العراق

انعكاسات محتملة: انتخابات مجالس المحافظات في العراق

شهدت العراق في الثامن عشر من ديسمبر 2023 انتخابات مجالس المحافظات العراقية في 15 محافظة، بمشاركة 6.6 مليون ناخب بنسبة 41%، لم تجرى هذه الانتخابات منذ آخر انعقاد لها في 2013، حيث شهدت العراق جولات سابقة للانتخابات المحلية في أعوام2005 و2009. وعلى الرغم من اعتبار (أربيل والسليمانية ودهوك) مراكز ضمن التصويت الخاص للنازحين لانتخابات مجالس المحافظات غير المنتظمة بإقليم 2023، لكن الإقليم يخضع للحكم الذاتي، وله إجراءات انتخابية منفصلة عن بغداد، أما كركوك تظل إحدى المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية والإقليم، وتخضع للانتخابات التي تجريها الحكومة المركزية منذ عام 2017 بعد فشل انفصالها، جدير بالإشارة إلى إلغاء مجالس المحافظات بعد الاحتجاجات التي شهدتها العراق في أكتوبر 2019، لعدم قيامها بالدور المنوط بها من حيث الخدمات اليومية في مجال الكهرباء، وقضايا الفساد المالي والإداري، حيث يتم السيطرة على الموارد المخصصة لتطوير البنية التحتية في المحافظات من قبل القوى السياسية بها.  

السياق الانتخابي

وفقًا لقانون رقم 4 لسنة 2023 المادة التاسعة البند الثاني منه، فإن مجلس المحافظة يتكون من اثني عشر مقعدًا، واحد لكل مائتي ألف نسمة لما زاد على مليون نسمة، وتتوزع 275 مقعد على المحافظات و75 مقاعد كوتا للنساء، وتشمل (الأنبار 16 مقعدًا و4 للنساء، البصرة 22 مقعدًا و6 للنساء، الديوانية 14 مقعدًا و4 مقاعد للنساء، المثنى 12 مقعدًا و3 للنساء، النجف 15 مقعدًا و4 للنساء، بابل 18 مقعدًا و5 للنساء، بغداد 49 مقعدًا و13 للنساء، ديالى 15 مقعدًا و4 للنساء، ذي قار 18 مقعدًا و5 للنساء، صلاح الدين 15 مقعدًا و4 للنساء، كربلاء 13 مقعدًا و4 للنساء، كركوك 15 مقعدًا و4 للنساء، ميسان 13 مقعدًا و4 للنساء، نينوى 26 مقعدًا و7 مقاعد للنساء، واسط 14 مقعدًا و4 مقعد للنساء).

أما بالنسبة لتوزيع المكونات المسيحية والصابئة المندانيين والكرد الفيليين، وفقًا للقانون فهناك ثلاثة مقاعد لكل مكون مقعد واحد في بغداد، والمكونات المسيحية والإيزيدية والشبك في نينوى ثلاثة مقاعد لكل مكون، وللمكون المسيحي مقعد واحد في البصرة، والكرد الفيليون مقعد واحد في واسط، والصابئة المندائيين مقعد واحد في ميسان، والمكون المسيحي مقعد واحد في كركوك، وفيما يتعلق بالمقاعد المخصصة لهذه المكونات تكون المحافظة التي خصص لها مقعد الكوتة دائرة انتخابية واحدة لانتخابات مجالس المحافظات، ويكون الترشيح فرديًا ضمن الدائرة الانتخابية، ويعد الفائز الحاصل على أعلى الأصوات.

اتسمت المشاركة الانتخابية في مجالس المحافظات 2023 بنسبة محدودة  41% وشهدت محافظة كركوك الغنية بالنفط نسبة مشاركة مرتفعة بنسبة 66%، ولم يشارك التيار الصدري في العملية الانتخابية مما أعطى نفوذًا أكبر للقوى الشيعية الممثلة في الائتلاف الحاكم وهو “الإطار التنسيقى” بنحو 101 مقعدًا في المحافظات الوسطى والجنوبية باستثناء (البصرة وواسط وكربلاء)، وحصل تحالف “قوى الدولة الوطنية” برئاسة “عمار الحكيم” و”حيدر العبادي” على 22 مقعدًا، بينما حصل ائتلاف دولة القانون بزعامة “نوري المالكي” على 26 مقعدًا في جميع المحافظات، وكان للائتلاف أكبر عدد من الأصوات في محافظة المثنى ، وحصل تحالف “نبني” الذي يضم منظمة “بدر” برئاسة “هادي العامري” و”عصائب أهل الحق” برئاسة “قيس الخزعلي” على 43 مقعدًا، وسيطر تحالف الحلبوسي في الأنبار والذي يضم (تقدم، الأنبار هويتنا، قمم) بحصوله على 11 مقعدًا، و9 مقاعد في بغداد، وحصلت القوى السنية الأخرى في بغداد على 17 مقعدًا. 

كذلك حصل تحالف تصميم برئاسة” أسعد العيداني” على عدد الأصوات الأكبر في محافظة البصرة، بينما سيطر تحالف نبني برئاسة “هادى العامري” على محافظة “القادسية” و”النجف” و”بابل” و”ذي قار” و”ميسان”، وفى ديالى حصل تحالف “ديالتنا الوطني” على أكبر الأصوات، وسيطر تحالف “الجماهير الوطنية” برئاسة أحمد الجبوري في محافظة صلاح الدين، بينما سيطر تحالف “إبداع كربلاء” في محافظة كربلاء، وتحالف “كركوك قوتنا واردتنا” في كركوك، وفى نينوى سيطر تحالف “نينوى لأهلها” وحزب “التقدم الايزيدي”، وسيطر تحالف “واسط أجمل” في محافظة واسط.

وقد حصلت القوائم الكردية على 7 مقاعد في كركوك، و6 مقاعد للقوائم العربية، ومقعدين للقائمة التركمانية، وحصلت قائمة السنة على 8 مقاعد في محافظة “ديالي”، و6 مقاعد لقائمة التحالفات الشيعية، ومقعد للاتحاد الوطني الكردستاني، وحصل التركمان على مقعدين، والأكراد بنحو 7 مقاعد، وكان الاتحاد الوطني الكردستاني في المركز الأول في محافظة كركوك، بينما حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على المركز الأول في محافظة نينوى. 

انعكاسات مُحتملة

لهذه الانتخابات أهمية كبيرة لأن النتائج تحدد حصص وتوازنات القوى السياسية من مجالس المحافظات العراقية التي تقوم بدور في التشريع والرقابة داخل المحافظات، خاصة أن المجالس لها موارد مالية مستقلة ولا تخضع لسيطرة أو إشراف أي وزارة، ووفقًا للمادة 122 من الدستور فإن للمجالس دور في وضع خطط التنمية المحلية وانتخاب حكام الأقاليم وإجراء التعيينات الخاصة بها، ولها صلاحيات إدارية ومالية واسعة بما يمكنها من إدارة شؤونها وفقًا لمبدأ اللا مركزية الإدارية وينظم ذلك وفقًا للقانون، وتكون مدة الدورة الانتخابية لمجلس المحافظة والقضاء أربع سنوات تبدأ بأول جلسة لها وفقًا للمادة 48 من قانون مجالس المحافظات والأقضية رقم 12 لسنة 2018. 

ويتطلب حسم منصب المحافظ لصالح أي من القوى الأغلبية المطلقة (نصف عدد الأصوات+ واحد)، وتمثل نتائج الانتخابات والتحالفات المنبثقة عنها مؤشرات للمسارات الانتخابية القادمة كالانتخابات التشريعية في عام 2025، وسترتب هذه النتائج انعكاسات على المشهد السياسي العراقي، خاصة أن القوى الشيعية حاصلة على أكبر عدد من الأصوات بما يمكنها من نفوذ أكبر في المجالس المحلية، وبما يعزز موقفها في تشكيل الإدارات المحلية في “نينوى وكركوك والأنبار وصلاح الدين”، خاصة أن السيطرة على مجالس المحافظات تعنى السيطرة على منصب المحافظ وعلى الميزانية المخصصة للقطاعات المختلفة في المحافظة، وتمثل الأصوات التي حصلت عليها قوى الإطار التنسيقى كتلة تمكنها من الحصة الأكبر بشأن تشكيل الحكومات المحلية، وبما يدفعها إلي سيطرة أكبر على المشهد السياسي في العراق في ظل نفوذها في الحكومة والبرلمان.

تقدمت قوى الإطار التنسيقي في بغداد بحصولها على 25 مقعدًا، بينما حصل الحلبوسي والقوى المتحالفة معه في بغداد على 21 مقعدًا، بما يقود إلى سيطرة قوى الإطار التنسيقى على منصب محافظ بغداد، وترجح المؤشرات الأولية استمرار بعض المحافظين في مناصبهم مثل محافظ البصرة وواسط ونينوى وكربلاء، لحصولهم على عدد كبير من الأصوات التي تمكنهم من البقاء في المنصب.

فيما يمثل أصوات الحلبوسي في الأنبار حظ أفضل لكسب منصب رئيس مجلس المحافظة، كما شهد الحلبوسى نسبة كبيرة في بغداد على الرغم من إقالته من رئاسة البرلمان العراقي، وجاء في المركز الثاني في ديالي والرابع في نينوى، وصلاح الدين، بينما حصل ائتلاف دولة القانون برئاسة “نوري المالكي” على المركز الأول في محافظة المثني، وبالرغم من حصول القوائم السنية على عدد مقاعد أكبر في محافظة ديالى، لكنها لن تتمكن من نيل منصب المحافظ لأنها تشهد صراعًا طائفيًا، وفى هذا السياق ربما تعقد صفقة بين تحالف العزم بزعامة “مثني السامرائي” الحاصل على مقعدين مع القوى الشيعية، وأن يؤول منصب المحافظ إلى الشيعة، وأن يحصل السنة على منصب رئيس مجلس المحافظ.

ونظرًا لتقدم الحلبوسي في الأنبار وبغداد، فقد أعلن عن انفتاحه على جميع القوى السياسية سواء السنية أو الشيعية بهدف تشكيل مجلس محلي قوي يركز في أهدافه على تقديم الخدمات، لكن القوى السنية منقسمة بين تحالف الحلبوسي “تقدم”، والسيادة برئاسة “خميس الخنجر”، وحزب الجماهير الوطنية برئاسة “أحمد الجبوري”، والعزم برئاسة “مثني السامرائي”، وتحالف الحسم برئاسة وزير الدفاع “ثابت العباسي”، ونتيجة لضعف نسب القوى المدنية أو حراك تشرين وحصولها على 6 مقاعد فقط في جميع المحافظات، فلن يكون لها وزن مؤثر بين التيارات السياسية، وعليه وفى ضوء المؤشرات السابقة ربما نشهد تقاسم في إدارة مجالس المحافظات في بغداد وبعض المحافظات في غرب وشمال العراق.

في الأخير، ترتب نتائج الانتخابات تأثير على التحالفات وتوازنات القوى في المحافظات، الأمر الذي سينعكس على نفوذها في الاستحقاقات القادمة، وعلى خريطة التوازنات السياسية في العراق والتي لن تتغير كثيرًا عن المشهد المعتاد. 

رحاب الزيادي

باحث ببرنامج العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى