ليبيا

“تنافسية الخرائط”: لماذا أصبح الطريق نحو الانتخابات الليبية أكثر تعقيدًا؟

يسعى كافة الفواعل المنخرطين في الأزمة الليبية إلى إرساء رؤيتهم للمرحلة التمهيدية لعقد الانتخابات العامة، وهو ما يضعنا أمام مجموعة من “خرائط الطرق” المتقاطعة في مساراتها، رغم أنها جميعًا تستهدف الوصول إلى صناديق الاقتراع والاستفتاء. ويثير هذا التقاطع والتنافس المتفاوتة درجاته المخاوف من الارتداد عن التسوية السياسية للأزمة، وربما اشتعال جولات ميدانية من الاقتتال تقضي على ما تبقى من بصيص أمل في استعادة الاستقرار، ما يستدعي البحث في طبيعة وأنماط المسارات المطروحة على الساحة، وأوجه ومستويات التباين والتقاطع فيما بينها، وصولًا إلى استشراف مستقبل هذا المشهد المتأزم.

أهداف متطابقة ومسارات مُتقاطعة 

تصدرت الانتخابات العامة الليبية قائمة أولويات كافة الأطراف الفاعلة بالأزمة الليبية، المحلية والإقليمية والدولية، ومثّل تاريخ 24ديسمبر رمزيةً لإنهاء الصراع المتصاعد تأثيراته ومخاطره على مدار السنوات الـ (11) المُنصرمة. ومنذ إعلان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن تشكيل خارطة طريق لحل الأزمة، نوفمبر2020، كانت كافة الجهود مُنصبة على الاستعداد لطي هذه الصفحة القاتمة في تاريخ الدولة الليبية، ولكن تلاشي فرص الاحتكام للصناديق كان مُحفزًا لظهور “خرائط طرق” جديدة تنذر بإعادة انتاج جولات صراعية جديدة. ونشير تاليًا إلى أبرز المسارات المطروحة لمرحلة ما قبل الانتخابات:

أولًا: خارطة الطريق للمرحلة التمهيدية للحل الشامل أو “الخارطة الأممية”: صدرت هذه الخارطة عن المشاركين بملتقى الحوار السياسي في جنيف (16نوفمبر2020) برعاية البعثة الأممية، وتضمنت (7) مواد تستهدف تعزيز الشرعية بالبلاد عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية على أساس دستوري، ودشنت تلك الخارطة لانتخاب سلطة تنفيذية جديدة لقيادة البلاد نحو الانتخابات وإنهاء الانقسام، فقد جرى انتخاب مجلس رئاسي جديد وحكومة وحدة وطنية برئاسة “عبد الحميد الدبيبة”، وأقرت أن هذه المرحلة تمتد لنحو (18) شهرًا، يجرى خلال الانتخابات في 24ديسمبر2021.

ثانيًا: خارطة الطريق البرلمانية أو “الاتفاق الليبي-الليبي”: أصدرها مجلس النواب الليبي واعتمدها بالتعديل الدستوري الثاني عشر (10فبراير2022)، بالتوافق بين لجنتي خارطة الطريق بمجلسي النواب والدولة، وتضمنت (12) مادة تستهدف الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية على أساس دستوري، ودشنت لاستبدال حكومة جديدة برئاسة “فتحي باشاغا” محل حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن مسار جنيف، على أن تتولى الحكومة الجديدة قيادة البلاد نحو الانتخابات وإنهاء حالة القوة القاهرة التي عطلت انتخابات 24ديسمبر الماضي. وأقرت الخارطة أن تلك المرحلة ستنتهي في غضون (14) شهرًا بإجراء استفتاء على الدستور وانتخابات عامة.

ثالثًا: خطة عودة الأمانة للشعب أو “خارطة الدبيبة”: أعلن رئيس حكومة الوحدة “الدبيبة” أنه بصدد طرح خارطة طريق بعنوان “عودة الأمانة للشعب”، تستهدف الذهاب إلى انتخابات في يونيو المُقبل، وتقوم على صياغة قوانين انتخابية مُنظمة للاستحقاق من خلال لجنة ترأسها وزيرة العدل بحكومته، وأنها ستتضمن طرح مشروع الدستور المُنجز من قبل الهيئة التأسيسية للاستفتاء الشعبي، في سياق رفضه لتسمية رئيس وزراء جديد من مجلس النواب لحل محله. وأكد الدبيبة أن خارطة الطريق، التي لم يتم طرحها حتى توقيت كتابة هذا المقال رغم إعلانه أنها ستنشر بالتزامن مع ذكرى الثورة (17فبراير)، ستتماشى مع خارطة الطريق الأممية، وستمتد نحو (5) أشهر لتنفيذ كافة مستهدفاتها.

تباينات مُعطلة

تكشف الخرائط الثلاث وجود اتفاق ضمني بين كافة الأطراف والفواعل على أن الذهاب إلى الانتخابات العامة هو أقصر الطرق للخروج من دورات الصراع الآخذة في التجدد. ويُلاحظ أن هذه المسارات خرجت أيضًا عن ذات الجهات التي صاغت أو قامت على تطبيق خارطة الطريق الأممية، وهو ما يثير التساؤل حول جوهرية الاختلاف ومستويات التباين بين المشروعات المطروحة، وهو ما يدور حول اختلافين: أولهما، تراتبية الاستحقاقات؛ أي تزامن الانتخابات العامة مع الاستفتاء على الدستور أم سيسبق أحدهما الآخر. وثانيهما، هوية المسؤول عن إدارة المرحلة الانتقالية، كمن صاحب الاختصاص في إدارة شؤون الدولة، ومن لديه صلاحيات سن التشريعات المُنظمة للاستحقاقات المنتظرة. وهو ما يمكن مناقشته كالآتي:

أولًا: تراتبية الاستحقاقات: أثارت هذه الإشكالية جدلًا كبيرًا داخل الأوساط الليبية منذ طرح “الخارطة الأممية”؛ إذ نصت على إنجاز الاستحقاق الدستوري خلال (60) يومًا من تاريخ اعتماد الخارطة، ولم تنجح المؤسسات المعنية بالعملية الدستورية في تحقيق ذلك، وفشل ملتقى الحوار في إقرار قاعدة دستورية مؤقتة تنظم سير العملية الانتخابية، وانتهى الملتقى بأربعة مقترحات تضمن بعضها تأجيل الانتخابات.

وعرقل الخلاف بين مجلسي النواب والدولة حول تراتبية الاستحقاقات التوافق حول صياغة القوانين الانتخابية؛ إذ تمسك الدولة بطرح مشروع الدستور للاستفتاء قبل إجراء الانتخابات، قبل أن يتراجع عن موقفه نسبيًا ويصر على إجراء الانتخابات البرلمانية قبل الانتخابات الرئاسية. وذهب مجلس النواب إلى إقرار قوانين انتخابية مُنظمة للاستحقاق الرئاسي والبرلماني، على أن يتم إجراء النسخة الرئاسية قبل نظيرتها البرلمانية، وإرجاء الاستفتاء على الدستور لما بعد الانتخابات العامة.

ثانيًا: إدارة المرحلة الانتقالية: مثل التنافس على إدارة المرحلة الانتقالية عاملًا مُعرقِلًا لخرائط الطرق ذاتها، ففي كل منها تطفو رغبة ضمانة النفوذ والتأثير على الحالة الليبية بشكل واضح. فالبعثة الأممية، صاغت خارطتها لتصبح فاعلًا مؤثرًا بالمشهد عبر ملتقى الحوار السياسي الذي قامت باختيار أعضائه، بالإضافة إلى حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي المنتخبين عبر الملتقى ذاته. وهو ما أثار حفيظة القوى التقليدية الفاعلة بالداخل الليبي وبعض القوى الخارجية أيضًا من انفراد البعثة بإدارة المشهد، وبالتالي ضمانة مصالح القوى الدولية القريبة من البعثة والإضرار بمصالحها وتأثيرها.

ويُظهر التعديل الدستوري الـ (12) أو خارطة الطريق البرلمانية أن مجلسي النواب والدولة راغبان في استعادة دورهما الحاسم في إدارة العملية الانتقالية، فهما المسؤولان عن تشكيل لجنة الخبراء لتعديل مشروع الدستور، وحال فشل مساعي إقرار دستور دائم للبلاد سيكونان مسؤولين عن تشكيل لجنة لصياغة قاعدة دستورية مؤقتة، ناهيك عن دورهما الحصري في إدارة عملية التشريع للاستحقاقات، وأنهما توافقا على اختيار رئيس الحكومة الجديد الذي سيدير شؤون الدولة بالمرحلة التالية.

يضاف إلى ما سبق أن ما جرى الإشارة إليه من عناصر بـ “خارطة الدبيبة” تشير بوضوح إلى رغبته في البقاء على رأس السلطة التنفيذية بالمرحلة الانتقالية، بل وطرح نفسه كشريك بعملية سن التشريعات الانتخابية، عبر تشكيل لجنة من وزارة العدل بحكومته لصياغة قوانين الانتخابات المُقبلة.

سيناريوهات مُحتملة

في ظل تعقد المشهد الليبي الراهن، وعدم رغبة الأطراف على اختلافها في الارتداد للمربع الأول مجددًا، يبدو أن السيناريوهات المُحتملة فيما يتصل بمستقبل الاستحقاقات الانتخابية والدستورية تذهب في ثلاثة اتجاهات، فإما استمرار التنافسية بين خرائط الطريق المطروحة، أو التغليب طوعيًا لواحدة على ما سواها، أو صياغة خارطة توافقية تضمن احتفاظ البعض أو الكل بنفوذه وتأثيره بالمرحلة القادمة.

السيناريو الأول: استمرار تنافسية الخرائط: يتصل هذا المسار بتمسك كل من أصحاب تلك المبادرات بموقفه وعدم إبداء نية في التراجع عنه، وهو ما يعني أن تصر البعثة الأممية على استكمال خارطة جنيف عبر استدعاء لجنة الـ (75) مجددًا للاجتماع وإطلاق مسار انتخابي موازٍ، وشروع مجلسي النواب والدولة في تشكيل لجنة تعديل الدستور الدائم وصياغة قوانين انتخابية توافقية بينهما، فيما يطرح الدبيبة خطته ويستمر في رفض تسليم السلطة لحكومة باشاغا. 

ورغم كونه سيناريو ضعيفًا، إلا أنه وارد في مشاهداته الثلاثة السابقة أو على الأقل اثنين منها، وسيقود إلى تشتيت جهود التسوية وإنتاج هياكل جديدة للسلطة منقوصة الشرعية، فضلًا عن كونه أكثر الاحتمالات المُقترنة بخطر استمرار انقسام مؤسسات الدولة، أو نشوب مواجهات عسكرية محدودة وتصاعد التحديات الأمنية بالبلاد.

السيناريو الثاني: صياغة خارطة توافقية: يرتبط هذا السيناريو بوصول التصعيد بين رعاة الخرائط سابقة الذكر إلى ذروته، ورغبتهم في التفاوض للوصول إلى صيغة توافقية لحلحلة الانسداد المتنامي “صفقة”، وسيحرص كل منهم على احتواء وتضمين رؤية الأخر بما يحقق له أهدافه وضمانة تأثيره ومصالحه. 

وهو سيناريو أكثر ترجيحًا من الأول؛ كون الخرائط الثلاثة مستهدفة في النهاية لعقد انتخابات واستفتاء على الدستور، ولكن سيكون مرهونًا بمدى قدرة أي من الثلاثة على حصد أوراق تفاوضية يساوم بها نظراءه. وقد بدأت مبكرًا جهود الوساطة بين الدبيبة وباشاغا للحيلولة دون الانزلاق إلى السيناريو الأول، ولكن فُرص التوافق بين خارطة البرلمان وخارطة الدبيبة لا تبدو قابلةً للتحقق بسهولة؛ كون أول اختلافاتهما يتصل باستبدال رئيس الحكومة.

السيناريو الثالث: تغليب إحدى الخرائط طوعيًا: يقوم هذا المسار على نجاح خارطة بعينها في الدخول حيز التنفيذ، وإقصائها لما عداها من مسارات موازية. وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا بين الثلاثة احتمالات؛ إذ يُقدر أن تنجح خارطة الطريق البرلمانية في استكمال خطاها، أي تشكيل لجنة تعديل الدستور الدائم وتسلم الحكومة الجديدة مقاليد السلطة بطرابلس، وبذلك يكون التوافق بين مجلسي النواب والدولة قابلًا للتحقق فيما سيكون مُقدرًا له أن يتم لاحقًا بتوافق بينهما، كالتشريعات الانتخابية أو إقرار قاعدة دستورية مؤقتة.

وستتلاشى السيناريوهات السابقة بخروج الدبيبة من السلطة التنفيذية، وستكون التحركات الأممية المضادة لمثل هذا التوافق خطوات عرقلة للإرادة الليبية، وهو ما لن تقدم عليه البعثة في هكذا مُناخ توافقي غير مسبوق داخليًا.

وإجمالًا، يمكن القول إن تزاحم خرائط الطرق في ليبيا أصبح عاملًا مُعرقلًا لمساعي الوصول إلى صناديق الانتخابات، سواء بعد (5) أشهر أو (14) شهرًا، وستكشف التفاعلات الجارية بين الفواعل المنخرطين بالأزمة خلال الأيام والأسابيع القليلة المُقبلة عن السيناريو الذي سيفرض نفسه على المشهد الليبي، وإن كانت جميعها تشير إلى أن “تنافسية الخرائط” جعلت الطريق نحو الانتخابات الليبية أكثر تعقيدًا.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى