ليبيا

مركز أمريكي:طموحات أردوغان بالمنطقة.. سيناريوهات متعددة ونهاية غير حتمية

أكد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أن الربع الأخير من عام 2019  المنصرم ازحم بالأحداث المُتلاحقة خاصة في شمال شرق سوريا، وإبعاد وحدات حماية الشعب الكردي في سوريا عن الحدود التركية، وهو الهدف الذي تحقق بشكل جزئي من خلال العملية العسكرية التي بدأت في 9 أكتوبر الماضي، وهو ما أدى إلى تحوُل انتباه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى ليبيا. بالإضافة إلى ذلك، وبالتوازي مع تفاقم الحرب الأهلية الليبية طويلة الأمد، رفع أردوغان مستوى التدخل الدبلوماسي والعسكري التركي لدعم حكومة الوفاق الوطني المحاصرة في طرابلس، برئاسة فايز السّراج، ضد التحدي المتزايد المتمثل في الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر.

وذكر المركز، وهو مركز أبحاث سياسية أمريكي مقره العاصمة الأمريكية  واشنطن  تأسس “كمركز للدراسات الاستراتيجية والسياسية” في جامعة جورج تاون عام 1962 ، أن قرار أردوغان بإقحام تركيا بشكل كبير في مشهد الأزمة الليبية المُعقدة، هو نتاج لعدد من العوامل، تتمثل في العرض الحالي لهذه الدراسة.

وأوضح المركز ، في دراسة أجراها ، أن هذه الخطوة تعد جزءا من استراتيجية أردوغان التي دعاها بأنها “دفاع أمامي” ضد الخصوم الذين لم يضع لهم تصورا أو حتى أن يُحدد لهم نطاقات ممن يتحدون المصالح التركية.

وقال المركز إن أردوغان يأمل أن يعزز تحركه الليبي الدعم الوطني المحلي، كما حدث أثناء العملية العسكرية السورية، وعلى الجانب الآخر، فهذا يُساعد – بلا شك – في تحويل الانتباه عن المشكلات الاقتصادية الداخلية.

وأضاف أن أردوغان يحمل هذه المرة آمالا أكبر وطموحات أوسع، حيث يسعى إلى إعادة تأسيس العلاقة التجارية التركية المربحة مع ليبيا، والتي كانت في تصاعد، إلى أن انحدرت بعد انسياق ليبيا إلى حرب أهلية جراء أحداث 2011، إلى جانب سعيه إلى تسوية مليارات الدولارات من الفواتير المتعلقة التي تعود إلى النظام الليبي السابق.

وأشار إلى أن الروابط المتنامية مع حكومة الوفاق الوطني تتنامى مع سياسة طموح أردوغان في مجال الطاقة، والتي شهدت تأكيد تركيا لنفسها بشكل مُتزايد في شرق البحر الأبيض المتوسط. وعلى الرغم من كل ما سبق، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كانت مغامرة أردوغان الخارجية الأخيرة ستوفر له الأرباح التي يتوقعها!

طموحات تركية متصاعدة

أوضحت الدراسة مقدرة أردوغان على إجراء تعديلات يسيره لتغيير سياساته في التعامل مع المواقف المختلفة، في الوقت نفسه حافظ على علاقات دبلوماسية واقتصادية جيدة مع الرئيس الليبي السابق، مُعمر القذافي، وكان مُعارضًا لتدخل الناتو بقيادة الولايات المتحدة الذي أدى إلى الإطاحة به. وسرعان ما أنشأ أردوغان روابط مع معظم الفصائل التي ظهرت في طرابلس عقب انهيار النظام، وهي ذاته التي شكلت حكومة الوفاق الوطني، بالإضافة إلى الاستفادة من الروابط الإسلامية ما بين الدولتين، والذي استخدمه أردوغان بنجاح علاقته الوثيقة مع القيادة القطرية وروابطها مع الجيش الوطني كجزء من خطة تعاونهم الإقليمي، بما يحمله من توفير الدعم اللوجيستي والمالي للمعارضة المناهضة لنظام الأسد في الحرب الأهلية السورية. فقد ساهمت تركيا بعدد من الطائرات بدون طيار، والمركبات المدرعة والأسلحة الخفيفة، وتمركز عدد من المستشارين العسكريين برئاسة الجنرال التركي في طرابلس، فقد وقّع أردوغان اتفاقية تعاون أمني وعسكري لإضفاء الطابع الرسمي على تحالف تركيا والجيش الوطني مع حكومة السرّاج في إسطنبول في 27 نوفمبر الماضي، وبعد اجتماع ثانٍ في إسطنبول مع السراج يوم 15 ديسمبر للحصول على معلومات حول الوضع الأمني المتدهور في ليبيا، أكد أردوغان استعداد بلاده لإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا في حال طلبت ليبيا ذلك.

وذكرت الدراسة أن أردوغان حصل في الثاني من يناير الحالي على تصريح من الجمعية العامة للبرلمان التركي، استجابة لطلب رسمي قدمته حكومة الوفاق الوطني الليبي في طرابلس إلى أردوغان، وقام بإرسال بضع عشرات من الجنود الإضافيين إلى طرابلس للقيام بمهام استشارية، واصفًا إياه بأنها الشحنة الأولى. وتزامن مع هذا الترتيب التركي لنقل المئات من مُقاتلي المُعارضة السورية، ممن قاتلوا إلى جانب الجنود الأتراك في شمال سوريا، لمساعدة الجيش الوطني. في الخطاب الذي ألقاه أردوغان في 26 ديسمبر الماضي، أعلن أن تركيا قدمت وستُقدم كافة أشكال الدعم لحكومة الوفاق الوطني المتمركزة في طرابلس، والتي تُقاتل ضد القوات المشير خليفة حفتر المدعوم من الدول العربية والأوروبية.

الحشد التركي للقوى الدولية

وذكر المركز الأمريكي أن أردوغان استغل الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى إسطنبول في الثامن من يناير الماضي لافتتاح خط أنابيب الغاز TurkStream لمناقشة الأزمة الليبية، وعلى وجه الخصوص، انخرطت موسكو في تقديم تعزيزات أمنية قوية لحكومة حفتر، من خلال إرساله لشركة الأمن الروسية “فاجنر“، والذين أشارت إليهم الدراسة بأنهم مجموعة من المرتزقة الروس.

بعد انتهاء هذه المقابلة في طرابلس، أعرب بوتين عن دعمه العلني لمبادرة وقف إطلاق النار وحل النزاع في ليبيا، بل ودعا الطرفين المتناحرين إلى مؤتمر أو قمة سلام في موسكو. على الرغم من هذه المجهودات التي أبرزتها كلا الدولتين تركيا وروسيا، واستعداد أردوغان لاستخدام نفوذه مع السراج، والذي توصل معه إلى استراتيجية مشتركة في إسطنبول قبل يوم واحد من اجتماعهم الذي عُقد في الـ 13 من يناير الجاري، وذلك لقبول وقف إطلاق النار كجزء من مسودة الاتفاق التي تتكون من خمس نقاط، رحل حفتر فجأة من موسكو دون أن يُوقع على الاتفاق، وكذلك أشار هذا الموقف إلى تردد بوتين الواضح للضغط على حفتر للتوقيع.

على الجانب الآخر، فإن مؤتمر برلين التي تبنته المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في 19 يناير الجاري، بعد اجتماعها المطول مع بوتين حول ليبيا في موسكو قبل انعقاد هذا الاجتماع بثمانية أيام، والذي لم يكن مثُمر من وجهة نظر أردوغان.

أثناء قمة برلين التي تم تنظيمها بالتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريس، والتي لم تجمع فقط ما بين الجانبين في ليبيا، ولكنها ضمت كذلك حضور لرؤساء كل من تركيا وروسيا إلى جانب بعض الدول الأخرى ذات الصلة، وكذلك بعض ممثلي الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية. أشار أردوغان في مقال قام بنشره قبل يوم من انعقاد القمة، إلى مخاطر “الهجرة غير النظامية نحو أوروبا“، في محاولة منه للتأثير على الحضور الأوروبي في القمة، في حال انهار حكومة الوفاق.

السيناريو الحالي

من الواضح أن الحرب الأهلية في ليبيا ستستمر بسبب الإحجام الواضح للجانبين عن التوصل إلى حل وسط، وهو ما رسمته خطواتهم في انسحابهم المتكرر سواء في موسكو أو برلين. ويتضح من الأحداث الجارية والقتال المستمر أن كلا الجانبين ثابت على موقفه، فحكومة الوفاق الوطني تسعى للحصول على المزيد من الدعم التركي لكي تتمكن من إلحاق الهزيمة بقوات حفتر، في المقابل، فإن حفتر يقوم بشن عدد من الهجمات الاستباقية والتي استهدفت مؤخرًا مطار ميتيجا الدولي، والذي يُعتبر المعبر الرئيسي الذي يربط ما بين حكومة الوفاق الوطني، وتركيا والعالم الخارجي، وهو ما يؤكد أن أردوغان يواجه بالفعل عقبات غير هينة تجعله حريص عندما يرسم خطته القادمة في ليبيا.

أما بالنظر إلى الوضع الدولي لأردوغان، فإنه يختلف بعض الشيء عن وضعه عندما قرر التدخل العسكري الثالث في شمال سوريا في أكتوبر الماضي، فقد حصل على موافقة ضمنية لكل من الولايات المتحدة وروسيا قبل تنفيذ عملية التدخل العسكري. ولكن في الوقت الحالي، وفي حالة تدخل أردوغان في ليبيا، لم يكن الموقف واضحًا من قِبل بوتين، والذي ناقش مع أردوغان الوضع الليبي في الاجتماعات الثنائية في إسطنبول وموسكو وبرلين أو حتى مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

يُعد فشل بوتين في الإشارة إلى إعادة تقييم العلاقات أو تقليص الروابط الروسية مع حفتر، على الرغم من دعوات أردوغان المتكررة لقيام روسيا بهذه الخطوة، مما يُشبه اعتزام بوتين لدعم اعتداء نظام الأسد في إدلب، والذي له آثار صعبة على اللاجئين بالنسبة لتركيا، وذلك باستخدام طائرات مقاتلة روسية. ومن الواضح كذلك أن بوتين واثقة من استمرار علاقته الوثيقة بأردوغان على الرغم من هذه الاختلافات، فقد أتى وصف أردوغان للعلاقات التركية الروسية بأنها استراتيجية، خاصة بعد مؤتمر برلين.

تورط تركيا في الأزمة الليبية

في محاولة لتحليل تورط تركيا في الأزمة الليبية في سياق مُخطط طموحات أردوغان في مجال الطاقة في شرق البحر المتوسط، فإن الاتفاقية الثانية التي قام بتوقيعها كل من أردوغان والسرّاج في 27 نوفمبر الماضي حول المناطق الاقتصادية لكلتا الدولتين، وبالتالي توسعت طموحات تركيا في البحر الأبيض المتوسط. على الرغم من أن أردوغان كان يؤكد على سعي بلاده للدفاع عن حقوقها فقط، إلا أن هذا الاتفاق لاقى الاستنكار فورًا ودائمًا من الدول. يشهد أردوغان الآن ظهور مختلف قوى مُعارضة أكثر قوة، ترفض تواجده بهذا الشكل السافر في المنطقة، وتستنكر دبلوماسية الطاقة التي تقودها في تركيا.

بينما يأتي رد الفعل الأقوى من نوعه، والذي أبدته اليونان، حيث مر الخط البحري الذي يمر بجزيرة كريت، وفقًا لما حددته الاتفاقية الثنائية ما بين أردوغان والسرّاج. فقد قامت اليونان بإرسال وزير خارجيتها إلى بنغازي لمقابلة حفتر في 22 ديسمبر، واستضافته أثينا بعد هذا بأيام لعقد اجتماع ثُنائي مع رئيس الوزراء كرياكوس ميتسوتاكيس، في 17 يناير، والذي تلاه موافقة السرّاج على صفقة المنطقة الاقتصادية في مقابل الدعم العسكري من تركيا.

لقد كانت هذه الاستجابة الإقليمية لتحرك أردوغان تزداد حدة منذ بداية العام. ففي الثاني من يناير، وقعت كل من اليونان وقبرص وإسرائيل اتفاقية لتنفيذ مشروع تمت مناقشته في فترة سابقة، لبناء خط أنابيب عبر المنطقة الاقتصادية الخالصة، والتي تُطالب تركيا بنقل الغاز الطبيعي من شرق المتوسط إلى أوروبا. وفي الثامن من يناير، شهِد اجتماع وزراء خارجية كل من مصر وفرنسا وقبرص واليونان في القاهرة، إصدار بيان يُدين الاتفاق المُبرم بين تركيا وليبيا باعتباره انتهاك لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والقانون الدولي. بينما في الاجتماع الذي عُقد في القاهرة يوم 16 يناير بحضور وزراء الطاقة في كل من قبرص ومصر وإسرائيل واليونان وإيطاليا لتكثيف التعاون داخل منتدى غاز شرق المتوسط. على الرغم من حضور وزير الخارجية الإيطالي هذا الاجتماع الأخير، استفزازًا لتركيا، إلا أنه لم يوقع على البيان النهائي في القاهرة، والتقى بعدها رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، بأردوغان في أنقرة لمناقشة ليبيا في 13 يناير الجاري.

بينما نفى كونتي بشكل رسمي التقارير التي ادعت بتعاونه مع تركيا لاستغلال الموارد النفطية الليبية في أعقاب الاتفاق ما بين أنقرة وطرابلس، وليس هذا فحسب، وإنما دعا تركيا إلى بدء المفاوضات مع جميع الأطراف المعنية، خاصًة فيما يتعلق بموضوع ترسيم الحدود البحرية.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى