
(فرانس برس) : هل تبيض أوروبا ساحتها في مؤتمر برلين اليوم ؟
يمنح مؤتمر برلين الخاص بالأزمة الليبية والذي انطلقت فعالياته مساء اليوم الأحد الذي يتم عقده حاليا في ألمانيا فرصة للاتحاد الأوروبي للحصول على مغانم دبلوماسية، وهو ما يجعل أوروبا في حالة استنفار للتغلب على الأوضاع الحالية وتحسينها.
وذكرت الكاتبة السياسية ليلا جاسينتو، في مقال لها بث على وكالة (فرانس برس) الإخبارية ، أن الليبيين اعتادوا على مدى السنوات الماضية على الفجوة التي تحدث كل مرة ما بين التصريحات الصادرة عن المؤتمرات الدولية حول دولتهم “الممزقة جراء الحرب” والواقع على الأرض.
واعتبرت الكاتبة مؤتمر برلين الذي يعقد اليوم الأحد حول ليبيا، وقدر المصالح والأطراف المجتمعة في هذا المؤتمر، ممن هم غير بعيدين عن ممارسات انتهاكات قرارات الحظر الصادرة عن الأمم المتحدة وبيانات القمة، اعتبرت أنه متفوق على جميع الأحداث السابقة، التي ناقشت القضية قبل هذا.
من المُقرر أن يجتمع القوى العالمية والجهات الفاعلة الإقليمية والوطنية، إلى جانب مشاركة المنظمات الدولية متعددة الأطراف في العاصمة الألمانية، في إطار عملية برلين والتي تهدف في الأساس إلى دعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، والمبعوث الأممي في ليبيا، غسان سلامة، لإنهاء النزاع في ليبيا.
أشارت جاسينتو إلى اللغط الذي يدور حول البيان الافتتاحي لمؤتمر برلين، والدول المشاركة فيه. منذ تولي سلامة منصبه كمبعوث أُممي في ليبيا منذ عامين، دعا القوى الأجنبية إلى الكف عن التدخل في النزاعات في الدولة الواقعة في شمال إفريقيا، وكرر سلامة كذلك دعوته للمشاركة في المؤتمر، فقد ضمت قائمة المدعوين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إلى جانب اللاعبين الإقليميين في المنطقة.
الوضع في ليبيا

تُشير القراءات التاريخية للأحداث إلى معاناة جوتيريش في زيارته لليبيا العام الماضي، في إبريل 2019.
على الرغم من هذا، فإن القوى الإقليمية والعالمية لم تتوقف عن دعم حفتر، منتهكة بذلك حظر الأسلحة المفروض من الأمم المتحدة حينذاك.
استمر الصراع من أجل طرابلس مُسفرا عن مقتل أكثر من 2280 شخصا، منهم 280 مدنيا، ونزوح حوالي 150 ألف مواطن ليبي، وفقًا للأمم المتحدة، وجماعات حقوق الإنسان الدولية والتي تنبأت بكون هذه الممارسات بمثابة جرائم حرب محتملة.
بينما تصدرت عناوين الصحف الليبية خلال الأسابيع الماضية المبارزة الدموية ما القوتين للسيطرة على الموارد وفرض النفوذ في المناطق الغنية بالهيدروكربونات والتي تربط ما بين أفريقيا والعالم العربي، وأوروبا.
أكد التقرير ضرورة اتجاه الاتحاد الأوروبي للحوار، حيث وصلت العلاقات الدبلوماسية في المنطقة إلى ذروتها مع بروز تركيا وروسيا على الساحة كمراكز قوة في المنافسة على المكاسب الجيو سياسية الليبية، وهوما كشف بدوره فشل معالجة أوروبا للأزمة.
في الوقت الذي تحظى فيه حكومة الوفاق المُعترف بها دوليًا، والتي تتخذ من طرابلس مقرًا لها، والتي تحظى بدعم من الاتحاد الأوروبي، ظهرت اتجاهات مختلفة داخل أعضاء الاتحاد ذاته، حيث برزت فرنسا بشكل قوي كأكبر قوة عسكرية في الاتحاد، وإيطاليا التي كانت تضم ليبيا في عهد الاستعمار القديم، والتي تجمعها بليبيا مصالح نفطية تاريخية في شمال أفريقيا.
مواقف متباينة من الحكومات الغربية
المشكلة الأساسية هنا، هي أن كتلة الاتحاد الأوروبي غير مجتمعة، حيث قدمت فرنسا دعمها الدبلوماسي لحفتر، وهو ما أكده الباحث تيم إيتون بمركز تشاتام هاوس البريطاني في مقابلة له مع وكالة أنباء فرانس برس، فقد أوضح أن موقف فرنسا يتسق بشكل كبير مع الإمارات العربية المتحدة. على الجانب الآخر، مازالت إيطاليا تبحث بشأن مشاركتها المحتملة في ليبيا، بينما لم تكن القوى الأوروبية الأخرى، مثل بريطانيا، على استعداد للانخراط في تمويل الحكومات الليبية بغض النظر عن انتماءاتها.
وذكر التقرير أن الاضطرابات في الساحة الأوروبية دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للوحدة قبل المؤتمر، في مقال له على موقع Politico السبت الماضي، فقد طالب أردوغان من خلال مقاله، الدول الأوروبية بالنقاش قبل اتخاذ أي خطوات وقرارات بهذا الشأن، وحذر كذلك من أن الفشل في إيجاد سُبل للنقاش والوصول لقرارات سيتيح الفرصة للمنظمات الإرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامية ISIS، والقاعدة، والتي عانت من هزيمة عسكرية في سوريا والعراق والتي ستجد أرض خصبة تحتضنها وستعود بقوة.
الحرب المُعقدة في ليبيا تضع حكومة السراج التي تحظى بدعم تركيا وقطر وإيطاليا، مقابل حكومة حفتر التي تُسيطر على شرق ليبيا بدعم من مصر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وفرنسا.
بينما تُقاتل روسيا إلى جانب قوات حفتر، على الرغم أن موسكو تحتفظ بروابط لطرفي النزاع كليهما. في الوقت ذاته، استجابت تركيا لطلب التدخل من الجيش الوطني التقدمي، وبالتالي أرسلت قوات تركية ومقاتلين سوريين للمساعدة في قتال قوات حكومة حفتر. أثار انضمام أنقرة العسكري الرسمي إلى المعركة الليبية، مقابل حقوق التنقيب في مياه شرق البحر المتوسط الغنية بالنفط، موجة دبلوماسية عارمة من السخط. فقد أثارت الصفقة ما بين السراج وأردوغان للحصول على حقوق في المياه المتنازع عليها، كل من اليونان وإسرائيل وقبرص، التي تجمعهم صفقة ثُلاثية لخط أنابيب الغاز البحري في المنطقة.
روسيا وتركيا تكشفان ضعف أوروبا

على الجانب الآخر، برزت روسيا كلاعب رئيسي خلال الأسبوع الجاري، عندما دفعت حكومتا السراج وحفتر للسفر إلى موسكو للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.
في حين أن أنقرة وموسكو كانتا على النقيض في مواقفها تجاه الوضع السوري، حيث أن القوتين أظهرتا القدرة على العمل معًا. وهو ما أكدته بالتالي زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة إلى إسطنبول، وذلك وسط بوادر قلقة على ظهور شراكة ما بين موسكو والأغلبية المسلمة الوحيدة في حلف الناتو من الأعضاء.
يوضح هذا التأثير الجيو سياسي المتناقص للغرب بشكل صارخ خاصة فيما يتعلق بليبيا، وذلك منذ الحملة الأولى للقصف التي شنها حلف شمال الأطلسي عام 2011 أدت في النهاية إلى الإحاطة بـ “الديكتاتور معمر القذافي” وفقًا للكاتبة.
تضارب في المواقف الأوروبية تجاه الأزمة الليبية
ذكر المقال أن القوى الغربية تمتلك خطة بشكل أو بآخر حول مشاركة تركيا وروسيا في ليبيا، وأكدت أن البلدين متفقان على السيناريو المستقبلي المنحصر ما بين الصراع الدائر بين حكومتي حفتر والحكومة الوطنية، في حين أنهما تتفقان على ضرورة مشاركتهما على الساحة في حال بدء محادثات السلام، حيث تسعى كل من هذه الأطراف إلى الاستيلاء على احتياطي النفط، إلى جانب توسيع نفوذهم في البحر الأبيض المتوسط.
امتنعت القوى الغربية خلال الأشهر الماضية عن توجيه تمويلاتها وقوتها العسكرية إلى ليبيا استجابة لنداءات السراج، والوصول إلى حل سياسي، هذا على النقيض بما يحدث على أرض الواقع.
على الجانب الآخر، أدركت الحكومة الأمريكية أن الفراغ الذي أحدثه بقرار الانسحاب من المنطقة، يمكن أن تملأه جهات أخرى، وهو ما جعل الرد التركي بهذه الخطوة يهز ثقة القوى الغربية. حيث تفاجئ الأوروبيون بفقدانهم لمكانتهم وأهميتهم النسبية في المنطقة التي تقع على حدودها.
الدور الفرنسي البارز في ليبيا
وفقًا للتقرير أن فرنسا منعت أوروبا من اتخاذ أي موقف عسكري، حيث أن دور فرنسا في ليبيا بات أكثر عُرضه للانتقاد من قِبل المُحللين السياسيين في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة.
من الناحية الدبلوماسية، فإن فرنسا تدعم عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة بين السراج وحفتر، على الرغم من هذا، فإن فرنسا متهمة بتقديم الدعم العسكري لحكومة حفتر، وغض البصر عن هذا في المحافل الدولية، إلى جانب إدانتها من قِبل الجيش الوطني.
أدى تحطم مروحية عسكرية فرنسية بالقرب من بنغازي الشرقية عام 2016، إلى مقتل 3 من الجنود الفرنسيين، وأجبر باريس على الاعتراف لأول مرة بأن قواتها الخاصة تعمل في ليبيا. وأكد التقرير أن فرنسا وقرت الدعم الدبلوماسي لحفتر منذ فترة طويلة، بينما أكد موقف فرنسا من اتخاذ الاتحاد الأوروبي لأي موقف تجاه ليبيا، أو حتى إطلاق مبادرات، أو استخدام وسائل ضغط لتقييد القوات على الأرض.
في حين أشارت الكاتبة إلى أنه على الرغم من افتقار الاتحاد الأوروبي إلى الوحدة السياسية، لم يفت الأوان بعد لاغتنام أوروبا الفرصة الدبلوماسية الأخير، فمازالت أوروبا تحتفظ بسلطة على المجال الدبلوماسي، والتي تمكنها من إجراء أي تسويات مستقبلية، على الرغم من هذا، فلا يجب الاستهانة بشرعية مؤتمر برلين والقرارات التي تنتج عنه.
مؤتمر برلين … فرصة مناسبة لإنهاء ميركل ولايتها

أما بالنسبة لألمانيا، فإن هذا المؤتمر، والذي يُعد آخر محاولة دولية لإحلال السلام على عتبة أوروبا، سيكون لها دورًا هامًا فيه، حيث أشار التقرير إلى أن الألمان يُنظر إليهم على أنهم سياسيين مُحايدون، فهم لا يتواجدون عسكريًا، ولا ينطلقون ولا ينخرطون في مناورات عسكرية، ولا يتشاركون في النفط.
بينما يُعد هذا المؤتمر – مؤتمر برلين – بالنسبة للمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، فوز سياسي لها، قبل تنحيها الذي أعلنت عنه مُسبقًا، فهي أعلنت عن تنحيها عن منصب المستشارة الألمانية بحلول عام 2021، بعد بقائها لمدة 14 عام في هذا المنصب.
أكدت ميركل أنها لا تسعى لإيجاد تاريخ قوي لها قبل التنحي، ولكن المؤتمر يُعد نهاية مناسبة لولايتها، ويؤكد التقرير أن ميركل هي أفضل شخصية يمكنها إجبار أطراف الصراع للتوصل إلى اتفاق.



