواصل مع برلين من خلال عدد من الزيارات المتتالية في أعوام 2017 و2018 و2019، وتعد زيارة الرئيس السيسي اليوم إلى برلين بناء على دعوة المستشار الألماني أولاف شولتز أحدث هذه الزيارات. 

هذا فضلًا عن استقبال مصر للمستشارة الألمانية في مارس 2017 والثانية في فبراير 2019، هذا بالإضافة إلى عدد من اللقاءات في عدد من القمم العالمية مثل قمة مجموعة العشرين في اليابان، وأخرى على هامش القمة الصناعية في فرنسا. وكان لذلك التعاون على المستوى الدبلوماسي ثمار كثيرة على مستوى العديد من القطاعات الاقتصادية بمصر.

الاستثمارات الألمانية في مصر

تحتل ألمانيا مرتبة عليا ضمن قائمة أهم الدول المستثمرة في مصر. وعادة ما تسعى الحكومة جاهدة إلى جذب استثمارات الشركات والمؤسسات الأجنبية إلى السوق المحلية. كانت البداية في عام 2015 عندما وقعت وزارة الكهرباء عقودًا لإنشاء 3 محطات لتوليد الكهرباء في مصر بالتعاون مع شركة سيمنز الألمانية، والتي عُدت لاحقًا نموذجًا يحتذى به في التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص الأجنبي.

وهو ما فتح المجال لعدد كبير من الاستثمارات في مجال كفاءة الطاقة وتأهيل المدارس المهنية والتعليم وتطوير البنية الأساسية في المناطق الحضرية، بالإضافة إلى العديد من الجهود من جانب الوكالة الألمانية للتعاون الدولي بهدف تعزيز الشمول المالي والتحول الرقمي في مصر.

ووفقًا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار لعام 2019، يبلغ إجمالي الاستثمارات الألمانية في مصر 2.9 مليار دولار، تتركز في حوالي 1183 شركة بمختلف القطاعات “صناعية، سياحية، إنشائية، قطاع خدمي، قطاع زراعي، وتكنولوجيا المعلومات”. وتحظى مصر بأولوية خاصة بالنسبة للحكومة الألمانية فيما يتعلق بضمانات الاستثمار؛ إذ إن مصر ضمن أكثر 10 دول حصولًا على ضمانات الاستثمار الألمانية، ويبلغ حجم الاستثمارات الألمانية إزاء ضمانات الاستثمار حاليًا 18 ضمانًا بقيمة حوالي 1.4 مليار يورو، وهو ما يعكس ثقة الحكومة الألمانية في مناخ الاستثمار بمصر.

من بين أهم الاستثمارات الألمانية في مصر هي تلك التي تم توقيعها خلال زيارة رئيس مجلس الوزراء لألمانيا في يونيو 2019، حيث وقعت شركة بوش مذكرة تفاهم لبناء مصنع في العاشر من رمضان على مساحة إجمالية بحوالي 120 ألف متر مربع، والذي سيمثل قاعدة تصنيع إقليمية لتصدير الأجهزة المنزلية في أفريقيا.

شركة مرسيدس هي الأخرى أعلنت استئناف نشاطها في تجميع السيارات بمصر من خلال طرازات GL، وتم توقيع مذكرة تفاهم بين الجانب المصري مع شركة مرسيدس لاستئناف نشاطها في مصر خلال نفس الزيارة. وكذلك أبدت شركة “فولكسفاجن” اهتمامها بالاستثمار في مصر بالتعاون مع الجانب المصري، فيما يتعلق بتصنيع وتجميع سيارات النقل الجماعي التي تعمل بالغاز الطبيعي في مصر. واهمت “بي إم دبليو” هي الأخرى بتوسيع أنشطة عملها في مصر من خلال سوق السيارات الكهربائية، حيث بدأت إنتاجها بطراز سيارة i3.

صناعة القطارات والسكك الحديدية هي الأخرى شهدت تعاونًا ثنائيًا بين الجانبين؛ فتم توقيع اتفاق في أكتوبر 2019 بين الهيئة القومية لسكك الحديد المصرية وهيئة سكك الحديد الألمانية “دويتشه بان” تقدم بموجبه الألمانية مساعدات وخدمات استشارية وتدريبًا مهنيًا للجانب المصري، من خلال إنشاء مركز تميز تدريبي لتدريب 150 – 180 مهندسًا مصريًا سنويًا.

هذا فضلا عن تعاون شركة سيمنز الألمانية مع الجانب المصري لإنشاء المشروع الأضخم في تاريخ مصر وهو القطار الكهربائي السريع بإجمالي أطوال حوالي 2000 كم بعدد 60 محطة على مستوى الجمهورية ستربط 60 مدينة مصرية، لتحول مصر إلى دولة تحتضن أكبر شبكة قطارات فائقة السرعة في العالم، وبتكلفة إجمالية تتخطى 360 مليار جنيه.

صناعة الطاقة كان لها مكانة كبيرة في التعاون بين الطرفين؛ إذ تعقد مصر شراكة مع شركة سيمنز الألمانية في مجال صناعة الهيدروجين، والذي يأتي في إطار استراتيجية الدولة للتوسع في مجالات إنتاج الطاقة الخضراء وزيادة نصيبها في مزيج الطاقة المصري وفقًا لاستراتيجية مصر 2030، وبالتوازي مع الاهتمام المصري للاستغلال الأفضل للموارد المتاحة، وبخاصة في مجالات الطاقة المتجددة والجديدة، والتي يأتي من بينها إنتاج واستخدام وتصدير الهيدروجين تماشيًا مع التوجه العالمي في هذا المجال.

تلك الجهود التي تم رصدها هي جزء من سلسلة كبيرة من التعاون الآخر الذي يأتي لمصر في شكل تنموي من خلال مشروعات يتم تنفيذها من جانب الوكالة الألمانية للتعاون الدولي بالقاهرة، والقروض الإنمائية الألمانية لمصر في مجالات التحول نحو الاستدامة، ومنح مبادلة الدين التي يتم توجيهها لدعم قطاعات التعليم الفني في مصر، وتعاون آخر في مجال دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والخدمات المالية غير المصرفية في مصر، ودعم الابتكار وسوق العمل وغيرها من أوجه التعاون الأخرى.

+ posts

باحث ببرنامج السياسات العامة

أحمد بيومي

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى