مصر

الاقتصاد المصري وهيكل الدولة.. بنية الحكم القوي وترميم أزمات الماضي

دلالات عديدة تستقر نحو عدم إدراك البعض ملامح الأزمة التي طالت وامتدت لسنوات صوب وضعية الاقتصاد المصري، وهيكل الدولة وقوامه الرئيس، لا سيما أن مصر تعرضت خلال الفترة من العام 2011 وحتى قيام ثورة الثلاثين من يونيو لحالة من السيولة وترهل سلطة الدولة، حتى استطاعت أن تسترد عافيتها.  

ولم يتم كذلك فهم واستيعاب منهاج عمل الدولة خلال السنوات الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بمراحل النمو في القطاعات المستهدفة، والاشتباك مع ملفات متوازية بصيغة تكتيكية داخل استراتيجية عامة نحو اصطلاح “الجمهورية الجديدة”. بيد أن هناك جملة من التحديات الدولية التي اعترت كافة دول العالم منذ جائحة كورونا وحتى الحرب الروسية الأوكرانية وما بينهما من عثرات الاقتصاد المصري، والتي هي بمثابة ميراث ثقيل يحمل تبعاته نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، بينما حرص الأخير على معالجته بخطوات جادة ومعمقة عبر الإصلاح الاقتصادي وتحرير بعض القطاعات من قبضة الموروثات القديمة والتقليدية، ما دفع الدولة إلى انتهاج أسلوب عمل شاق يعزز من كفاءة الأداء وتنمية القطاعات المستهدفة من خلال آلياتها  ومساراتها الخاصة.

غير مرة، يحرص الرئيس على الاشتباك بقوة وصراحة مباشرة مع إشكاليات عقل الدولة المصرية الذي امتلأ بمقولات عقد الستينات، مع تحديد حدود العلاقة الوازنة بين حقوق الدولة والمواطنين وكذا واجباتهم تجاه بعضهم البعض. فضلًا عن السبيل الناجع والناجز لديمومة العمل بين الوزارات داخل الإطار الحكومي، وأن يبذل الجميع أقصى طاقاته لتنمية موارده دون ترقب مساعدة أو انتظار من ينتشله من عثراته.

نحو ذلك، نجد أن الرئيس السيسي تحدث عن ذلك مباشرة عند تعرضه لمسألة تدشين الصناديق الاستثمارية لقطاعات الدولة المختلفة، والعمل على تعظيم تلك الصناديق وتنميتها بعيدًا عن النهج السائد سابقًا بضخ عائدات تلك القطاعات داخل الوعاء المالي لوزارة المالية. وقد ضرب لنا مثلًا بذلك صوب وزارة الإسكان والقطاع التابع لها ممثلًا في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وكذا الهيئة الاقتصادية لقناة السويس والآمال المعقودة لنجاح الفكرة وتعظيم عوائدها لصالح الدولة ومستقبلها. إذ اعتبر الرئيس أن ذلك ممرًا آمنًا لتأمين وفرة مالية داخل كل القطاعات بمحاذاة الموازنة العامة للدولة بغية الانطلاق نحو مشروعات طموحة دون عوائق مالية أو إدارية. 

وفقًا لذلك ينبغي أن يكون الحديث دائرًا عند مناقشة القانون الذي تقدمت به الحكومة في شهر أكتوبر الفائت  لمجلس النواب، وأثار أخيرًا لغطًا كبيرًا بين النخب والمواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما دفع المستشار حنفي جبالي رئيس مجلس النواب إلى توجيه كلمة حرص فيها على نفي كافة الأنباء التي تم تداولها بشأن التفريط في سيادة القناة.

قد يكون من المنطقي الإشارة إلى أن القانون يستهدف في الأساس إنشاء صندوق مملوك لهيئة قناة السويس؛ بهدف زيادة قدرة الهيئة على المساهمة في التنمية الاقتصادية المستدامة لمرفق هيئة قناة السويس، وتطويره من خلال الاستغلال الأمثل لأمواله وفقًا لأفضل المعايير والقواعد الدولية، لتعظيم قيمتها والمساعدة على تمكين الهيئة من مجابهة الأزمات والحالات الطارئة التي تحدث نتيجة أية ظروف استثنائية أو قوة قاهرة أو سوء في الأحوال الاقتصادية.

ويضاف إلى ذلك القدرة على تمكين هيئة قناة السويس من القيام بجميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، بما في ذلك مساهمة الصندوق بمفرده أو مع الغير في تأسيس الشركات أو في زيادة رؤوس أموالها والاستثمار في الأوراق المالية. بيد أنه من الضروري أيضًا الحديث بدقة عن مجمل التطورات الدولية التي تحيط بنا، خاصة ما يتعلق بعمل السفن وطريقة توجيهها، والتحديثات التي ينبغي أن تضطلع بها القناة كممر مائي دولي يضمن لمصر عوائد اقتصادية واستراتيجية تحتم على الدولة تعظيم قيمتها وتنمية كافة القطاعات التي تؤدي إلى ذات الهدف والقيمة الاستثمارية.

نحو ذلك، يبدو من الأهمية بمكان تقريب بعض التوجهات التي عملت عليها الدولة عبر وزارة النقل والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس؛ من إطلاق خدمات تموين السفن بالهيدروجين الأخضر، وإدخال نظام توجيه السفن بقناة السويس من خلال  الأقمار الصناعية بدلًا من القاطرات، وغير ذلك من مشروعات وما يعوزه من استثمارات ومرونة في السيولة واتخاذ القرارات.

ذلك كله يبدو منطقيًا عند مراجعة بعض الأرقام الخاصة بحركة السفن عبر قناة السويس خلال العام الجاري، والتي أدلى بها الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده ظهر الخميس الثاني والعشرين من شهر ديسمبر 2022. إذ قال الفريق ربيع بشأن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال العام الميلادي 2022 إنه من المتوقع أن تسجل قناة السويس أرقامًا قياسية جديدة وغير مسبوقة؛ لتحقق أعلى معدل عبور سنوي للسفن العابرة بعبور 23869 سفينة مقابل عبور 20694  سفينة خلال عام  2021، بنسبة زيادة قدرها  15.4%، وأعلى حمولة صافية سنوية قدرها 1.4 مليار طن، مسجلة أعلى حمولة صافية سنوية في تاريخ القناة، مقابل  1.2مليار طن خلال  2021 وبنسبة زيادة قدرها 10.5%. مسجلة في المحصلة أعلى إيراد سنوي بلغ  7.9 مليارات دولار مقابل  6.3 مليارات دولار خلال العام 2021  بنسبة زيادة بلغت 25.2%،  متخطية بذلك كافة الأرقام التي تم تسجيلها من قبل.

ومن ثم، يبدو من الأهمية بمكان الانتباه إلى أن فكرة صندوق هيئة قناة السويس تعمل أيضا على  مجابهة المخاطر المحتملة والتي من الوارد أن تتعرض لها الهيئة، سواء عبر ظرف طارئ كما حدث مع السفينة ايفرجيفين، وأخرى تندرج ضمن متغيرات الوضع الدولي بشكل عام، خاصة مع حالة السيولة التي يواجهها الجميع مع السيناريو المرجح لطول أمد العمليات العسكرية الروسية الاوكرانية وتداعيات ذلك على كافة دول العالم.

وذلك خاصة مع الدعم المباشر الذي تقدمه الولايات المتحدة الامريكية لكييف، وحديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول تزويد قواته بأسلحة جديدة في إشارة إلى إعلان الرئيس الامريكي جو بايدن تزويد كييف بمنظومة باتريوت إبان زيارة الرئيس الاوكراني زيلنيسكي لواشنطن. مما يصبح معه الحديث عن وقت محدد لتوقف ذلك التصدع فيما بين واشنطن وموسكو عبر كييف ومآلات ذلك على كافة الأصعدة أمر لا يتفق مع الرؤى الموضوعية وما يلزمه من تحركات دقيقة.

نقطة نهائية تتعلق بفكرة الصناديق الاستثمارية وما يرتبط بها من قضية وحدة الموازنة، وهو أمر اقتصادي محض ينبغي أن يكون محل دراسة ونقاش داخل أروقة الحوار الوطني والاشتباك مع كافة تفاصيله، والتقييم الجاد والموضوعي لإيجابياته وعثراته؛ حتى يصل الجميع إلى نتيجة مرضية تحقق الفوائد المرجوة منه دون الغرق داخل دوامة التشكيك وعدم الثقة. 

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى