«مسيرة الأعلام» الإسرائيلية.. مشاهد جديدة وتصعيد مُتوقع
رغم التحذيرات الفلسطينية من السماح لآلاف اليهود بتنظيم «مسيرة الأعلام» في مدينة القدس المُحتلة، إلا أن الحكومة الإسرائيلية سمحت بتنظيمها ما تسبب في أعمال عنف واسعة من شأنها أن تتصاعد ليتكرر سيناريو العام الماضي، الذي انتهى بخسائر فادحة أوجبت تدخل أطراف دولية لتنتهي بتهدئة بجهود مصرية، وفي مسيرة هذا العام تجاوز المستوطنين اليهود ما اعتبره الفلسطينيون الخطوط الحمراء، حيث اقتحم 40 ألفا من المشاركين في المسيرة للمسجد الأقصى في حماية 30 ألف شرطي، بالإضافة إلى رفع الأعلام الإسرائيلية داخل باحاته وتأدية الصلوات التلمودية بصوت عال، وهو ما أثار مشاعر الفلسطينيين واستفزاز الفصائل التي تبدو تستعد للرد، لنشهد جولة جديدة من العنف الذي عادة لا يخلو من الدماء.
مسيرة الأعلام
ينظم اليهود المتطرفون «مسيرة الأعلام» بشكل سنوي في يوم أطلقوا عليه «يوم القدس» للاحتفال بالسيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية في أعقاب حرب 1967، حيث يتوافد آلاف اليهود القوميين على القدس ويسيرون عبر شوارعها وأزقتها، لإحياء ذكرى الاحتلال والسيطرة على المدينة بشكل كامل.
ويحمل المشاركون فيها وبينهم عدد كبير من الصبية والمراهقين الأعلام الإسرائيلية ومكبرات الصوت، وهم يرقصون وينشدون أغانٍ وأناشيد قومية، ما يُعد استفزازًا كبيرًا للفلسطينيين من قبل الجماعات القومية وحركات الاستيطان المتشددة، حيث يحاولون المرور عبر الحي الإسلامي في البلدة القديمة انطلاقًا من باب العمود وصولًا إلى حائط البراق، أقدس المواقع لدى اليهود حيث يجتمع المشاركون في نهاية المسيرة.
وعادة في هذا اليوم، تفرض الشرطة الإسرائيلية إجراءات أمنية مشددة يشارك فيها الآلاف من رجال الأمن وعناصر الجيش في القدس المحتلة والضفة الغربية تحسبًا لوقوع أعمال عنف بين المتطرفين اليهود والفلسطينيين.
بدأت هذه الاحتفالات عام 1974 لكنها توقفت خلال الفترة ما بين عامي 2010 و2016 بسبب المواجهات التي كانت تندلع بين المشاركين في المسيرة والفلسطينيين. وعادة ما تجبر الشرطة الإسرائيلية أصحاب المتاجر الفلسطينيين في الحي القديم من المدينة على إغلاق محالهم لمنع حدوث احتكاكات بينهم وبين المتطرفين المشاركين في المسيرة، كما تقيم العديد من الحواجز لمنع وقوع مواجهات بين الفلسطينيين والمشاركين في المسيرة.
مشاهد من يوم المسيرة
نتنياهو يتقدم اقتحامات الأقصى
بالتزامن مع اقتحام مئات المستوطنين الإسرائيليين باحات المسجد الأقصى صباح يوم مسيرة الأعلام، انتهز رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو الفرصة وتقدم تلك الاقتحامات ودخل ساحة البراق بالمسجد الأقصى، وسط حماية مشددة أيضًا من قبل قوات الاحتلال، وفقًا لما نقلته وسائل إعلام فلسطينية.
أعضاء بالكنيست يشاركون
تزامن اقتحام المستوطنين بقيادة نتنياهو مع قيام عدد من أعضاء الكنيست الإسرائيلي باقتحام باحات المسجد الأقصى، ووقوع مواجهات بين قوات الاحتلال الإسرائيلي وعدد من الشباب الفلسطينيين، التي انتهت باعتقالات للشباب الفلسطيني فضلًا عن إصابات بين المرابطين الفلسطينيين داخل باحات المسجد، كما قامت قوات الاحتلال بإغلاق أبواب المسجد أمام المصلين الذين قاموا بتأدية الصلاة أمام الأبواب المغلقة للمسجد.
مواجهات
مساء يوم المسيرة، أعلن الهلال الأحمر الفلسطيني ارتفاع إصابات المواجهات في القدس المحتلة والضفة الغربية برصاص جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي المطاطي والضرب وغاز الفلفل إلى 199 إصابة، حيث تم نقل العشرات من المصابين للمستشفى لتلقي العلاج فيما تم علاج باقي المصابين ميدانيًا، كما أعلن الهلال الأحمر عن فتح المستشفى الميداني في مركز الإسعاف بحي الصوانة.
تدنيس المقدسات
من أكثر الأمور استفزازًا للفلسطينيين من قبل المستوطنين الإسرائيليين تدنيس المقدسات، وهو ما دفع المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية لاتهام إسرائيل «باللعب بالنار بلا مسؤولية وبتهور شديد» من خلال السماح للمستوطنين بتدنيس المقدسات في القدس. حيث أوردت وسائل الإعلام أن أغلقت مصلى الرحمة وحاصرت المصلين في المسجد القبلي.
ونقلت وكالة الأنباء الفلسطينية عن نبيل أبو ردينة قوله في حديث لإذاعة «صوت فلسطين» أن «إسرائيل تستهتر بالمجتمع الدولي، ولا تحترم قرارات الشرعية الدولية، وتعتبر نفسها فوق القانون، مطالبًا المجتمع الدولي وخاصة الإدارة الأمريكية بتحمل مسؤولياتها، تجاه ما يجري وعدم التعامل بازدواجية».
وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية إن أكثر من 500 مستوطن اقتحموا المسجد الأقصى، من جهة باب المغاربة بحراسة مشددة من الشرطة الإسرائيلية، مضيفة أن الشرطة أغلقت المصلى القبلي وحاصرت المصلين والمعتكفين داخله واعتقلت 10 شبان من باب السلسلة.
ووفقًا لمصادر محلية فلسطينية، فإن العشرات من عناصر الشرطة الإسرائيلية استبقوا اقتحامات المستوطنين باقتحام الأقصى، وانتشروا في ساحاته، وأغلقوا المصلى القبلي بالسلاسل الحديدية، وحاصروا المصلين داخله، مشيرة إلى أن المستوطنين اقتحموا ساحات الحرم على شكل مجموعات، ضمت كل مجموعة 40 فردًا، ونفذوا ما وصفتها بأنها “جولات استفزازية” في باحاته.
السجود الملحمي
وأدى المستوطنون للمرة الأولى ما يسمونه «السجود الملحمي» في باحات المسجد، حيث انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور لعدد كبير من المستوطنين وهم ينامون على بطونهم داخل المسجد الأقصى المبارك، وذلك أثناء اقتحامهم للمسجد بأعداد غفيرة حاملين الأعلام الإسرائيلية.
والسجود الملحمي يعبر عن تحقيق الإسرائيليين انتصارًا كبيرًا بدخولهم بكل تلك الأعداد إلى المسجد الأقصى، وهم يشكرون الرب بهذه الطريقة بعدما مكنهم من دخول باحات المسجد الأقصى، كما أنهم يعتقدون أنه خلال هذا السجود تتحقق أمنياتهم.
دعوات للتصدي وتوعد من حماس
بينما تدور تلك الأحداث، أشادت حركة «حماس» الفلسطينية بمقاومة «الشعب الفلسطيني والجماهير التي هبّت منذ فجر الأحد، واحتشدت ورابطت في المسجد الأقصى المبارك، وتصدّت لاقتحام المستوطنين تحت الحراسة العسكرية المشدّدة، داعيةً إلى أهمية وضرورة مواصلة النفير والزحف، تأكيدًا على عروبة القدس وإسلامية المسجد الأقصى»، مضيفة في بيان صحفي، أن منع الاحتلال لأبناء الشعب الفلسطيني من الوصول إلى المسجد الأقصى، واعتداءه على المرابطين فيه «لن يمنح الاحتلال سيادة مزعومة على أيّ شبر من المسجد الأقصى المبارك، الذي سيظل إسلاميًا خالصًا، ولا سيادة فيه إلّا لشعبنا الفلسطيني». وفي وقت متأخر من يوم الأحد، أعلنت أن ما جرى في البلدة القديمة في القدس والمسجد الأقصى «لن يغتفر»، مشيرة إلى أنها «قادرة على الرد على مسيرة الأعلام الإسرائيلية وأنها ستفعل ذلك في الوقت المناسب».
رئيس الوزراء محمد اشتية قال إن ما جرى في مدينة القدس والمسجد الأقصى أمس، تحول كبير وخطير في حلقة الصراع وبحاجة إلى وقفة جدية ومراجعة حقيقية للمتغيرات التي تجري أمام أعين العالم، مضيفًا في كلمته بمستهل جلسة الحكومة، اليوم الإثنين، أن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمراء والخطوط الدولية والاتفاقيات من خلال عدوانها المتكرر على الأقصى والقدس ومحاولتها فرض واقع يناقض «الستاتيكو» التاريخي للحرم القدسي الشريف، وقد احتاجت إسرائيل أكثر من 3000 شرطي وجندي وحوالي 40 ألف مستوطن، لترفع علمها في شوارع القدس.
وأكد رئيس الوزراء الفلسطيني، أن إسرائيل لم تستطع كسر إرادة الشعب الفلسطيني وفرض السيادة عليه وإخضاعه، مشددًا على أن الأهالي في القدس سيفشلون سياسة الأمر الواقع الجديد الذي تحاول أن تفرضه إسرائيل، وتابع: «القدس عاصمة دولة فلسطين وأهلها هم أهلنا، وهم من لحمنا ودمنا، وطهارة القدس من طهارة الأنبياء، ومن طهارة أرض فلسطين، أن ساعة العرب يجب أن تضبط بتوقيت القدس فهي أولى القبلتين».
وأضاف أن الإجراءات الإسرائيلية واجتياحات الأقصى والصلاة فيه، ورفع العلم في رحابه، يتطلب منا وقفة شجاعة ووقفة عز، ويتطلب من شعبنا البطل حماية مقدساته وأرضه ووطنه، ويتطلب من أمتنا العربية وقفة جدية ومراجعة حقيقية لطبيعة الصراع في فلسطين وعلى فلسطين، ويتطلب من العالم أجمع وقف الانتهاكات وتوفير الحماية للأرض والإنسان والمقدسات، مشيرًا إلى أن «بيانات الإدانة لا تكفي، وعلى العالم أن يقول ويفعل ما يحمي القانون الدولي والشرعية الدولية، وأن يخرج من دائرة الفشل فيما يتعلق بفلسطين إلى دائرة الفعل».
إدانات دولية
انطلاقًا من إدراك تداعيات الأحداث، أعربت وزارة الخارجية المصرية عن إدانتها بأشد العبارات لسماح السلطات الإسرائيلية باقتحام جماعات من المتطرفين باحات المسجد الأقصى المبارك تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، وحذرت عبر المتحدث باسمها أحمد حافظ من مغبة هذه التطورات التي تُنبئ بمزيد من الاحتقان والتصعيد على استقرار الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وأكد حافظ أن “المسجد الأقصى هو وقف إسلامي خالص للمسلمين، وعلى ضرورة وقف أية انتهاكات تستهدف الهوية العربية الإسلامية والمسيحية لمدينة القدس وكافة مقدساتها وكذلك تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم”، مطالبًا السلطات الإسرائيلية «بتحمل مسئوليتها وفق قواعد القانون الدولي والتدخل الفوري لوقف تلك الممارسات الاستفزازية التي تؤجج مشاعر المسلمين».
كما أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط عن إدانته الشديدة لقيام عدد من المتطرفين الإسرائيليين باقتحام الأقصى في حماية أعداد كبيرة من القوات الإسرائيلية، مؤكدًا أن هذا التحرك يشكل انتهاكًا جديدًا للوضع القائم كما يمثل استفزازًا كبيرًا للمشاعر العربية والإسلامية، ويمكن أن يترتب عليه إشعال الأوضاع في مدينة القدس ومناطق أخرى.
وصرح المستشار جمال رشدي المتحدث باسم الأمين العام بأن اقتحام ساحة الأقصى، في إطار ما يُعرف بـ«مسيرة الأعلام» هو عمل غير مسؤول يستهدف بالدرجة الأولى تحقيق مكاسب داخلية على الساحة الإسرائيلية، ويُحقق أهداف اليمين المتطرف الساعية إلى إلغاء كل وجود فلسطيني في القدس الشرقية المحتلة والتضييق على رواد الحرم القدسي لأهداف صارت معلومة للجميع. ونقل المتحدث الرسمي عن أبو الغيط مناشدته للقوى المؤثرة عالميًا والمجتمع الدولي عمومًا الضغط على إسرائيل لوقف هذه الاستفزازات التي تؤجج المشاعر الدينية، وتُزيد من منسوب الاحتقان وتغذي دائرة العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن شأنها دفع الجميع إلى أتون مواجهات دينية لن يحمد عقباها.
في السياق ذاته، أدانت الخارجية الإماراتية، اليوم الإثنين، بشدة اقتحام مستوطنين متطرفين لباحة المسجد الأقصى مُجددة في بيان لها موقفها الثابت بضرورة توفير الحماية الكاملة للمسجد الأقصى ووقف الانتهاكات الخطيرة والاستفزازية فيه، وضرورة احترام دور المملكة الأردنية الهاشمية في رعاية المقدسات والأوقاف بموجب القانون الدولي والوضع التاريخي القائم، وعدم المساس بسلطة صلاحيات إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى.
ودعت الوزارة السلطات الإسرائيلية إلى خفض التصعيد وإنهاء حالة من التوتر والاحتقان، كما أكدت أهمية ممارسة أقصى درجات ضبط النفس لتجنب الانجراف إلى مستويات جديدة من عدم الاستقرار، كما شددت الوزارة على أهمية دعم كافة الجهود الإقليمية والدولية المبذولة للدفع قدمًا بعملية السلام في الشرق الأوسط، وكذلك وضع حد للممارسات غير الشرعية التي تهدد الوصول إلى حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ختامًا، من المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة تصعيدًا يشمل رد فعل فلسطيني عنيفًا تجاه ما حدث في مسيرة الأعلام من انتهاكات استفزت شعورهم، وخصوصًا بعد تهديد حماس بالرد لأن ما حدث لا يغتفر، وأنها سترد على مسيرة الأعلام الإسرائيلية في الوقت المناسب، وهو سيناريو تكرر العام الماضي عندما ردت الفصائل الفلسطينية بإطلاق الصواريخ باتجاه تل أبيب وانتهى بوقف لإطلاق النار بجهود مصرية.
وتهدف مشاركة بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء السابق الذي يسعى للعودة إلى مكانته مرة أخرى في مقدمة الاقتحامات استقطاب لليمين الإسرائيلي، في محاولة منه لتجهيز نفسه حال إجراء انتخابات مبكرة للكنيست الإسرائيلي، خصوصًا بعد استقالة العضوة عيديت سيلمان التي تسببت في خسارة الأغلبية للحكومة الحالية، حيث أصبحت استقالة نائب واحد من التحالف الحكومي بمثابة إسقاط للحكومة، وإجراء انتخابات يستطيع نتنياهو الترشح فيها مستخدمًا أسلحته التي يعدها لهذه المعركة.
إن السجود الملحمي وأداء الصلوات التلمودية بصوت عالٍ في المسجد الأقصى بمثابة رسالة من المتشددين اليهود بتطبيق ما يسعون إليه بدون قرارات من المحاكم التي تسمح لهم بإجراءات مُعينة في المسجد، حيث إنه على الرغم من إلغاء المحكمة الإسرائيلية قرار يسمح لهم بأداء صلوات بصوت عالٍ، إلا أنهم استمروا في أدائها وخصوصًا أثناء اقتحامات مسيرة الأعلام.



