
جنود الخلافة
أصبح جليًا أمام جميع الدول والقادة والمنظمات الدولية أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو من يحرك كل الجماعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة التي ترفع راية الجهاد، أو تعمل تحت مسمى خادع باسم “تيار الإسلام السياسي”؛ وأصبح هؤلاء مجتمعين هم جنود في مشروع الخلافة الذي صار واقعًا ملموسًا ومدمرًا في كل مكان ودولة يتواجد فيها هؤلاء. والقراءة الدقيقة لانتشارهم وتنقلهم وعملياتهم وخطابهم الإعلامي تؤكد ذلك، وتحوّل أردوغان إلى استخدامهم في فرض واقعٍ جديدٍ على كل الملفات الإقليمية والدولية ويهدد بهم دول الجوار والدول الأوروبية.
سنواتٌ عاشها العالم والإقليم في عملية خداع كبرى تم فيها الترويج لما أُطلق عليه “تيار الإسلام السياسي المعتدل”، وكانت أهم عمليات تسويقه تتم من خلال الترويج ودعم النموذج المتطرف “الجهادي” في المقابل كي يفرض على المنطقة والعالم الاختيار بين نموذجين؛ ليكون الخيار الذي يفضله العالم والنخبة المزيفة ذلك النموذج “المعتدل”؛ رغبة في احتواء ذلك التيار داخل منظومة الحكم في كل الدول الإسلامية خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
انتعش “بيزنس” الإسلام السياسي الذي يروج للتيار أكاديميًا وبحثيًا ودبلوماسيًا وإعلاميًا، ووُصف أي نظام وديموقراطية وتجربة لا تحتوي هذا التيار بأنها غير ديموقراطية، وانصرفت الجهود عن دعم تيار مدني قوي إلى دعم احتواء هذا التيار كي لا ننزلق إلى مواجهات مع الجماعات المتطرفة التي تنتعش -من وجهة نظرهم- في ظل مجابهة وحصار “تيار الإسلام السياسي المعتدل”.
وهكذا استمرت لعبة صناعة النماذج بين الضدين، فكان نموذج أردوغان الذي تم الترويج له على أنه صاحب إنجار سياسي واقتصادي وتنموي، في مقابل نموذج أبي بكر البغدادي، ومن قبله أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، ونموذج جماعة الإخوان المسلمين في مقابل القاعدة وداعش والجهاد، وكأن الأمر حتمي وضروري للخروج من دوامة العنف.
رتّب أردوغان بالتنسيق مع جماعته من الإخوان المسلمين ومكتبهم للإرشاد بالقاهرة وذراعه في التنظيم الدولي المشهد بأن يتحول ما أطلق عليه البعض “الربيع العربي” إلى فرصة لاعتلاء منصات الحكم والسيطرة على المنطقة في رؤية ومخطط للسيطرة، تستمر لعقود تستعيد الخلافة العثمانية بريقها وتعيد للأمة الإسلامية عهد الخلافة الذي بنى حسن البنا مشروعه السياسي والدعوي على أساسه عام 1928م.
ويسيطر أردوغان تنظيميًا وفكريًا ولوجستيًا على كل الجماعات الإسلامية في المنطقة، حتى حركات “المقاومة” وفي مقدمتها حماس؛ فهو يدعم تلك الحركات في الصومال وفي سوريا وليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا والسودان والتنظيم الأم في مصر، فضلا عن إيوائه للهاربين منهم، وتوجيه أبواق إعلامية تروج لهم تنطلق من تركيا ومن عدد من العواصم العالمية بالتنسيق مع التنظيم الدولي.
وكانت العلاقة المكشوفة والفاضحة أمام العالم مع التنظيمات الإرهابية في شمال سوريا والعراق من حيث التسليح والتدريب والدعم اللوجيستي، ثم ضمان تنقلهم عبر الحدود التركية، وتسفيرهم إلى أماكن عمليات جديدة في سيناء وعلى الحدود الغربية المصرية وفى الداخل الليبي خير دليل.
مشروع أردوغان الأيديولوجي يرتبط بمطامع اقتصادية لزوم الهيمنة بعد أن وجد دولته جغرافيًا مستبعدة من كل اتفاقيات تقسيم ثروات الغاز والنفط في شرق المتوسط، ولم يستوعب أن كل ما يجرى من اتفاقيات قانونية هي في واقع الأمر طبيعية، فراح يحاول فرض أمرٍ واقعٍ ضاغطٍ على مصر واليونان وقبرص كي يتقاسم معهم حقول الغاز والثروات، ويضمن لحلفائه من الإسلاميين الدعم والحماية في ليبيا وتونس، وامتدادهم في جنوب ليبيا الذي يرتبط بمحور الإرهاب في مالي والنيجر ونيجيريا وتشاد.
في المقابل نجحت مصر في كشف تحركات أردوغان أمام العالم، وكشف كل عمليات الدعم والتمويل للمرتزقة والميلشيات، وتبقى لها أن تستكمل جهودها لتفكيك شبكة المصالح مع الدول التي تتحالف أو تنسق مع أردوغان بصورة برجماتية وخدمة لمصالحها. ولكن لتُتوج الجهود ويندحر هذا التيار الفاشي يجب أن تكتمل صورة مصر من خلال منح المصداقية اللازمة لها خارجيًا كدولة تتقدم على طريق التنمية وتحتاج إلى استثمارات خارجية.
فكما تحدثنا عن صناعة نماذج تيار الإسلام السياسي والجماعات الإرهابية والترويج لها تحتاج مصر لأن تصنع وتروج نموذجها السياسي الداخلي، وتدعم بكل صدق تيارًا سياسيًا مدنيًا، يقود الحياة السياسية، ويقوي الجبهة الداخلية ويخاطب العالم. صحيح أن البعض يرى أن العالم لا يحترم إلا القوي الذي يمتلك القوة والقرار ويفرض السيادة ويحمي الحدود والثوابت والمؤسسات، إلا أن الأمر لا يخلو من نقاط ضعف وأوراق يحاول الآخر أن يخترق دفاعاتك من خلالها، وفي مقدمتها السياسة الداخلية وحرية الرأي والتعبير، والدور الإيجابي للصحافة والإعلام وعودة القوة الناعمة للدولة المصرية ثقافةً وفنًا وتنويرًا وإيمانًا وسطيًا معتدلًا يقوده الأزهر والكنيسة الذين مازالا رغم كل التراكمات لهما مكانة ودور مطلوب تراجع بعض الشيء في ظل الترويج لصالح النموذج الغربي “للإسلام السياسي المعتدل”.
وفي ظل غياب معارضة وطنية داخلية قوية مؤخرًا، يجري الترويج للمقاول الهارب محمد علي وأمثاله من مرتزقة السياسة على أنهم “المعارضة المصرية في الخارج”، وتروج بعض المنابر الإعلامية المصرية لهذا المصطلح خطأً، كما روجت من قبل لمصطلح “المعارضة المسلحة” في سوريا.
إن مصر التي تقدم نموذجها التنموي الاقتصادي، وتقدم نموذجًا لجيشٍ متطورٍ حديثٍ تسليحًا وتدريبًا، وتحمي سيادتها وحدودها وأمنها؛ مطالبةٌ بأن تبذل جهودًا جادة لصياغة مشروع سياسي وفكري مضاد لمشروع الخلافة الأردوغانية الذي يتسلل في فراغات تم تركها لفترات داخل عقل ووجدان المواطن المصري والعربي المحيط؛ حتى أصبح خطرًا قائمًا ومتحدًا لكل الإنجازات ومشروعات التنمية والاستقرار والأمن، ولابد أن تكون هناك قناعة تامة بأهمية المشروع السياسي الوطني، وألا يُترك حتى يُفرض من الخارج في تجربة ليست بعيدة عندما فرض على مصر إدخال 80 من جماعة الإخوان مجلس الشعب في عملية سياسية هُندست في ثوب ديموقراطي، وهللت لها النخبة المزيفة واعتبرتها بداية للنضج السياسي.
إن مصر مطالبةٌ بأن تستعيد قوتها الناعمة الراقية على كل المستويات؛ لأنها صمام الأمان، وكانت هي القوة التي تسللت إلى كل عقلٍ ووجدانٍ عربيٍّ، وحملت معها عناصر وأواصر حمت الأمن القومي المصري على امتداده في الوطن العربي وأفريقيا ودول العالم الثالث، وحركاتها السياسية والتحررية حين كان التأثير الإيجابي لتلك القوة بديلًا عن القوة المسلحة، وكانت تلقى ترحيبًا وطلبًا بالمزيد. ولن يتحقق هذا دون أن نستشعر واقعنا المأساوي في التعامل مع تلك القوة الناعمة، ونرى نتيجة تراجعنا والمساحات التي تُركت فارغة عن عمدٍ أو عن جهلٍ فاحتلها الغير، وأصبحنا نعاني وندفع الثمن دماءً طاهرةً، بديلًا عن إبداع غاب أو غُيِّب عمدًا وجهلًا.



