دول المغرب العربي

الاتفاق الاستراتيجي بين تونس والاتحاد الأوروبي: المحددات والتداعيات

وقعت تونس والاتحاد الأوروبي، في منتصف شهر يوليو الماضي، اتفاقية “شراكة استراتيجية” تركز على مجالات التنمية الاقتصادية والطاقات المتجددة ومكافحة الهجرة غير النظامية، وذلك بحضور رئيس الوزراء الهولندي مارك روته، ونظيرته الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. وهي الاتفاقية التي مثلت اختراقًا على مستوى العلاقات التونسية الأوروبية، خصوصًا في أعقاب حالة “الخفوت” التي شهدتها هذه العلاقات في أعقاب الإجراءات الاستثنائية للرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021، وما تبعها من تداعيات.

وعلى الرغم من اعتبار العديد من التقديرات أن الاتفاقية الأخيرة تأتي في إطار الحرص المشترك والتركيز الثنائي على آليات التعامل مع ظاهرة الهجرة غير النظامية، فإن الاتفاقية الاستراتيجية بين الجانبين تتجاوز ذلك، خصوصًا وأنها تمثل تجديدًا وإحياءً للشراكة الاستراتيجية بين الطرفين، فضلًا عن أنها تفتح الباب أمام العديد من الامتيازات والمكاسب التي تحتاجها الدولة التونسية في الفترة الراهنة.

محاور رئيسة للشراكة

تضمنت اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين تونس والاتحاد الأوروبي 5 محاور أساسية، وذلك وفق ما ذكرته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، على النحو التالي:

1- الاتصال بين البشر: وهو المحور الذي سيركز على خلق فرص للشباب التونسي؛ من خلال تعزيز دمجهم في برامج الاتحاد الأوروبي، خصوصًا تلك البرامج الخاصة بالتبادل الثقافي والمنح التعليمية والتدريب، فضلًا عن الالتزام الأوروبي بدعم المنظومة التعليمية في تونس، سواءً على مستوى بناء الكوادر البشرية، أو على مستوى دعم منظومة التحول الرقمي.

2- التنمية الاقتصادية: أكد المسؤولون الأوروبيون أن دعم التنمية الاقتصادية في تونس يمثل هدفًا وركيزة أساسية للاتفاق الموقع بين الجانبين، حيث سيجري العمل على دعم تونس من خلال تقديم الدعم المالي، وسيجري العمل من أجل بناء اقتصاد تونسي متين.

3- الاستثمار والتجارة: حيث سيجري العمل من أجل تحسين مناخ الأعمال لجلب الاستثمارات، وفي هذا السياق قالت رئيسة المفوضية الأوروبية إن الاتحاد الأوروبي يخطط لعقد منتدى استثماري مهم بخصوص تونس.

4- الطاقة المتجددة: حيث أكد الطرفان ضرورة تعزيز التعاون بما يضمن الانتقال نحو الاقتصاد الدائري الأخضر، عبر تعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

5- الهجرة غير النظامية: أكد الطرفان التونسي والأوروبي أن أحد أهم محاور الاتفاق بين الجانبين يتمثل في تعزيز أطر التعاون الثنائي في مواجهة ظاهرة الهجرة غير النظامية، خصوصًا على مستوى: معالجة الأسباب العميقة للظاهرة، وزيادة الرقابة على الحدود، ورفع مستوى آليات النجدة.

محددات حاكمة للاتفاق

حظي الاتفاق التونسي الأوروبي باهتمام كبير متعدد الأنماط، بين من يرى فيه فرصة للدولة التونسية خصوصًا على المستوى الاقتصادي والاستراتيجي، ومن يرفضه ويرى فيه أنه “يحول تونس إلى حارس للحدود الأوروبية”، وبشكل عام يمكن القول إن الاتفاق بين الجانبين جاء في ضوء بعض المحددات الرئيسة، وذلك على النحو التالي:

1- تنامي تهديد الهجرة غير الشرعية: احتل ملف المهاجرين غير الشرعيين من دول الشمال الأفريقي إلى أوروبا مكانة متقدمة على مستوى العلاقات الأوروبية بمنطقة الشمال الأفريقي بشكل عام في الآونة الأخيرة، وهو أمر يمكن فهمه في ضوء صعود الأحزاب اليمينية إلى السلطة في عدد من البلدان الأوروبية. إلا أن أحد الاعتبارات الرئيسة في هذا الصدد يتمثل أساسًا في تنامي موجات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وهي الموجات التي كان منها حادث غرق مركب يقل مهاجرين قبالة جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، كان قد أبحر من مدينة صفاقس التونسية، التي تعد نقطة الانطلاق الرئيسة للمهاجرين غير الشرعيين الذين يسعون للوصول إلى إيطاليا بالقوارب، في 24 يونيو الماضي.

الجدير بالذكر أن تونس تعد البوابة الرئيسة في منطقة الشمال الأفريقي لتدفق المهاجرين إلى أوروبا، خصوصًا وأنها الدولة الأقرب لأوروبا، حيث لا تتجاوز المسافة 150 كم بين شواطئ تونس وجزيرة لامبيدوسا الإيطالية، فقد أعلنت وزارة الداخلية الإيطالية، في 10 يونيو الماضي، أن أكثر من 53800 مهاجر وصلوا إلى إيطاليا عبر البحر منذ بداية العام، وهو ما يشكل ضعف عدد العام الماضي إجمالًا (21700 شخص)، ومعظمهم جاؤوا من تونس. وفي سياق متصل وقبيل توقيع الاتفاق مع تونس، وقعت دول الاتحاد الأوروبي اتفاقًا فيما بينها يقضي بتقاسم مسؤولية رعاية اللاجئين والمهاجرين، وهو الاتفاق الذي رأت بعض التقديرات أنه يمهد للسماح لإيطاليا بترحيل العديد من المهاجرين إلى دول مثل تونس، خصوصًا بعد الاتفاق الأخير.

2- عدم ترك فراغ استراتيجي: أشار العديد من المسؤولين الأوروبيين في أكثر من مناسبة إلى خطورة ترك تونس والتخلي عنها في هذه المرحلة المفصلية، خصوصًا وأن ذلك سيترتب عليه خلق فراغ استراتيجي قد تستغله روسيا والصين، وهو ما حذرت منه مرارًا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ووزير خارجيتها أنطونيو تاياني.

وفي هذا السياق تصاعد الحديث في الفترات الأخيرة خصوصًا قبيل الاتفاق التونسي الأوروبي، عن احتمالية انضمام تونس إلى تحالف بريكس، ففي أبريل الماضي عبر المتحدث باسم الخارجية الصينية وانغ ون بين عن ترحيب بلاده بأي دولة ترغب في الانضمام إلى مجموعة “بريكس” وذلك في تعليقه على الأنباء التي أوردتها وسائل إعلام روسية حول إمكانية انضمام تونس للمجموعة الاقتصادية، حيث أكد محمود بن مبروك المتحدث باسم حراك 25 يوليو وهو أحد القوى الرئيسة الداعمة والمقربة من الرئيس قيس سعيد، أن “لديه معلومات تفيد بأن تونس تدرس بجدية الانضمام لمجموعة بريكس”. 

ولعل هذه التخوفات الاستراتيجية الأوروبية هي التي دفعت أوروبا إلى المسارعة بتوقيع الاتفاق مع تونس، خصوصًا في ظل البيئة الداخلية التونسية التي تمثل عاملًا محفزًا نحو التقارب مع الصين وروسيا، خصوصًا ما يتعلق بالأزمات الاقتصادية، وتعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وكذا الأزمات الدبلوماسية التي تندلع بين الحين والآخر بين تونس والمحور الغربي، بسبب ملف حقوق الإنسان في تونس.

تداعيات مهمة

يحمل الاتفاق الاستراتيجي بين تونس والاتحاد الأوروبي العديد من التداعيات المهمة بالنسبة للطرفين، وذلك على النحو التالي:

1- تحجيم ظاهرة الهجرة غير النظامية: بموجب الاتفاق الأخير بين تونس والاتحاد الأوروبي، وفي ضوء كون تونس الدولة المصدرة لغالبية المهاجرين غير النظاميين الذين يتوجهون لأوروبا؛ سوف تكون الإدارة العامة للحرس الوطني التونسي، وهي الوحدة الشرطية المعنية بالسواحل البحرية، أكثر يقظة على مستوى إحباط محاولات الهجرة غير النظامية، فضلًا عن إنقاذ المهاجرين. كذلك قد تتجه بعض الدول الأوروبية إلى ترحيل بعض المهاجرين إلى تونس وتوطينهم فيها.

لكن هذا الاعتبار وعلى الرغم مما يتيحه من امتيازات للجانب الأوروبي، فإنه يمثل في الوقت ذاته ضغطًا على الدولة التونسية؛ بمعنى أن حل أزمة الهجرة غير النظامية قد يكون على حساب تونس التي ستتحول وفق بعض التقديرات إلى “حارس للحدود الأوروبية” و”موطن للاجئين غير النظاميين”؛ إذ إن الاتفاق يعني منع المهاجرين غير النظاميين من الوصول إلى أوروبا، وضمان عودة التونسيين الذين ليس لديهم إذن بالبقاء في أوروبا، إضافة إلى تسهيل عودة المهاجرين من جنسيات أخرى والذي انطلقوا صوب أوروبا من تونس إلى بلدان ثالثة، على أن  يتولى الاتحاد الأوروبي تمويل العودة “الطوعية” للمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء إلى بلادهم عبر تونس.

وفي هذا السياق يوجد حاليًا في تونس نحو 80 ألف مهاجر غير نظامي معظمهم متوطنون في مدينة صفاقس، وفق ما صرح به وزير الداخلية التونسي كمال الفقي، ردًا على سؤال برلماني بهذا الخصوص منذ أيام.

2- دعم الإصلاحات الاقتصادية في تونس: سوف يكون الاتفاق الاستراتيجي التونسي الأوروبي أحد المداخل الرئيسة لدعم الإصلاحات الاقتصادية في تونس، وذلك في ضوء ما سيترتب عليه من دعم اقتصادي لتونس من قبل الجانب الأوروبي، فضلًا عن عملية الضغط التي ستمارسها الدول الأوروبية على كلًا من تونس وصندوق النقد الدولي من أجل الوصول إلى اتفاق بخصوص حزمة الدعم المنتظرة، كذلك سيشجع الاتفاق وما سيترتب عليه من دعم أوروبي لتونس الجهات المانحة الدولية على دعم تونس في هذه المرحلة الراهنة.

3- تحسين علاقات تونس بمحيطها الخارجي: شهدت علاقات تونس بمحيطها الخارجي خصوصًا الغربي حالة من الخفوت والتوتر في أعقاب الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو 2021، وما صاحبها من قرارات وسياسات، بسبب إعلاء الجانب الغربي من الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية كمحددات حاكمة لعلاقاته مع تونس، خصوصًا مع الدعاية المناهضة للدولة التونسية من قبل العديد من اللوبيات ودوائر الضغط المحسوبة على حركة النهضة.

وفي هذا الإطار، يمثل الاتفاق الأخير بداية انفراجة في هذا الملف، خصوصًا مع جهود الاتحاد الأوروبي وإيطاليا على وجه الخصوص؛ لفتح الباب أمام التعاون الدولي مع تونس، وتجنب سيناريو الانهيار، وهو ما عبر عنه  وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني قبل توجهه إلى واشنطن في زيارته الأخيرة منذ أسابيع، عندما قال: “يجب أن يكون نهج صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة براجماتيًا وغير أيديولوجي في التعامل مع حالة الطوارئ الاقتصادية التي تعيشها تونس” وفق تعبيره، كذلك أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية منذ أيام أنها التقت بالرئيس الأمريكي جو بايدن في واشنطن، وأطلعته على تفاصيل الاتفاق التونسي الأوروبي، وهو الاتفاق الذي لاقى ترحيبًا من “بايدن” وفق تعبيرها في مؤتمر صحفي بالسفارة الإيطالية بواشنطن.

وفي الختام، يمكن القول إن الاتفاق الاستراتيجي الأخير بين تونس والاتحاد الأوروبي يمثل بداية انفراجة على مستوى العلاقات الثنائية بين الجانبين، لكن مدى فاعليته ونجاحه يتوقف بشكل كبير على وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الاتحاد الأوروبي لدعم جهود تحسين الأوضاع في تونس، لا مجرد جعلها “حارسًا لحدوده”، فضلًا عن مواجهة الاتفاق لمجموعة من التحديات الأخرى ومنها الخوف من عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على حلحلة الملفات الخلافية بين تونس وصندوق النقد، فضلًا عن الرفض الداخلي من قبل بعض الدوائر التونسية للاتفاق.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى