
تأزم أمني: كيف يمكن قراءة تفجيرات ميدان تقسيم بتركيا؟
شهدت العاصمة التركية اسطنبول وتحديداً في منطقة تقسيم عملاً إرهابياً هو الأكثر عنفاً منذ أشهر، حيث أدى حتى اللحظة إلى مقتل نحو 6 أشخاص فضلاً عن عشرات الجرحى، وهي الأرقام المرشحة للزيادة في الساعات المقبلة في ضوء الإصابات الحرجة للعديد من الجرحى، ولم تُعلن أي جهة حتى اللحظة عن تبنيها للعمل الإرهابي، ومن جانبها لم تعلن السلطات عن أي اتهامات، الأمر الذي عزز من التساؤلات التي تحاول الوقوف على الجهة المنفذة لهجوم، وأبرز الدوافع التي تم الهجوم في ضوئها.
وقد حملت العملية التي جرت في ميدان تقسيم دلالات مهمة مرتبطة بتوجه بعض الفاعلين دون الدول نحو التصعيد المسلح ضد أنقرة، وكذلك وجود حالة من الهشاشة الأمنية في الداخل التركي، بناءً على الموقع الاستراتيجي المهم الذي تمت فيه العملية، حيث تمت العملية في ميدان تقسيم، والذي يوصف بقلب إسطنبول النابض، إذ أنه منطقة سياحية مهمة بالنسبة لتركيا، فضلاً عن كونه من المناطق المكتظة بالسكان طوال الوقت، واحتوائه على مقار بعض البعثات الدبلوماسية، لكن اللافت أن هذا التفجير حمل متغيراً مهماً على المستوى العملياتي، حيث كانت التفجيرات سابقاً عبارة عن عمليات انتحارية وليست عبوات ناسفة، كما حدث اليوم.
استنفار أمني تركي
أعلن نائب الرئيس التركي، فؤاد أقطاي، أن الانفجار الذي وقع في منطقة تقسيم بإسطنبول، تم تنفيذه بواسطة إمرأة عبر حقيبة حملت متفجرات تركتها الإمرأة في ميدان تقسيم، وأدى الانفجار حتى اللحظة إلى مقتل 6 أشخاص وإصابة 81 آخرين بينهم حالات حرجة، وفق البيانات الرسمية الأولية، وأشارت بعض التقارير إلى أنه الجهة المنفذة فجرت الحقيبة عن بعد، ومن جانبه وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الحادث بأنه “إرهابي”، مؤكداً تحرك السلطات التركية من أجل الكشف عن الجهة التي تقف خلفه.
وعقب الإنفجار والإعلان رسمياً عن أنه “هجوم إرهابي”، أعلن المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون التركي، حظر نشر أية معلومات تتعلق بتفجير إاسطنبول، داعياً وسائل الإعلام للامتثال للأمر، فيما أكدت وسائل إعلام محلية تركية أن الرقابة العسكرية التركية خفضت سرعة الوصول للإنترنت مع إمكانية وقفه بالكامل، كما حدث عام 2020، وذلك بالتزامن مع إعلان المدعي العام لمدينة إسطنبول عن فتح تحقيقات موسعة بخصوص الحادث الإرهابي.
ومع الإعلان عن الحادث سارعت العديد من الدول إلى تقديم العزاء لأنقرة وأسر الضحايا إثر هذا الانفجار، ومن جانبها أدانت الدولة المصرية حادث التفجير الإرهابي في إسطنبول، حيث قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير أحمد أبو زيد، إن “جمهورية مصر العربية تتقدم بخالص التعازي لذوي الضحايا والشعب التركى الصديق والجمهورية التركية، متمنياً الشفاء العاجل للمصابين”، وأضاف: “موقف مصر ثابت والذى يرفض كافة أشكال العنف والإرهاب، مهما كانت مسبباته”، داعياً جميع دول العالم إلى التضامن فى مواجهة هذه الظاهرة البغيضة وتجفيف منابع دعمها مادياً أو فكرياً أو بأى شكل من الأشكال، كذلك أعلنت السعودية والكويت والبحرين والإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل وماليزيا واليونان وفرنسا وحركة حماس عن تعازيها للشعب التركي وتضامنها معه في هذا الحادث، فيما حذرت بعض الدول الأخرى رعاياها من الاقتراب من موقع الحادث.
تفسيرات متعددة
كان التساؤل الرئيسي الذي طُرح في أعقاب تفجيرات إسطنبول، مرتبطاً بالجهة التي تقف خلف هذا العمل الإرهابي، والدوافع الرئيسية الخاصة به، ودلالات التوقيت، وفي هذا السياق يمكن طرح بعض المقاربات التفسيرية للحادث وذلك على النحو التالي:
1- يمثل حزب العمال الكردستاني المتهم الرئيسي للوقوف خلف هذا الهجوم، وذلك في ضوء بعض الاعتبارات، ومنها أن نمط وشكل العملية مشابه لعمليات سابقة نفذها الحزب في الداخل التركي، فضلاً عن الانفجار يأتي بالتزامن مع تصاعد الجدل بين العديد من المنظمات الكردية الموالية لـ “العمال الكردستاني” حول العالم والدولة التركية، بخصوص اتهامات لأنقرة باستخدام أسلحة كيميائية لقمع الحزب في إقليم كردستان العراق، وهي الاتهامات التي رفضتها الدولة التركية وأكدت عدم صحتها، فضلاً عن أن السلطات التركية تبنت في الآونة الأخيرة العديد من الحملات ضد “العمال الكردستاني” سواءً على مستوى اعتقال 15 شخصاً منذ 3 أسابيع بتهمة الانتماء للحزب، أو تنفيذ غارات جوية ضد الحزب في شمال العراق خلال الأسبوع الماضي، ما أدى إلى مقتل بعض عناصره، الأمر الذي يزيد من دوافع حزب العمال الكردستاني لتنفيذ الهجوم.
2- أما الجهة الثانية التي قد تقف خلف الهجوم فتتمثل في تنظيم داعش الإرهابي، إذ أن هناك جملة من الدوافع التي قد تعزز من سعي التنظيم لتنفيذ هجمات إرهابية في تركيا، وعلى رأسها توسع تركيا في الأشهر الأخيرة في تنفيذ عدد من العمليات التي استهدفت قادة وقواعد التنظيم على أراضيها، وهي الحملات التي أسفرت في مايو الماضي عن اعتقال واحد من أبرز قيادات داعش، حتى أن بعض التقارير أشارت إلى أن هذا القيادي هو الزعيم الحالي لتنظيم داعش الإرهابي “جمعة البغدادي” المُكنَّى “أبو الحسن الهاشمي القرشي”، وتوسيع تركيا لضرباتها الجوية في سوريا في بعض المناطق التي يحظى فيها التنظيم بنفوذ وحضور كبير، فضلاً عن تنامي التنسيق بين الاستخبارات التركية من جانب والعراقية والأمريكية من جانب آخر في الأشهر الأخيرة من أجل تحجيم نفوذ وأنشطة التنظيم، وشن عمليات ضد عناصره.
3- ذهبت بعض التقديرات إلى أن بعض الجهات الإقليمية وعلى رأسها إيران قد تكون متورطة في الحادث وتقف خلفه، وربطت هذه التقديرات بين هذه الفرضية ووجود علاقات كبيرة تربط إيران بحزب العمال الكردستاني، فضلاً عن احتمالية وجود إسرائيليين في الميدان سعت إسرائيل لاستهدافهم، ويمكن تفسير هذه الفرضية في ضوء سعي السلطات الإيرانية لإشغال الرأي العام العالمي والإقليمي بهذا الحدث في مقابل الانشغال عن الاضطرابات والأوضاع الداخلية المتأزمة التي تشهدها إيران، لكن هذا الاحتمال ضعيف إلى حد كبير في ضوء عدم رغبة طهران في الاصطدام بأنقرة في الفترة الراهنة، إثر الحاجة إلى بناء تفاهمات بين الطرفين حلو العديد من الملفات.
4- طرحت بعض الدوائر والتقديرات احتمالاً – ضعيفاً إلى حد كبير – يتمثل في إقدام بعض العناصر المسلحة التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين في تركيا على تنفيذ هذه العملية، كرد على التحركات الخارجية الأخيرة لأنقرة، لكن ما يُضعف من احتمال ضلوع الإخوان في التفجير هو إدراكهم أن التصعيد ضد النظام التركي يعني خسارة ما تبقي من حضور على الأراضي التركية، فضلاً عن العلاقات بين أنقرة والإخوان لم تدخل في مرحلة الصدام الذي قد يدفع الإخوان إلى تبني مثل هذا الخيار، إذ أن أقصى ما فعله الإخوان كرد على التحركات الخارجية الأخيرة لتركيا، تمثل في اللقاء الذي نظمه بعض قادة التنظيم بحزب السعادة التركي المعارض في أبريل 2021، ومنذ ذلك الحين لم تتبن الجماعة أي توجهات معارضة واضحة لتركيا، حفاظاً على ما تبقى من حضور على الأراضي التركية.
5- حاولت العديد من التقديرات الوقوف على ماهية ودلالة قرار السلطات التركية بمنع النشر في قضية التفجير الإرهابي، وبناءً عليه أُثيرت تساؤلات حول الواقعة برمتها، وما إن كانت بعض الدوائر التركية المحسوبة على السلطة قد لعبت دوراً في هذه التفجيرات، في محاولة لإعادة بناء القاعدة المجتمعية للنظام التركي والالتفاف حوله، في مواجهة مهددات الأمن القومي للبلاد، لكن هذا السيناريو مُستبعد إذ أن تكلفة هذه التفجيرات سياسياً كبيرة وليست في صالح حزب العدالة والتنمية والرئيس التركي، حيث ستوظف الاتجاهات المعارضة لأردوغان هذا الحدث من أجل اتهام السلطات بالفشل والتقصير الأمني، وتجييش الناس ضد العدالة والتنمية، خصوصاً مع قرب انتخابات البلاد.
وفي الختام يمكن القول إن التفجير الإرهابي الذي شهده ميدان تقسيم، على الأرجح تم بواسطة حزب العمال الكردستاني أو تنظيم داعش، مع الإشارة إلى أن هذه العملية تمت استغلالاً لبعض السياقات الداخلية بشكل رئيسي، ومنها حالة الاحتقان المجتمعي في تركيا إثر الأوضاع الاقتصادية المأزومة، وكذا التوترات السياسية بين الحزب الحاكم والمعارضة، وداخل الحكومة التركية نفسها، فضلاً عن سياق خارجي يتمثل في الاشنغال التركي ببعض الملفات الخارجية، والتوتر في علاقات تركيا ببعض دول الجوار الإقليمي.



