
“شفرة النصر”.. الصول أحمد إدريس و “اللغة النوبية”
بعد رحلة كفاح ممزوجة بإخلاص للوطن، رحل عن عالمنا البطل أحمد إدريس، ابن النوبة الذي جاء بفكرة جعل لغة التواصل بين القوات العسكرية المصرية هي اللغة النوبية، وكانت الفكرة نقطة تحول نظرًا لأنه يتم التحدث بها فقط بدون أبجدية؛ فاللغة النوبية تنطق ولا تكتب ولن يستطيع أحد فك الشفرة نظرًا لخلو اللغة من حروفها، ومن خلال فكرة إدريس تمكّن الجيش المصري من تشفير الاتصالات وتفسيرها.
ومع تحرك 100000 جندي مصري نحو قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973، سمع الضباط الإسرائيليون أوامر تصدر من لغة قديمة لم يسمع بها من قبل فاجأتهم وصدمتهم؛ فقد سمع الضباط الإسرائيليون أوامر مثل “أوشريا” و “ساي أوي” حيرتهم لأنها كانت رمزًا جديدًا غير معروف يستخدمه الجيش المصري، ومن ثم لم يكن هناك أي طريقة يُمكن للعدو الإسرائيلي من خلالها حلها.
نشأته
الصول أحمد محمد أحمد إدريس ابن النوبة من مواليد عام 1938 في قرية “توماس وعافية” بمحافظة أسوان حصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية في عام 1952، وتطوع في قوات حرس الحدود من عام 1954 وحتى 1994، وشارك في جميع الحروب؛ فحضر حرب العدوان الثلاثي، وظل في صحراء سيناء منذ عام 1957 حتى حرب اليمن، وبعدها شارك في حرب 1967، ثم كان له الدور البارز في حرب أكتوبر 1973 باستخدام شفرة النصر، وتوفى في مقر إقامته بمنطقة “كينج مريوط” بمدينة الإسكندرية، أمس الثلاثاء 22 سبتمبر، عن عمر يناهز 84 عامًا.
الشفرة النوبية كلمة السر
النوبية، هي لغة تنحدر من اللغات الفرعونية المرَّوية على مر القرون، ويتحدث بها نحو مليون شخص من أهل النوبة في جنوب مصر وشمال السودان، وتنقسم إلى لهجتين، اللهجة الكنزية التي تنتمي لأهالي دنقلا في شمال السودان، واللهجة الفاديكية التي كانت تستخدمها قبيلة محس بشمال السودان وجنوب مصر، وهي لغة منطوقة وليست مكتوبة وفي مصر يتكلمها النوبيون فقط.
وتبدأ شفرة النصر، عندما علم الصول إدريس من خلال محادثات مع ضباط القيادة أن كبار القادة المصريين يحاولون تطوير رمز أو كود جديد لإبلاغ الضباط والوحدات بالأوامر والتعليمات والقرارات من القيادة العسكرية دون أن يتم كشفها من العدو الإسرائيلي، حينها اقترح إدريس استخدام اللغة النوبية القديمة كرمز، وتم تصعيد الفكرة للقيادة العليا بالجيش المصري، إلى أن وصلت للقائد العام للقوات المسلحة الرئيس السادات ولاقت استحسانه، وتم على الفور اتخاذ الإجراءات لتنفيذ الفكرة؛ فتم جمع 344 جنديًا مصريًا نوبيًا، على دراية تامة باللغة النوبية، منهم 172 من الفاديجا و172 من الكنوز، وأصبحت كلمة السر في التخطيط لحرب أكتوبر هي اللغة غير الموثقة كتابة والمنقولة من جيل إلى جيل شفاهيًا، وأُختير منهم 35 جنديًا وتم تدريبهم في سلاح الإشارة على استخدام جهاز صغير وكيفية إصلاحه بحيث إذا حدث به أي عطل فني عند إرسال أو استقبال الإشارات يقومون بإصلاحه. كما تم تجنيد 70 من حرس الحدود لإرسال واستلام الرموز على الخطوط.
علمًا بأن سلاح الإشارة والذي يسمى الآن إدارة إشارة القوات المسلحة، تتمثل مهمته في توفير الاتصالات وتأمينها داخل القوات المسلحة وتطوير نظم وشبكات المواصلات الإشارية وتأمين المعلومات والبيانات المتداولة من خلال وسائل المواصلات الإشارية.
إلى أن جاء وقت التنفيذ وبدأت مهام الجنود النوبيين حيث عبروا القناة بقوارب مطاطية وبدأوا العمل خلف خطوط القوات الإسرائيلية، وكان تمركز الجنود في أبيار “صهاريج المياه” وذلك لمتابعة تحركات العدو من حيث أعدادهم ونقلها إلى القيادة العسكرية.
وكانت مهمة الجنود النوبيين رصد تحرك الجنود الإسرائيليين، وحصر عدد الدبابات والمركبات الإسرائيلية ونقل الأخبار للقيادة، كل هذا بمعلومات مؤمنة غير قابلة للاختراق من جيش العدو حيث كان يستخدم الأبطال النوبيين كلمات مثل “أولوم وتعني دبابة” و “أشريا وتعنى أضرب” و “ساع أوي وتعنى الساعة الثانية” و “زندناني وتعنى الطائرة” و “أوسكو وتعني تحرك”.
وجدير بالذكر أنه كان لبدو سيناء دور بارز أيضًا؛ حيث كانوا يقومون بتجهيز واحضار الطعام للجنود النوبيين، وأيضًا يقومون بطمس آثار أقدام الجنود حتى لا تكشف القوات الإسرائيلية أمرهم، فلولا بدو سيناء ما استطاع النوبيون استخدام الشفرة ولا التمركز على مدار سنتين داخل سيناء.
إلى أن جاءت لحظات الحسم وفي مساء يوم الخميس الموافق 4 أكتوبر عام 1973، قامت مصر بسحب كل جنودها الذين يعملون خلف خطوط العدو، وفي العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر 1973 بدأت الحرب لتحرير سيناء التي احتلتها إسرائيل في عام ،1967 واسترداد الكرامة، وكانت اللهجة النوبية التي أُطلقت عليها إسرائيل “لغة الشيطان” هي شفرة النصر في معارك أكتوبر، وظل استخدام اللغة النوبية للتشفير قيد الاستخدام حتى عام 1994، إلى أن عرفتها إسرائيل فتم تغيير الشفرة.
الوطن لا ينسى بطولات أبنائه
واحتفظ البطل النوبي أحمد إدريس بالسر لمدة 40 سنة ولم يفصح بأنه صاحب فكرة “الشفرة النوبية” إلا في عام 2013، نظرًا لأنها حتى عام 1994 كانت قيد الاستخدام السري لمصر. وكان هذا هو السبب في عدم تكريم الصول إدريس في عهد الرئيس السادات، نظرًا لأن الشفرة النوبية كانت تُعد من الأسرار العسكرية التي اعتمدت عليها القيادة العسكرية في بياناتها السرية. ولم يكن أحد يعلم بخطة شفرة حرب أكتوبر وصاحبها، سوى الصول أحمد إدريس والرئيس السادات وخمسة من قادة القوات المسلحة فقط.
ولأن مصر لن تنسى أبطالها فقد جاء تكريم المساعد أحمد إدريس، من الرئيس السيسي عام 2017 في الندوة التثقيفية الـ 26 للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ 44 لانتصارات أكتوبر، ومنحه النجمة العسكرية تقديرًا لجهوده ولما قدمه من خدمة للوطن.
وأيضًا لتقدير بطولة أحمد إدريس قام مجموعة من الشباب بمحافظة أسوان، برسم جدارية جرافيتي تحمل صورة أحمد إدريس لتكون بمثابة لمسة وفاء لإبن النوبة.
وختامًا، فإن الأيام تمر لتكشف لنا أجزاء من أسرار النصر في حرب أكتوبر، ويتضح أن أحد العوامل الرئيسية في هجوم مصر المفاجئ الذي دفع القوات الإسرائيلية التي تبدو قوية إلى التراجع والانهزام، هو استخدام الجيش المصري لاستراتيجية الخداع بأن الجيش المصري لن يخوض الحرب مطلقًا إلى أن تمت المفاجأة بدهاء من القائد الرئيس السادات، واستخدام اللغة النوبية كشفرة لنقل رسائل الجيش وتعليماته، وأيضًا فكرة الضابط مهندس باقي زكي يوسف، باستخدام خراطيم المياه لعبور خط بارليف.



