
الحراك اللبناني والعراقي.. دور طهران في تعميق الطائفية
انطلقت المظاهرات في لبنان والعراق رافعة شعارات ومطالب اقتصادية واجتماعية، ضد الفقر والبطالة والفساد، وسرعان ما تطورت إلى دعوات بإسقاط النظام السياسي في كلا البلدين، ورحيل كل رموزه السياسية بعد أن حملها المتظاهرون مسئولية تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية، كما دعا المتظاهرون إلى إلغاء نظام المحاصصة الطائفية وإعلاء قيم المواطنة والعدالة والمساواة ، وتوجهت شعارات المواطنين ضد التدخل الإيراني الداعم للطائفية والفساد، أدت إلى حدوث مواجهات بين المتظاهرين وبين أنصار حزب الله في لبنان، ولكنها فشلت في تخويف المتظاهرين او إنهاء الاحتجاجات، وفي العراق، هاجم المتظاهرون الكثير من المباني الدبلوماسية التابعة لإيران مثل القنصلية الإيرانية في كربلاء والنجف، وأشعلوا بها النيران، وتحول الحراك من حراك شعبي إلى حراك موجه ضد إيران والطائفية.
ويتشابه النظام السياسي القائم في لبنان والعراق إلى حد بعيد في قيامه على أسس طائفية، وسيطرة الشيعة في العراق وحزب الله في لبنان المدعومين من إيران على الحياة السياسية. يركز هذا التقرير على الدور الإيراني في تدعيم وتسييس الطائفية في العراق ولبنان، وتأثير الاحتجاجات التى اندلعت في إيران منذ نوفمبر الماضي مطالبة بوقف التدخل الإيراني ودعم المليشيات العسكرية في الخارج الإيراني على مسار الحراك.
تسييس النظام الطائفي
لعقود طويلة تم النظر إلى التقسيم الطائفي باعتباره الضامن لوحدة واستقرار لبنان، وظهرت العديد من الأراء الداعية إلى إنشاء نظام سياسي مستوحى من النظام اللبناني في دول عربية أخرى، يعكس التباين الديني والعرقي للمواطنين ويضمن تمثيل كافة الطوائف، ويرفض نموذج الدولة المركزية التي تتبنى تعريف موحد للهوية الوطنية. وكثيرا ما طرح النموذج اللبناني للتعامل مع الأزمات والانقسامات في سوريا والعراق فدعى المحللون السياسيون إلى عقد اتفاق “طائف سوري” وطائف عراقي” وهو ما حدث بالفعل في العراق بعد عام 2003، حيث تم تقسيم السلطة على أساس طائفي، وإقناع المواطنين في الدولتين؛ اللبنانية والعراقية بأن الصيغة الطائفية هي الضامن الوحيد للاستقرار والحفاظ على حقوقهم في مواجهة أصحاب الهويات الأخرى، وساد شعور بأنه لولا وجود ممثلين يعبرون عن مصالح هذه الطائفة في السلطة لما استطاع أصحابها الحصول على حقوقهم المشروعة في الوظائف والخدمات العامة في ظل منافسة شرسة على موارد محدودة من جانب الطوائف الأخرى.
أولا: النظام اللبناني:
تأسس النظام السياسي الطائفي في لبنان من خلال الميثاق الوطني الصادر عام 1943، ثم من خلال “اتفاق الطائف” الذي أنهى الحرب الأهلية وتم التصديق عليه في 22 أكتوبر من عام 1989، وهو الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. وتم بموجبهما تشكيل نظام جمهوري برلماني يتكون مما أطلق عليه ب ” الرئاسات الثلاث “، وهم: رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس البرلمان، وهو مسمى يعكس مكانة كل منهم داخل منظومة الحكم.
رئيس جمهورية لبنان مسيحي: لا يتمتع بصلاحيات واسعة مقارنة برئيس الوزراء، ولا بد أن يكون من طائفة المسيحيين الموارنة وينتخب بشكل غير مباشر، أي من قبل مجلس النواب لولاية واحدة فقط تمتد لـ 6 سنوات.
رئيس الوزراء مسلم سُني: بحسب النظام السياسي اللبناني يشترط أن يكون رئيس الوزراء مسلم سني، ويكلفه رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة بالتشاور مع أعضاء مجلس النواب المنتخبين وموافقتهم.
وعادة ما تشكل الحكومة اللبنانية بشكل توافقي للكتل الممثلة في البرلمان، لكن شريطة أن يبقى منصب رئيس الوزراء حصرا في المسلمين السنة.
رئيس السلطة التشريعية مُسلم شيعي : يمثل مجلس النواب السلطة التشريعية في لبنان ويشترط أن يأتي على رأس المجلس مسلم لكن من الطائفة الشيعية، ويتم انتخاب مجلس النواب بشكل مباشر من قبل الشعب لمدة 4 سنوات.
ثانيا: النظام الطائفي في العراقي:
أما في العراق فعلى الرغم من أن الدستور لم ينص صراحة على توزيع السلطة على أسس طائفية، فقد ثبتت الممارسات التي سادت في العراق، وما قام به “بول بريمر” أول حاكم مدنى للعراق بعد الغزو الأمريكى فى ٢٠٠٣، من تغييرات في تركيبة الكتلة الحاكمة، بحيث يخص المكون الشيعى بحصة غالبة فى السلطتين التنفيذية والتشريعية وفى أجهزة الأمن وليعزز من وجود الأكراد على قمة الدولة وفى إقليم يتمتع بالاستقلال الذاتى عن حكومة بغداد، وذلك على حساب السنة الذين كانوا العمود الأساسى لنظام الحكم فى العراق منذ استقلاله فى ١٩٣٢وتم تقسيم المناصب السياسية، لحيث خصص منصب الرئيس للأكراد، ومنصب رئيس الوزراء (الأقوى في العراق) للشيعة، ومنصب رئيس البرلمان للسنة . كما عززت النظم الانتخابية، التي تستند إلى التمثيل النسبي والقوائم الحزبية، الطائفية السياسية.
الدور الإيراني في تدعيم الطائفية في الدولتين
بدأ النفوذ الإيراني في لبنان ومحاولة استغلال الانقسام الطائفي بها أثناء الحرب الأهلية، حين قامت مجموعة من الحرس الثوري الإيراني بالتواصل مع حركة أمل الشيعية في لبنان لتشكيل حزب وحركة جديدة موالية لولاية الفقيه، فكان تشكيل حزب الله في عام 1985، وبعد عقد اتفاق الطائف تم نزع السلاح من جميع المليشيات العسكرية ماعدا حزب الله بدعوى أنه حركة مقاومة ضد إسرائيل تستهدف تحرير لبنان وفلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، وبذلك أصبح حزب الله الذراع العسكرية الأولى لإيران في لبنان والوطن العربي.
اتجهت إيران بعد ذلك لدعم حزب الله سياسياً من أجل تحويله من مجرد حركة مقاومة عسكرية إلى طرف في المعادلة السياسية، وبالفعل شارك الحزب في الانتخابات البرلمانية بعد انتهاء الحرب الأهلية وفاز ب 11 مقعد في البرلمان.
وقد بدأت أولى خطوات الدور السياسي الإيراني في العراق منذ أول انتخابات تشريعية بعد عام 2003، حيث حل حلفاء إيران محل النظام البعثي وسيطر الشيعة الموالون لإيران على مجلس النواب لثلاث دورات متتالية منذ العام 2005 وحتى الآن، غير مكترثين لنتائج الانتخابات في بعض الأحيان؛ كما حدث في انتخابات 2010 ، حين فازت قائمة العراقية التي يتزعمها إياد علاوي ثم اضطراره لترك رئاسة الوزراء لنوري المالكي.
لقد كان تشكيل الحكومة الثانية في العراق في ديسمبر 2010 برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي بمثابة مرحلة بارزة في جهود إيران لتوحيد حلفائها السياسيين الشيعة في العراق.
وعلى الرغم من أن النظام الطائفي في البلدين صمم لإنهاء الصراع الطائفي عبر ضمان مشاركة السلطة بين أحزاب تمثل الطوائف المختلفة، إلا أن ارتباط الجماعات الشيعية في كل من البلدين، بإيران وتمسكها بالاستحواذ على السلاح خارج إطار قوات الأمن الرسمية التابعة للدولة مثل عقبة كبيرة أمام أي محاولة لتغيير المعادلة.
نجحت إيران في توسيع نفوذها السياسي في الدولتين، وتدعيم النزاع الطائفي، وخلق نخب سياسية تدين لها بالولاء والدعم، وظهر ذلك في حالة الإنقسام السياسي في البلدين الذي أدى بقاء منصب رئيس الجمهورية في لبنان فارغاً لمدة سنتين ونصف بسبب الصراعات الطائفية والانقسام السياسي بين الأحزاب، وعدم قدرة رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري في الحصول على ثقة البرلمان وتشكيل حكومته، إلا بعدة عدة أشهر من إجراء الانتخابات النيابية، كما ظهرت في السياسة الخارجية لكلا الدولتين مثل ما حدث من امتناع وزير خارجية لبنان جبران باسيل في مطلع يناير 2016 بتوجيه من حزب الله عن التصويت على قرار الإجماع العربي ضدّ التدخل الإيراني في الشؤون العربية.
كما ظهر في ارتفاع مؤشرات الفساد وتدهور الوضع الاقتصادي في البلدين، حيث استغل كل طرف من أطراف المعادلة السياسية نفوذه ودعم الجهات الخارجية في تحقيق مكاسب اقتصادية، فتركزت ثروات البلاد في يد نخبة قليلة وعانى الشعب من الفقر والفساد، وفقا لبعض التقارير الدولية فإن خزائن الدولة العراقية فقدت ما يتراوح بين 300 و 350 مليار دولار منذ عام 2003 بسبب الكسب غير المشروع، كما أصبح العراق الآن أكثر دول العالم من حيث مؤشرات الفساد.
حالة الرفض تنتقل للداخل الإيراني
بدأت الاحتجاجات في إيران في شمال غربي البلاد في مدينة مشهد، ثاني أكبر مدن إيران من حيث عدد السكان، وسرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى أكثر من 40 مدينة، وفقا للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، منددة بتدهور الأوضاع الإقتصادية من فساد وفقر وانتشار البطالة، كما نددت بالتدخل الإيراني في الدول الأخرى، مرددين عبارات مثل (الناس يتسولون، ورجال الدين يتصرفون كالآلهة) ، و(ليس لغزة، ليس للبنان، حياتي لإيران)، فقد عانى الإيرانيون من تدهور وسوء الخدمات، بينما أنفق النظام نحو 16 مليار دولار على العراق ولبنان واليمن منذ عام 2013 حتى عام 2019، بالإضافة إلى 10 مليارات دولار أخرى على سوريا. كما ينفق النظام حوالي 700 مليون دولار سنويا على “حزب الله”، في ظل عقوبات دولية صارمة تقلل من القدرات المالية والحكومية ، بشكل مستمر.
ثم تطورت المظاهرات إلى احتجاجات واسعة ضد السلطات مطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين، وإنهاء قمع الشرطة. ورغم التعتيم الإيراني على حقيقة ما يحدث وطريقة التعامل مع المتظاهرين، إلا أن الصور والفيديوهات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة، واصابة بعض المتظاهرين بطلق ناري.
هل تعبر لبنان والعراق مرحلة الطائفية :
- يواجه الحراك في لبنان والعراق تحدي كبير يتمثل في عدم وجود قيادة وبرنامجا واضحا لكيفية بلوغ أهدافه وتصورا للخطوات الوسيطة التى تنقله إلى غاياته الكبرى. كما أن الكتلة الحاكمة فى البلدين لا يمكن أن تسلم بسهولة بالتخلى عن الأسس الدستورية والقانونية والممارسات السياسية التى هيأت لها أن تحتكر على نحو جماعى ركائز السلطة والثروة فى أياديها.
ولكن مما لا شك فيه أن الحراك الشعبي في لبنان والعراق أصبح يمثل نقلة مهمة فى وعى المواطنين فى البلدين حول مدى صلاحية الصيغة الطائفية التي يقوم عليها نظامهما السياسى فى علاج الأزمات الملحة التي تفاقم من صعوبات الحياة أمام المواطنين، وهى انتشار الفقر والبطالة، وتردي الخدمات العامة، وانتشار الفساد بين كل مكونات الكتلة السياسية الحاكمة التي تدين بالولاء للخارج الإيراني وتقدم مصالحه على مصالح المواطنين، وأيا كانت نتيجة الحراك، فلن يعد التأثير الطائفي والنفوذ الإيراني في البلدين كما كان، فمعظم المحتجين في العراق ينتسبون إلى الأغلبية الشيعية في المجتمع، وهم يطالبون بإسقاط النظام الذي يسيطر عليه الشيعة.
وفي لبنان، لم يسلم حزب الله وحركة أمل الشيعية من سخط المحتجين حتى في قلب المناطق التي يسيطرون عليها في الجنوب، وسوف تخسر إيران كثيرا بسقوط حلفائها في الدولتين.
وقد يكون العامل الإيراني في لبنان أقل نفوذاً منه في العراق، فقد تبين أن أسلوب التخويف الذي اتبعه مؤيدو حزب الله ضد المحتجين عبر حرق خيامهم ومحاولة تفريق تجمعاتهم قد فشل، ما عكس حسابات حزب الله الخاطئة.
- يساهم عامل آخر في تجاوز الحراك العراقي للنفوذ الإيراني يتمثل في الإختلاف حول مرجعية شيعة العراق بين الحوزتين الشيعيتين (المدرستان الرئيسيتان): حوزة النجف في العراق، وهي المقر التاريخي للحوزة من القرن الخامس، وحوزة قُمْ في إيران، وهي المقر المستحدث في أعقاب الثورة الإيرانية. بالإضافة إلى رفض الشيعة في العراق إلى جانب المرجع الأعلى للشيعة في العالم آية الله علي السيستاني لمبدأ ولاية الفقيه، وهو أساس نظام الحكم في إيران.
- تتوحد مطالب الإيرانيين مع مطالب اللبنانيين والعراقيين، ضد النظام السياسي ككل، وهو ما يزيد من خطورة الاحتجاجات الإيرانية هذه المرة،لا سيما مع وجود قواسم كثيرة بين البلدان الثلاثة، أبرزها القبضة الإيرانية التي تتجاوز حدود بلدها، وتزيد الاضطرابات التي تشهدها إيران نتيجة الاحتجاجات على رفع أسعار الوقود والتدخل الإيراني ودعم المليشيات المسلحة في الخارج، الضغط السياسي حلفاء طهران ووكلائها في العراق ولبنان، الذين يتعرضون لضغوط بالفعل.
- الدور الأمريكي: تمارس الولايات المتحدة ضغوطا على الجانب الإيراني لوقف قمعه للاحتجاجات في لبنان والعراق، ومؤخرا فرضت واشنطن عقوبات على ثلاثة من قيادات الميليشيات العراقية المدعومة من إيران إلى جانب رجل أعمال بسبب مزاعم عن تورطهم في عمليات القتل للمتظاهرين بالعراق. ومقتل متظاهرين بعد هجوم مسلحين مجهولين في وسط بغداد، وقد ذكر مسؤول كبير بوزارة الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة تجهز عقوبات جديدة فيما يتصل بقتل محتجين مناهضين للحكومة في العراق، كما منعت العقوبات الأمريكية حزب الله من تشكيل الحكومة بعد استقالة الحرير على الرغم من سيطرته على الأغلبية داخل البرلمان لأنهم سيواجهون بعزلة دولية تعد الأسرع لتحقيق انهيار مالي في لبنان.
المراجع:
- مهي محيي، صيف الحراك المدني الطوائف والمواطنون في لبنان والعراق، مركز كارنيغي، ، يونيو 2017.
- مصطفى كامل السيد، رفض الطائفية ومستقبل النظام السياسي في لبنان والعراق، 10 نوفمبر، 2019، .
- احتجاجات لبنان والعراق.. هل هي نهاية النظام الطائفي؟،
- جوزيف باحوط، تفكك اتفاق الطائف في لبنان: حدود تقاسم السلطة على أساس طائفي، مركز كارنيجي، 16 مايو 2016،
- حرق القنصلية الإيرانية في النجف للمرة الثالثة، العربية،



