العراق

انتزاع المكاسب.. ماذا وراء محاولة اغتيال مصطفى الكاظمي؟

لم تتوقف الميلشيات الولائية في العراق عن التصعيد ضد الدولة والحكومة وخاصة شخص رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي منذ أن منيت كتلها وتحالفاتها السياسية بهزيمة كبيرة في الانتخابات التشريعية (10 أكتوبر) والتي تبعدها كثيرًا عن المعترك الحكومي المقبل. وآخر هذه المشاهد التصعيدية هي محاولة اغتيال الكاظمي عبر ثلاث طائرات مسيّرة استهدفت منزله في الساعات الأولى من اليوم (7 نوفمبر)، وقبلها محاولات من أنصار الميلشيات لاقتحام المنطقة الخضراء والاشتباك مع قوى الأمن (5 نوفمبر)، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة نحو 125 آخرين. مما ينذر بمشهد من عدم الاستقرار والفوضى الأمنية في العراق.

سياق تصعيدي

أكدت وزارة الداخلية العراقية أن محاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي جرت بثلاث طائرات مسيرة مختلفة الأحجام، وتمكنت القوات الأمنية من إسقاط طائرتين منها، ولم يصب الكاظمي بأذى، فيما وقعت إصابات في صفوف قوات حمايته، ووجهت القوات الأمنية بفتح تحقيق في ملابسات الحادث. 

وكان شخص الكاظمي محل وعيد وتهديد أكثر من مرة من قبل الميلشيات العراقية، وخاصة بعد أحداث (5 نوفمبر) في محيط المنطقة الخضراء، والتي وصفتها الميلشيات بـ”مجزرة الجادرية” مُدعية أن القوات الأمنية أقدمت بأوامر من الكاظمي على استهداف “المتظاهرين السلميين” بالرصاص الحي وحرق خيامهم التي نصبوها للاعتصام أمام المنطقة الخضراء في بغداد اعتراضًا على نتائج الانتخابات التي أقصت الكتل التابعة للميلشيات من المشهد السياسي العراقي بشكل كبير، بعدما حصدت كتلة الفتح بزعامة هادي العامري على نحو 16 مقعدًا فقط نزولًا من 48 مقعدًا في انتخابات 2018، وكذا عدم حصول حركة “حقوق” التابعة لكتائب حزب الله على أي مقاعد.

وكان لافتًا أن زعماء وقادة الميلشيات الولائية كلها قد عمدوا إلى الظهور بالأمس (6 نوفمبر) في مجلس العزاء في ضحايا أحداث المنطقة الخضراء الذين قدّروهم بـ4 قتلى، على خلاف رواية وزارة الصحة العراقية. فظهر في هذا المجلس كل من هادي العامري رئيس كتلة الفتح وأمين عام منظمة بدر وأبو حسين الحميداوي أمين عام كتائب حزب الله وأبو آلاء الولائي الأمين العام لكتائب سيد الشهداء وأبو فدك المحمداوي رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي وقيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق والذي توعد الكاظمي بالأمس بمحاكمته على “دماء الشهداء”. وهو استعراض يهدف إلى إيصال رسائل تصعيدية واضحة لعدة أطراف، يأتي الكاظمي في مقدمتها.

ويندرج في الإطار ذاته استهداف مقر جهاز المخابرات الوطنية العراقية الذي يترأسه الكاظمي أيضًا (31 أكتوبر) بأربعة صواريخ سقطت جميعها قرب مبنى الجهاز، وهو الهجوم الصاروخي الثاني على محيط المقر في غضون ثلاثة أشهر؛ إذ استُهدف مقر المخابرات العراقية بصاروخين (29 يوليو) في أعقاب جولة الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد. مما يؤشر إلى رغبة الميلشيات في استهداف شخص الكاظمي ودوائر الدعم الأساسية له. ولكن على الجهة الأخرى، تحاول الميلشيات التنصل من مسؤوليتها عن محاولة اغتيال الكاظمي، ووصفتها عصائب أهل الحق في بيان بأنها “محاولة لخلط الأوراق لمجيئها بعد يوم واحد على الجريمة الواضحة بقتل المتظاهرين والاعتداء عليهم وحرق خيمهم”.

رسائل ما بعد الانتخابات

تستهدف الميلشيات الموالية لإيران في العراق من وراء هذه الأحداث والسياقات التصعيدية منذ صدور نتائج الانتخابات والتي بدأت برفض النتائج ووصفها بالمزيفة وصولًا إلى محاولة اغتيال الكاظمي إلى إيصال رسائل داخلية وإقليمية إلى عدة أطراف داخل وخارج العراق، وتحقيق عدة أهداف، ومنها:

  • إثبات القوة

أرادت الميلشيات إيصال رسالة واضحة إلى الأطراف السياسية التي حققت مكاسب في الانتخابات التشريعية وفي مقدمتها مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الذي حاز الأغلبية ب73 مقعدًا بأن الكتل التابعة لها وإن كانت قد مُنيت بهزيمة في الانتخابات إلا أنها لا تقبل بتنحيتها عن مشهد التحالفات في البرلمان ومشاورات تشكيل الحكومة. خاصة وأن حشد المتظاهرين لاقتحام المنطقة الخضراء (5 نوفمبر) وما تلاه من أحداث قد تزامن مع بدء مشاورات تشكيل الحكومة، وذلك بلقاء مقتدى الصدر بكل من رئيس مجلس النواب ورئيس كتلة تقدم محمد الحلبوسي، ووفد من الحزب الديمقراطي الكردستاني يرأسه وزير الخارجية السابق هوشيار زيباري، ورئيس الوزراء السابق ورئيس كتلة النصر حيدر العبادي، ورئيس تيار الحكمة عمار الحكيم. 

وقد بدا لدى مقتدى الصدر توجه بتنحية الكتل التابعة للميلشيات الولائية لإيران مثل تحالف الفتح أو حتى الكتل المقربة لإيران مثل ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وهي قوى صعّدت بشكل كبير ضد نتائج الانتخابات ضمن ما يسمى “الإطار التنسيقي للقوى الشيعية” الذي أكد أنه “سيتخذ جميع الإجراءات المتاحة لمنع التلاعب بأصوات الناخبين”. وقد عبّر الصدر عن هذا التوجه بحديثه عن أن الحكومة المقبلة ستكون “حكومة الأغلبية الوطنية”. ما يشير إلى احتمالات أن تتشكل الحكومة من التيار الصدري وكتلة تقدم والحزب الديمقراطي الكردستاني منفردًا أو مع تحالف كردستان، بجانب بعض الكتل الشيعية مثل تيار الحكمة وائتلاف النصر، ومن ثم إقصاء الكتل الأخرى. وهو ما تحاول الميلشيات عرقلته بتأكيد قوتها، ومن ثم ضرورة تشكيل حكومة توافقية شاملة على غرار الحكومات السابقة.

  • إقصاء الكاظمي

تبنى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي منذ مجيئه رئيسًا لوزراء العراق (مايو 2020) توجهًا يهدف إلى محاربة “السلاح المنفلت”، وحصر السلاح بيد الدولة، ومأسسة قوات الحشد الشعبي. وهو ما أدخله في مواجهة طويلة الأمد مع الميلشيات والفصائل المسلحة التي اقتحمت المنطقة الخضراء في بغداد ونظمت استعراضات عسكرية واستهدفت ناشطين مناوئين لها غير مرة في مناطق مختلفة في العراق. هذا علاوة على تبني الكاظمي مقاربة عروبية نسبية سعى من خلالها إلى توطيد علاقات العراق مع محيطه العربي بالتوازي مع العلاقات العراقية الإيرانية المتجذرة.

وبناء على هذه المواجهة، تسعى الميلشيات إلى ضمان ألا يكون الكاظمي رئيسًا جديدًا للحكومة العراقية، لا سيّما وأن مؤشرات عدة تشير إلى احتمالية أن يأتي الكاظمي إلى سدة رئاسة الحكومة كمرشح توافقي تقبل به أكثرية القوى في الداخل والخارج. الأمر الذي يعني استمرار سياسة الكاظمي فيما يتعلق بمحاربة “السلاح المنفلت”، وهي السياسة التي أعلن الصدر قبل وبعد الانتخابات دعمه لها مشددًا على “حصر السلاح بيد الدولة ومنع استعماله خارج هذا النطاق” (11 أكتوبر) ثم قرر تجميد أعمال سرايا السلام التابعة له.

وتعد الأحداث التي شهدتها المنطقة الخضراء (5 نوفمبر) وسياقاتها المتعلقة بدفع أنصار الميلشيات إلى اقتحام المنطقة وقطع الطرق الرئيسة المؤدية إليها وتعمد الاشتباك مع قوات الأمن؛ أحد الوسائل التي تهدف من ورائها الميلشيات إلى تحقيق هذا الهدف؛ من خلال تحميل الكاظمي مسؤولية “إراقة دماء المتظاهرين السلميين الذين يقومون بثورة ضد الظلم والفساد”، وصناعة مظلومية بين صفوف العراقيين شبيهة بضحايا احتجاجات أكتوبر 2019 والمطالبة بضرورة محاسبة الكاظمي بوصفه المسؤول عنها.

  • التلويح باستمرار الاستهداف

تشير كل هذه الأحداث، وخاصة حضور كافة قيادات الميلشيات الرئيسة في الحشد الشعبي مجلس العزاء في المنطقة الخضراء أمس (6 نوفمبر) إلى أن هناك رسالة من الميلشيات ومن إيران أيضًا باستمرار الضغط على الحكومة العراقية المقبلة والولايات المتحدة لإخراج جميع القوات الأجنبية من العراق وتنفيذ قرار البرلمان العراقي القاضي بذلك (6 يناير 2020). وكذا، أن الاتفاق بين واشنطن وبغداد خلال الحوار الاستراتيجي على سحب جميع القوات القتالية وإبقاء عدد من المستشارين لن يكون مقبولًا لديهم.

إجمالًا، قد تتجه الأوضاع في العراق إلى المزيد من الفوضى وعدم الاستقرار إذا لم تراعِ مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة القواعد التي جرى التوافق عليها إبان تشكيل الحكومات السابقة كافة منذ الغزو الأمريكي للعراق بالنظر إلى أهمية هذه المناصب الوزارية التي كانت تحصل عليها الكتل التابعة للميلشيات أو المقربة من إيران بالنسبة لها والمكاسب –وخاصة المادية- التي تجنيها من ورائها. ولذا فإن التصعيد في التصريحات والمواقف الذي اتبعه الصدر يقابله التصعيد العنيف من قبل الميلشيات قد يفضي إلى توافق، خاصة وأن استمرار التصعيد لا يخدم أيًا من الأطراف.

+ posts

باحث أول بالمرصد المصري

محمد عبد الرازق

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى