
دوافع وتداعيات تغيير مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا
شهدت الفترة الماضية جُملة من التطورات الممهدة لتغيير نسق إدارة المشهد الليبي المتأزم، وكان أبرزها اعتماد مجلس وزراء حكومة الوحدة للقرار رقم (642) لسنة 2022 بشأن تغيير مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط؛ لأهمية المؤسسة كمحور للصراع والتنافس بالسنوات الماضية، فضلًا عن تزامن القرار مع العديد من التحولات الأمنية والسياسية المؤثرة على هيكل الأزمة، وما نتج أو يتوقع ترتبه على هذه الخطوة من تداعيات.
دوافع مُتصاعدة
يمكن الإشارة إلى مجموعة متداخلة من الأهداف والدوافع التي حفزت اتخاذ قرار تغيير مجلس إدارة المؤسسة بالوقت الراهن، ومن أبرزها:
- إثبات الوجود: عكس القرار رغبة “عبد الحميد الدبيبة” رئيس حكومة الوحدة في تأكيد شرعيته على رأس الحكومة الليبية، وأنه مازال مسيطرًا على مقاليد السلطة التنفيذية بطرابلس. وهو ما يتصل بتنافسيته مع “فتحي باشاغا” رئيس حكومة الاستقرار المعتمدة من مجلس النواب؛ إذ شهدت الأشهر الأخيرة مجموعة من الوقائع والتجاذبات التي هددت بإقصاء الدبيبة عن المشهد، والتي كان أبرزها دخول باشاغا للعاصمة طرابلس معلنًا مباشرة عمله منها في منتصف مايو الماضي.
- فرض السيطرة: تشير خطوة الدبيبة إلى مساعٍ محمومة لفرض السيطرة على المؤسسة؛ كونها تُعد عصب الاقتصاد الليبي، بجانب مصرف ليبيا المركزي. ولأن حكومة الوحدة تحتفظ بتفاهمات قوية ومحافظ المركزي الليبي “الصديق الكبير”، تصبح السيطرة الاقتصادية حصرية بيد الدبيبة مع دخول هذا القرار حيز التنفيذ، فالنفط الليبي وعوائده سيكونان تحت إدارته بشكل تام.
- استثمار الاحتجاجات: يؤكد اعلان القرار في الوقت الراهن رغبة الدبيبة في استثمار الاحتجاجات التي اندلعت مطلع يوليو الجاري لاتخاذ قرارات يصعب تمريرها بالفترات الأكثر هدوءًا؛ حيث سبق وصدر قرار في ديسمبر الماضي بوقف رئيس المؤسسة “مصطفى صنع الله” عن العمل وإحالته إلى التحقيق، إلا أنه سرعان ما تم التراجع عنه. فيما شهد أول اجتماعات مجلس وزراء بعد الحراك تمريرًا سريعًا لتغيير مجلس إدارة المؤسسة، بالتزامن مع مساعي الدبيبة إلى تحميل أطراف أخرى مسؤولية تراجع الخدمات والأزمات.
- استباق التحييد: تقترن سرعة تمرير القرار وتنفيذه باستهداف رئيس حكومة الوحدة احتمالات تحييده عن التفاهمات المتعلقة بإدارة عوائد النفط، وهو ما كانت تدور حوله أغلب جهود القوى الدولية الراغبة في رفع القوة القاهرة عن الصادرات الليبية مقابل آلية ضامنة لعدالة التوزيع؛ لتخفيف تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية على مستوردي النفط والغاز الأوروبيين. ووجد الدبيبة ضرورة استباق إخراجه من تلك المعادلة، عبر إخراج “صنع الله” صاحب النفوذ والعلاقات الداخلية والدولية من تلك الترتيبات، والتأكيد على تبعية المؤسسة الحصرية لحكومته.
- حصد أوراق ضغط: يطمح عبد الحميد الدبيبة في أن تشكل خطوة تغيير مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مدخلًا أكثر تقدمًا في حصد النفوذ وأوراق الضغط، سواء محليًا أو إقليميًا أو دوليًا؛ فتوطيد وحصرية تبعية القطاعين النفطي والمصرفي لحكومته يعني ضمانة تعزيز موقعها بالتفاعلات الداخلية، وتقديم حوافز إضافية تضمن جني تأييد قطاعات كبيرة بالشارع الليبي. فيما ترى أن تلك السيطرة ستضع القوى الخارجية في ضرورة للتعاطي معها بشكل أكثر ديناميكية وفاعلية، سواء الغرب المستهدف تعويض الواردات الروسية المتضررة، وفتح ملف إعادة الاعمار والاستثمار المشترك بمشروعات المؤسسة مع القوى الإقليمية.
مسارات مُحتملة
تطرح عملية إعادة هيكلة إدارة قطاع النفط الليبي العديد من الاحتمالات والمسارات المتصلة بمستقبل المشهد الليبي، ومنها:
- المسار الأول: خلق إدارة نفطية موازية: يتصل هذا المسار بتمسك مجلس الإدارة السابق بموقعه، وقدرته على حشد الدعم الداخلي والتأييد الخارجي، بما يمكنه من الاستمرار في المشهد بدرجة لا تفضي إلى تراجع الدبيبة عن قراره. وهو سيناريو ضعيف؛ لاعتبارات تتعلق بأهمية قطاع النفط الليبي للاقتصاد العالمي وللداخل الليبي، وأن خلق كيانات موازية لإدارة القطاع يعني تضرر المصالح والشركات الأوروبية والأمريكية بصورة غير مقبولة في توقيت دقيق. فضلًا عن أن هذا المشهد سيعني جر الدولة المأزومة بصورة خطيرة الى مربع الاقتتال والمواجهات، وهو أيضًا ما سيفاقم من أزمة ليبيا، ويمثل تحديًا للدول الراغبة في معالجة ملفات أكثر إلحاحًا بالنسبة إليها، كالحرب الروسية-الأوكرانية وتداعياتها على مجتمعاتها واقتصاداتها المتضررة بفعلها.
- المسار الثاني: صياغة تفاهمات مرحلية جديدة: يرتبط هذا المسار بإدراك كافة الفاعلين بالأزمة لخطورة الانزلاق بالمسار الأول، وأن الاحتجاجات التي خرجت ضد جميع الأجسام السياسية والتشريعية والحكومات الليبية تتطلب صياغة إطار مؤقت يضمن عدم السقوط شعبيًا أو فقدان الدعم الدولي الذي يتمتعون به. وهو سيناريو مُرجح وبقوة، رغم توجيه الدبيبة كلمة للشعب ركزت على نفي هذا الأمر، إلا أن هناك العديد من المؤشرات على وجود اتجاه نحو تجاوز تلك الخطوة بصيغة أو أخرى؛ إذ لم تخرج تصريحات صدامية حول الأمر عن مجلسي النواب والدولة كما جرت العادة، وكذلك عكس اجتماع اللجنة العسكرية (5+5) بالعاصمة طرابلس منتصف الأسبوع الجاري -والذي حظي بإشادة دولية وأممية ومحلية كان أبرزها تلك التي عكسها تناول صفحات حراك “بالتريس”- وجود توافق بين الجانبين على عدم الانجرار بمواجهات بل والاتجاه نحو تفعيل خطوة تقارب لتوحيد المؤسسة العسكرية.
وختامًا، يمكن القول إن تغيير مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، حال تمريره بذات الوتيرة، سيكون مدخلًا لتحفيز الأجسام المنوطة بمهمة إدارة التوافق الليبي-الليبي لتحقيق تقدم بالمسارات المسندة إليها؛ فمجلسا النواب والدولة مسؤولان عن تحقيق اختراق بالمسار الدستوري ومناقشة ملف المناصب السيادية، واللجنة العسكرية (5+5) شأنها شأن المجلسين فيما يتعلق بالمسار الأمني. وفي ظل تمرير قرار تغيير مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، قد تواجه الأجسام التي تعجز عن إحراز نجاح بملفاتها ضغوطًا قوية من الشارع الليبي والفاعلين بالمشهد، ما يمكن أن يؤدي إلى تراجعها وفقدانها موقعها بمسارات التسوية والترتيبات المستقبلية.



