
سيولة المشهد السياسي: حدود توظيف مجموعات الإرهاب والعنف في ليبيا للحراك الشعبي
تفرض معطيات المشهد الليبي الراهن في ظل متغير دخول الحراك الشعبي كطرف في التفاعلات السياسية السائلة في ليبيا جُملة من التساؤلات المتعلقة بحدود توظيف مجموعات الإرهاب والعنف متعددة الأنماط للحراك الشعبي الذي انطلق في الأول من يوليو الجاري في أغلب المدن الليبية، لاسيما وأن أحد مطالب الحراك هي إنهاء مظاهر الفوضى والتسلح في البلاد، وإخراج المرتزقة والقوى الأجنبية التي تغذي حالة الفوضى الشاملة التي تشكل في العموم بيئة حاضنة لجماعات التطرف والإرهاب.
مشهد متشابك
تُعد الساحة الليبية ساحة شديد التعقيد فيما يتعلق بمجموعات الإرهاب والعنف المسلح؛ إذ تشهد تداخلًا لمجموعات متعددة التوجهات والدوافع. ويمكن تقسيم تلك المجموعات إلى ثلاثة أنماط رئيسة على النحو التالي:
1- تنظيمات الإرهاب المعولم: يَتمثل هذا النمط في التنظيمات الإرهابية الموجودة في جنوب غرب ليبيا، على رأسها تنظيمي ” القاعدة” و “داعش” اللذين يُقدّر عدد عناصرهما بحوالي 50 عنصرًا لكل تنظيم. وتشير التقديرات الحالية إلى حالة الضعف الذي تعاني منه التنظيمات الإرهابية في الساحة الليبية، سواء على صعيد التجنيد أو على صعيد التمدد الجغرافي، إلا أن هذا لا يعني تراجع التهديد في ضوء حالة السيولة السياسة التي تعاني منها ليبيا.
2- المليشيات المسلحة: يَتمثل هذا النمط في الكيانات المسلحة المتمركزة بالأساس في الغرب الليبي ومنقسمة الولاءات والانتماءات؛ فمنهما من يتبع تنظيم الإخوان (المصنف من البرلمان والجيش الوطني كحركة إرهابية) ويعمل على تحقيق أهداف ومصالح الأخير عبر توظيف العنف كأداة رئيسة للتعاطي مع الأحداث، ومنها من يتبع عصابات الجريمة المنظمة المتعلق نشاطها بتهريب المهاجرين وتجارة المخدرات والسلاح وقطع الطرق. وقد أكد المجتمع الدولي أكثر من مرة على ضرورة تفكيك تلك الميليشيات؛ في ضوء كونها العنصر الأبرز لإفشال أي تسوية سياسية.
3 – مجموعات المرتزقة: سعى الكثير من الفواعل الإقليمية والدولية إلى تحقيق أجنداتها عبر توظيف المرتزقة في الصراع الليبي لدعم أحد الفواعل المنخرطة في القتال على الأرض؛ فلعب هؤلاء دورًا كبيرًا في تعقيد المشهد الليبي. وفي هذا السياق، تُشير تقارير مختلفة إلى أن استقدام تركيا آلاف السوريين إلى ليبيا في أعقاب الاتفاق الأمني الذي عقدته الأولى في نوفمبر 2019 مع حكومة الوفاق الوطني، ناهيك عما أفاد به التقرير الصادر عن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني بالسودان حول نشاط عناصر سودانية مسلحة في ليبيا، ومشاركتها في العمليات العسكرية مع مختلف أطراف الصراع الليبي.
وعلى الرغم من هذا التقسيم النظري بين الأنماط الثلاثة سالفة الذكر، نجد أن الواقع العملي يعكس الاندماج البراجماتي، وتلاقي المصالح، وغياب الحدود الفاصلة بينها؛ فقد شكلت المجموعات الثلاث تحالفات لتحقيق مصالحها.
محفزات قائمة
تَشهد الساحة الليبية جُملة من العوامل المحفزة لتصاعد نشاط مجموعات الإرهاب والعنف على مختلف أنماطها، يمكن استعراضها على النحو التالي:
1 – الانقسام السياسي: تعاني الساحة الليبية من الانقسام السياسي بسبب التنافس بين الحكومتين، الأولى في طرابلس برئاسة “عبد الحميد الدبيبة” والتي جاءت وفق اتفاق سياسي. والثانية في سرت برئاسة “فتحي باشاغا” والتي عينها البرلمان في فبراير الماضي ومنحها الثقة في مارس. ناهيك عن ضبابية مسار الانتخابات الرئاسية والتشريعية الليبية التي كان من المقرر عقدها في ديسمبر 2021، لكن أُجلت إلى أجل غير مسمى بسبب الخلافات العميقة بين الخصوم السياسيين والتوترات على الأرض. وبالتالي، انعكس هذا الجمود السياسي بشكل جلي على حالة الاحتقان في الشارع الليبي والتي تمثل رقمًا حاسمًا في توفير مساحات نشاط لمجموعات الإرهاب والعنف.
2 – ضعف السيطرة الأمنية: أسفرت حالة الانقسام والصراع السياسي التي تشهدها الدولة الليبية إلى تقويض قدرات المؤسسات الأمنية المنوط بها توفير الأمن في المجتمع الليبي. وبالتالي تصاعدت حدة الانفلات الأمني، وارتفعت معدلات الجريمة، ناهيك عن حالة الضعف التي تشهدها منظومة العدالة وعجزها عن ملاحقة الجناة ومحاسبتهم، هذا على صعيد. وعلى صعيد آخر، مثل انتشار المليشيات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة وسعيها إلى استمرار حالة الفوضى إلى توفير مساحات واسعة للاضطرابات الأمنية، الأمر الذي يسهم في خلق بيئات حاضنة لمجموعات الإرهاب والعنف.
3 – تأزم الأوضاع الاقتصادية: يواجه الاقتصاد الليبي مجموعة من التحديات الهيكلية، على رأسها: الاضطرابات المتكررة في قطاع النفط والغاز، وارتفاع مستوى الدين، وانقسام مؤسسات الدولة. فلفت تقرير المرصد الاقتصادي عن ليبيا لعام 2021 إلى التراجع الاقتصادي الحاد، وتسجيل الاقتصاد الليبي خلال عام 2020 أسوأ أداء له في السنوات الأخيرة، الأمر الذي انصرفت تداعياته السلبية إلى نمط الحياة اليومية حيث ارتفاع الأسعار، وزيادة معدلات البطالة، وتدهور كافة الخدمات.
ومن ثم، يمكن القول إن الأوضاع الاقتصادية الحالية تمثل عاملًا محفزًا لتصاعد نشاط المجموعات المتطرفة، لا سيما وأن دوافع انضمام الأفراد إلى التنظيمات الإرهابية في ليبيا ليست دوافع أيديولوجية بالأساس، وإنما دوافع اقتصادية؛ وذلك على خلفية المظالم المحلية، والاحتياجات الاقتصادية المنتشرة داخل الدولة الليبية.
اتجاهات محتملة
في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن ثمة اتجاهيين متعلقين بحدود توظيف مجموعات الإرهاب والعنف للحراك الشعبي، يمكن تناولهما على النحو التالي:
الاتجاه الأول: يتناول حدود توظيف التنظيمات الإرهابية لا سيما تنظيمي “القاعدة” و”داعش” للحراك الشعبي الليبي، فمن البديهي أن تسعى التنظيمات الإرهابية إلى استغلال الاضطرابات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشهدها الدولة الليبية من أجل تعزيز نفوذها وتوسيع مساحات عملها، لكن هناك تباينًا بين أهداف تلك التنظيمات وواقعها الحالي في الساحة الليبية؛ إذ تعاني الأخيرة من حالة من الضعف والتراجع، بعبارة أخرى، هناك قيود على توظيف تلك التنظيمات المشهد السابق لصالحها في ضوء التحديات الهيكلية التي تعاني منها. وبالتالي من المرجح عدم نجاحها بصورة ملموسة في استغلال الحراك الشعبي لتحقيق أهدافها.
الاتجاه الثاني: يشير إلى حدود توظيف مجموعات المليشيات المسلحة وعناصر المرتزقة الحراك الشعبي، فمن المحتمل أن تسعى إلى الاستثمار في هذا الحراك عبر الاندساس بين المتظاهرين من أجل القيام بأعمال عنف؛ بهدف الحفاظ على مصالح القوى المرتبطة بها من ناحية، والعمل على إفساد اي محاولات تهدف إلى تصحيح مسار المشهد السياسي في ليبيا من ناحية أخرى، وذلك لأن استمرار حالة الصراع يساعد في الحفاظ على مصالحهم التي تتعارض مع استقرار الدولة الليبية.
مجمل القول، يعكس المشهد الحالي للدولة الليبية حجم التحدي الذي تعاني منه البلاد، حيث التأزم السياسي، وانتشار المظالم الاجتماعية، بجانب تصاعد الاحتياجات الاقتصادية، ما تنصرف تداعياته إلى أمن واستقرار الدولة الليبية، وإتاحة الفرص لتصاعد حالة الفوضى على خلفية صعوبة استشراف ملامح المشهد المستقبلي في ظل تواتر الأحداث وتشابك الفواعل.
باحثة ببرنامج قضايا الأمن والدفاع



