روسيا

مؤتمر “منصة القِرم”.. “تأييد” تركي و”استنكار” روسي

عقد ممثلو نحو خمسين دولة، مؤتمر “منصة القرم”، في الثالث والعشرين من شهر أغسطس 2021، بالعاصمة الأوكرانية كييف، بغرض الدعوة لإنهاء “احتلال القِرم”.

وشارك في المؤتمر، الذي يعد الأول من نوعه بخصوص الدعوة لتحرير القِرم، نحو خمسة عشر رئيسا ورئيس وزراء أوروبيا، من دول مثل “بولندا، ومولدوفا، والسويد..”، في حين أرسلت دول أخرى، مثل ألمانيا، فرنسا، الولايات المتحدة وتركيا، مبعوثين على درجة وزراء أو رؤساء برلمانات.

وخلال كلمته بالجلسة الافتتاحية، قال الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”، “إن تضافر جهودنا يجب أن يدفع روسيا للجلوس إلى طاولة المفاوضات بشأن استعادة شبه الجزيرة”، مضيفا “إن أوكرانيا بمفردها لن تتمكن من استعادة شبه جزيرة القرم، فنحن نحتاج إلى دعم مُجد على الصعيد الدولي من أجل تحريرها”، داعيا إلى تشديد “العقوبات” المفروضة على موسكو حتى تنهي “احتلالها”.

وتابع قائلا:” إذا كانت هذه المنصة تهمها للغاية (روسيا)، فإننا ندعو البلاد للانضمام إلى منصة القرم للعمل بشكل مشترك على إيجاد طريق لإنهاء احتلال شبه جزيرة القِرم وتصحيح خطأها التاريخي المأساوي” ، معتبرا أن القمة نجحت لأنه ترتب عليها تشكيل تحالف دولي قوي يهدف إلى “إعادة شبه الجزيرة القِرم لأوكرانيا مجددًا” في نهاية المطاف.

أسباب دعوة “كييف” إلى عقد المؤتمر

عقد مؤتمر “منصة القرم” بناءً على مبادرة أطلقها الرئيس الأوكراني، سبتمبر من العام الماضي. ووفقًا للخارجية الأوكرانية فإن هذا المؤتمر هدف إلى عدد من النقاط؛ أولا: تفعيل قضية “احتلال” شبه جزيرة القِرم، لتكون دائمًا موجودة على الأجندة الدولية. ثانيها: الاستجابة للتحديات الأمنية المرتبطة بهذا الاحتلال، وزيادة الضغط الدولي على روسيا فيما يأتي حث الدول على عدم الاعتراف بضم شبه جزيرة القِرم إلى روسيا، ثالثا، بينما يحل رابعًا: منع مزيد من انتهاكات حقوق الإنسان في القِرم.

وخامسا: تعويض تتار القِرم جراء ما لحق بهم من أضرار، بسبب مواقفهم الرافضة للاحتلال، بينما تأتي مناقشة “عسكرة القِرم” ومنطقتي بحر آزوف والبحر الأسود من قِبَل روسيا سادسا، فيما يملك الرئيس الأوكراني هدفًا بعيد الأمد، يتمثل في إنهاء احتلال شبه جزيرة القِرم.

ويرى الجانب الأوكراني، أن المنصة استطاعت تصحيح الخطأ الذي استمر لمدة 7 سنوات متتالية، والذي يتمثل في غياب أي آلية حول قضية القِرم، التي ضمتها روسيا إلى أراضيها في 2014 استنادًا إلى استفتاء شعبي غير مُعترف به من جانب أوكرانيا. ويرى وزير الخارجية الأوكراني، “ديميترو كوليبا”، “أن المنصة ستنجح في تصحيح هذا الخطأ، كما أن دائرة الدول المشاركين في المنصة ستتسع مستقبلا”.

أبرز تصريحات القمة

أوضح رئيس المجلس الأوروبي “شارل ميشال”، خلال الاجتماع أن “أوكرانيا لن تكون بمفردها وشبه جزيرة القِرم أوكرانية” ، بينما أكد رئيس الوزراء السويدي “ستيفان لوفين”، أن ضم الجزيرة في 2014، يعد انتهاكًا متغطرسًا للنظام الأمني في أوروبا.

أدلى وزير الخارجية التركي، “مولود جاويش أوغلو”، بتصريحات للصحفيين قبيل مشاركته بالقمة، أكد من خلالها أن بلاده لم ولن تعترف مطلقًا باحتلال شبه جزيرة القرم.

ولفت أوغلو، إلى أن بلاده تشارك في القمة لإظهار دعمها لوحدة أراضي أوكرانيا والأهمية، التي توليها لحقوق تتار القِرم. وتابع قائلاً: “لم نعترف أبدًا بالضم غير القانوني لشبه جزيرة القرم ونؤكد باستمرار أننا لن نعترف بذلك، وندعم مع باقي الدول الحلفاء وحدة أراضي وحدود شبه جزيرة القِرم وأوكرانيا.

وتابع أوغلو “نعمل بجد لمواصلة تطوير علاقاتنا في مختلف المجالات، سأعود إلى أوكرانيا مرة أخرى في أكتوبر القادم لعقد اجتماع التخطيط الاستراتيجي المشترك مع نظيري وصديقي العزيز ديميتري كوليبا”.

ملامح البيان الختامي

أكد المشاركون في مؤتمر “منصة القِرم”، دعمهم لسلامة ووحدة أراضي أوكرانيا، وأدانوا الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القِرم، وعسكرة شبه الجزيرة، وانتهاكات حقوق الإنسان فيها، والقيود المفروضة على حرية الملاحة في منطقتي البحر الأسود وبحر آزوف.  

وورد في نص البيان، الذي تبناه المشاركون في المؤتمر، أمس 23 أغسطس، وتم نشره على الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الأوكرانية: “المُشاركون في منصة القِرم لا يعترفون بضم روسيا لشبه جزيرة القِرم، ولايزالون يدينون الاحتلال المؤقت لها، الأمر الذي يُشكل تحديًا مُباشرًا للأمن الدولي، وتترتب عليه آثار خطيرة على نظام القانون الدولي، الذي يحمي السلامة الإقليمية لجميع الدول ووحدتها وسيادتها”.

وتابع البيان، “يدين المشاركون استمرار الانتهاكات والقيود المنهجية غير المُبررة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، التي يواجهها سُكان القِرم، واستمرار عسكرة القِرم، ما يقوض الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأسود الأوسع وعلى حقوق وحرية الملاحة. ويؤكدون أنهم سيتصدون للتحديات والتهديدات الناجمة عن استمرار عسكرة القِرم، ويحثون الاتحاد الروسي على الامتثال لالتزاماته كقوة احتلال، بموجب القانون الإنساني الدولي وغيره من القوانين الدولية السارية”.

ويستطرد البيان، “يحث المشاركون على وضع حد فوري لجميع انتهاكات حقوق الإنسان بالنسبة لسكان القِرم، وإتاحة وصول آليات الرصد الإقليمية والدولية، ولاسيما بعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في أوكرانيا”. كما ينظر المشاركون في دعم المشروعات الاقتصادية ومشروعات البيئة والبنية التحتية، والتي من شأنها أن تُسهم في تطوير المناطق الأوكرانية المُتاخمة لشبه جزيرة القِرم المحتلة مؤقتًا”.

كيف تفاعلت موسكو مع المؤتمر؟

كرر المسؤولون الأوكرانيون تأكيداتهم، على مدار الأسابيع التي سبقت المؤتمر، بأن روسيا كانت تبتز وتهدد الدول لثنيها عن المشاركة في منصة القِرم. وفي هذا السياق، كان المتحدث باسم الرئاسة الأوكرانية، “سيرهي نيكفوروف”، قد قال، “إن أي بلد يؤكد مشاركته بنسبة 100% يتعرض فورًا لضغوط. لذلك يحافظ البعض على سرية المشاركة، بينما يعلنها البعض الآخر بجرأة”.

واعتبر وزير الخارجية الأوكراني، “ديميتري كوليبا”، “إنه في ظل هذه الخلفية، فإن مشاركة الدول في منصة القرم هي اختبار بسيط للغاية حول من يقف مع قضية شبه جزيرة القِرم المحتلة وأوكرانيا والقانون الدولي، أو مع روسيا والعدوان الروسي”.  وبتاريخ الجمعة الموافق 20 أغسطس، فرضت موسكو عقوبات على وزير الخارجية الأوكراني، وهو الأمر الذي اعتبره الكثيرون أنه قرار يأتي ردًا على تنظيم المؤتمر.

كما نددت موسكو بهذا المؤتمر مرارًا وتكرارًا، وورد على لسان المتحدث الرسمي باسم الكرملين، “ديميتري بيسكوف”، “نحن نعتبر هذا الحدث عدائيًا للغاية ومناهضًا لروسيا”. بينما علق وزير الخارجية الروسي، “سيرجي لافروف”، على المؤتمر بأن وصفه بأنه عبارة عن “تجمع ساحرات”.

وقال، “إن روسيا تنظر إلى استراتيجية إنهاء احتلال القرم التي أعلنت عنها كييف كتهديد غير مقبول، ومشاركة أي دولة بفاعليات منصة القرم تعتبر تعديًا على وحدة الأراضي الروسية”.

وصرحت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، “ماريا زاخاروفا، صبيحة اليوم الثلاثاء 24 أغسطس، بأنه ينبغي على الرئيس الأوكراني أن يُطلق أسماء المدن الأوكرانية على مؤتمرات بلاده، وأن يعترف أخيرًا بالحقيقة التي تتمثل في أن شبه جزيرة القِرم روسية.

وعلق نائب رئيس مجلس الدوما، “رسلان بالبك”، على تصريحات زيلينسكي حول بدء العد التنازلي لتحرير شبه جزيرة القِرم، مشيرًا إلى أن الرئيس الاوكراني كتب السيناريو وتدرب عليه أمام المرأة ثم خرج إلى العلن وقدمه ببراعة.

ومن ناحية أخرى، علق نائب رئيس وزراء حكومة القِرم، والممثل الدائم لشبه جزيرة القِرم لدى الرئاسة الروسية، “جورجي مرادوف”، على الموقف التركي من القضية في المؤتمر، بأنه موقف “الناكر للمعروف”، معبرًا عن ذلك بمثل روسي قديم.

وتابع مرادوف، “أنقرة، للأسف، اتخذت موقفا نكرت فيه المعروف، إنها تؤيد استفزاز (واشنطن- كييف) ضد وحدة أراضي روسيا. مثل هذه السياسة لا تأخذ بعين الاعتبار الصفحات الصعبة من تاريخنا المشترك لتركيا، والذي لا ينبغي اغوائه مرة أخرى. إن سياسة التعدي على الأراضي في الشؤون الدولية هي كما يقول المثل الروسي. الحكمة هي مثل من حفر حفرة للآخر، مع عدم التفكير بأنه نفسه قد يقع فيها”.

رؤية تحليلية

نرى بوضوح عبر مُطالعة الصور والتقارير الإخبارية كيف حظي مؤتمر “منصة القِرم” بمشاركة واسعة النطاق. فقد انعقد المؤتمر بمشاركة ممثلي نحو خمسين دولة كما ذكرنا آنفًا. لكن المغزى هنا لا يتركز في كم المشاركة، بل في الكيف! أو بالأحرى في مستوى التمثيل الأجنبي الذي شهدته القمة.
مثال على ذلك، نرى أن المستشارة الألمانية، “أنجيلا ميركل”، قد عزفت عن المشاركة في القمة على الرغم من أنها كانت تزور كييف بالفعل في اليوم السابق لها. كما غاب عن القمة أيضًا الرئيس الفرنسي، “إيمانويل ماكرون”، والرئيس الأمريكي، “جو بايدن”.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل أن ما زادها سوءًا هو أن بعض الدول الأوروبية التي كانت قد أبلغت عن حضور وزراء خارجيتها، خفضت نسبة تمثيلها عن حد الوزير. فقد غاب وزير الخارجية الفرنسي عن القمة وحضر بدلاً عنه، “فرانك ريستر” وزير التجارة الخارجية. بينما أوفدت المملكة المتحدة، نائب وزير خارجيتها بدلاً من وزير الدفاع الذي كان من المفترض حضوره.

وبتفقد أبرز المتحدثين خلال المؤتمر، لن نجد أن أحدًا من الرؤساء أو من المسؤولين ذوي الثقل بوجه عام قد أبدى موقفا مُعاديا لروسيا، سوى الرئيس الأوكراني نفسه وعدد من مسؤولي بلاده. علاوة على تصريحات وزير الخارجية التركي اللافتة. وعدا ذلك، لن نجد أي كلمات تعكس موقفا واضحا وصريحا من ممثلي الدول المختلفة حيال خطوة ملموسة تعتزم بلدانهم اتخاذها إزاء “القِرم” إلا أقل القليل، وحتى هذا القليل لم يُدل بما يُمكن أن يُعتد به بشكل ملموس.

إذًا، نستنتج مما سبق، أن القمة لم تلق تجاوبًا ذي ثِقل وأنها بالطبع لم تُحقق ما تربو إليه من نتائج، عدا كونها قد تكون نجحت في “استفزاز” موسكو ليس أكثر.

فكما نرى، شارك الغرب في القمة على استحياء. وجاءت مشاركتهم في “موقف” الشخص الذي لا يرغب في إثارة استهجان كييف، ولكنه في الوقت نفسه ليس على استعداد أن يخسر لأجل أوكرانيا ما وصلت إليه بلاده من تطور في الحوار مع موسكو. فقد شارك الغرب بالفعل، ولكن عن أي مشاركة حقيقية ملموسة نتحدث؟!

فقد كان هذا هو الغرب نفسه، الذي اتضح مع مرور السنوات أنه وضع قضية شبه جزيرة القِرم طي النسيان أو بمعنى آخر، طي التجاوز. وتم ذلك بالاتساق مع ما تصبو إليه كل دولة أوروبية من مصالح تجمعها بالدب الروسي الأكبر والأقوى والأهم.

وباعتبار الدب الروسي هو “الأهم”، فمن الطبيعي أن السياسيين باعتبارهم يتحدثون بلغة المصالح سيذهبون لمراعاة مصالحهم معه هو أولاً. ومن ثَم تأتي كييف واهتمامات كييف، وفي حال تعارضت هذه الاهتمامات مع المصالح الأوروبية، فهذا يعني أنه لم يعد هناك محلاً لها على أجندتهم.

وربما يُمكن اعتبار هذا التراجع الأوروبي عن دعم قضية شبه جزيرة القِرم هو السبب الرئيسي وراء عقد القمة في الأساس. فـ “زيلينسكي” يريد أن يضع “القِرم” على الأجندة الدولية، وهذا أمر يُفسر بأنه محاولة بائسة وغير مُجدية بالمرة. ومرجح بقوة أنها لن تقدر على فعل أي شيء مع موسكو سوى بعض “الضجيج ” الإعلامي و”الضوضاء السياسية” وترديد عبارات بشأن انتماء “القِرم” لأوكرانيا، ليس أكثر.

لذلك فإن انزعاج أو استياء موسكو، لا يفسر بأنه أكثر من مجرد استياء لإنكار تبعية القرم لها، ولكنه لا يؤخذ باعتباره استياء من احتمالات نجاح جهود القمة في إعادة “القِرم” لأوكرانيا مرة أخرى.

ويرجح أن تصريحات وزير الخارجية التركي خلال القمة، لم تؤخذ على محمل الجد والعناية من الجانب الروسي. بدليل أن القمة انتهت بالأمس ولم يخرج علينا وزير الخارجية الروسي، أو حتى متحدث الكرملين، ليُدلي بتصريحات مماثلة ردًا على ما قاله “أوغلو” خلال القمة.

والسبب وراء ذلك، هو أن هذه لا تعد هي المرة الأولى التي تسلك فيها أنقرة هذا المسلك بهدف إثارة استياء موسكو أملاً في الحصول على بعض المكاسب في جبهات أخرى متنازع عليها بين الطرفين. فكلما استاءت أنقرة عادة ما تكون كييف هي أول من تركض نحوه، ومعنى حالة شبه التجاهل التي تعاملت بها موسكو مع تصريحات أوغلو، لا يمكن أن تؤخذ على أي محمل آخر سوى أنها بمثابة رسالة موجهة مفادها، “نحن نفهم ما تفعلونه ولا نهتم”.

+ posts

باحث أول بالمرصد المصري

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى