مصر

مستقبل مدينة الإسكندر الأكبر بين السيناريو المتشائم والواقع

تقع مدينة الإسكندرية العريقة على حاجز جيري تكوّن بفعل أمواج البحر لارتفاعات تتراوح بين 5 أمتار و30 مترً، بينما يتراوح عرضه بين 3 إلى 4 أمتار ويمتد من أبي قير شرقًا وصولًا إلى منطقة العلمين. ومنطقة أبي قير على وجه التحديد هي التي تتصدر المخاطر فيما يتعلق بغرق عروس البحر الأبيض المتوسط، وتتمثل أهمية موقعها في أنها مدخل لمياه البحر نحو شمال الدلتا وجنوب الإسكندرية حتى كفر الدوار وقد تصل إلى دمنهور. ويحيط البحر الأبيض المتوسط مدينة الإسكندرية من ثلاث جهات وتقع بحيرة في جنوبها، ما يجعلها إحدى أكثر المناطق الساحلية المنخفضة عرضةً لخطر الغرق في العالم.

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\thumbnail_اسكندرية 5.jpg

مدينة الرب كما يحلو للبعض أن يسميها أهّلها موقعها الجغرافي لتكون نقطة التقاء للحضارتين اليونانية والشرقية، فضلًا عن أنها استقبلت المهاجرين من جنسيات متعددة ومهن غاية في الأهمية، حتى أصبح لها شخصيتها المستقلة، وتم تعريفها في بعض الكتب بالإسكندرية المتاخمة لمصر أو Alexandria ad Aegyptum.

ردود أفعال مصرية

 حول المخاطر التي وردت في خطاب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون حول غرق الإسكندرية ومدن أخرى منها: شنجهاي وميامي، علق جاد القاضي رئيس المعهد الفلكي وأكد أن السيناريو الذي طرحته بريطانيا وارد في حال وصلت معدلات ارتفاع الحرارة إلى 4 درجات مئوية، في الوقت الذي لم تتجاوز فيه 1.5 حتى الآن، مشيرًا أن هناك هبوطًا تدريجيًا بالفعل في منطقة الدلتا نتيجة انزلاق قارة أفريقيا. مضيفًا أن عملية الغرق ستستغرق مئات السنوات، وقد تهدد أحياءً بعينها مثل حي أبي قير الشهير. 

على الجانب الآخر يتوقع تقرير أصدرته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن شواطئ الإسكندرية ستُغمر حتى مع ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 0.5 متر، ما سيتسبب في تهجير نحو 8 ملايين شخص بسبب الفيضانات في الإسكندرية ودلتا النيل، بحلول عام 2050، إذا لم تُتخذ الإجراءات الوقائية اللازمة.

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\thumbnail_اسكندرية 6.jpg

عمومًا لا يوجد من الأدلة العلمية ما يكفي لاستبعاد السيناريو الكارثي نتيجة الارتفاع المتسارع والمطرد في درجات الحرارة. ووفقًا للدراسة التي أجرتها الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة فإن العالم سيفقد مساحة من اليابسة تصل إلى 1.79 مليون كيلومتر مربع أي ما يوازي مساحة ليبيا تقريبًا بحيث تبدو الكارثة الإنسانية الناجمة عن الحرب في سوريا والتي أدت إلى تهجير نحو مليون نسمة مضحكة إذا ما قورنت بتهجير نحو 200 مليون نسمة بسبب غرق المناطق الساحلية.

لماذا نتوقع السيناريو؟

الإجابة الأكثر بداهة وبساطة على هذا التساؤل هو أن مستوى مياه سطح البحر آخذ في الارتفاع بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد في الأقطاب، ويشكل الأمر كارثة بالنسبة لسكان المناطق الساحلية والذين يصل تعدادهم إلى نحو 680 مليون شخص ومن المتوقع أن يكسروا حاجز المليار نسمة في عام 2050. 

وتعد البلدان ذات المناطق الساحلية المنخفضة ودلتا الأنهار الواسعة منها، مثل مصر والعراق، أكثر عرضة لخطر الفيضانات بما تحمله من عواقب كارثية على البنى التحتية والسكان والزراعة وإمدادات المياه العذبة، ناهيك عن الخسائر الحضارية التي ستمتد إلى طي بعض أبرز المعالم التاريخية التي نعرفها في جوف البحر.

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\thumbnail_اسكندرية 2.png

ومن الخسائر الضخمة التي أصبحت مصر معرضة لها هو ضرب سلة غذائها في مقتل؛ إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن مياه البحر المتوسط المرتفعة أخذت في التسلل إلى تربة مصر الزراعية في الدلتا نتيجة ميلان التربة، وأن هذا من شأنه تدمير 60% من مساحة الأراضي الزراعية في الدلتا. وحسب الدراسات فقد تراجع الساحل في دمياط بمسافة 2 كيلومتر وفي رشيد بمسافة 4 كيلومتر ولذلك فإن دخول الأرض في عصر جليدي جديد سيكون أفضل السيناريوهات.

جهود الدولة

وصل حجم الإنفاق على مشروعات الحماية أكثر من 2.5 مليار جنيه خلال السنوات الماضية؛ فقد دق جرس الإنذار في الإسكندرية ونفذت الهيئة العامة لحماية الشواطئ مشروعين بتكلفة 80 مليون جنيه، الأول حواجز الأمواج المنفصلة بعدد ثمانية حواجز أمواج موازية لخط الشاطئ بتكلفة 30 مليون جنيه، فكان لهذا المشروع أثره الكبير في حماية المدينة وإعادة تخليق شواطئها وحمايتها واكتساب أراضٍ جديدة ذات قيمة اقتصادية عالية.

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\Alexandria_-_Egypt.jpg

أما المشروع الثاني فكان تنفيذ أعمال تدعيم لجسم اللسان ونهايته البحرية على عدد من المراحل، مما كان له الأثر الكبير على تنمية منطقة اللسان برأس البر وخاصة بعد أن تمكنت المحافظة من زيادة عرض الممشى أعلى اللسان وكذلك تجميل منطقة الرأس باللسان.

وفي هذا السياق، فقد قطعت مصر شوطًا كبيرًا في التصدي لظاهرة “التغير المناخي”، بداية من توقيعها على اتفاقية “باريس للمناخ” ضمن 194 دولة عام 2015، والتي جاء أهم بنودها بضرورة حصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائها دون درجتين مئويتين. وقبل ذلك، بدأت مصر الاستعداد لتأثيرات التغيرات المناخية منذ أكثر من ١٠ سنوات، وأصدرت ما يُعرف باسم “الاستراتيجية الوطنية للتكيف مع التغيرات المناخية”. وتكثف الحكومة مجهوداتها في خفض نسب انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، واستخدام تكنولوجيا حديثة تحافظ على البيئة، لأن هذا بدوره سيعمل على تقليل حجم التأثيرات المناخية.

قدرات المياه بين النعمة والنقمة

تشير دراسة نشرتها الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغير المناخ في 2013 إلى أنّ المحيطات تمتص أكثر من 93% من الحرارة الزائدة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري منذ السبعينيات. وقدرة هذه المحيطات على امتصاص الحرارة الزائدة أدت إلى حماية البشر من التغيرات المناخية الأكثر سرعة، ولولا هذا لكانت درجات الحرارة العالمية سترتفع أكثر بكثير مما عليه الآن.

وأمام هذه التحديات المناخية ظهرت تجارب يجب الاستفادة منها مثل تجربة هولندا المعروفة رسميًا باسم مملكة الأراضي المنخفضة والتي لم تكتفِ بإقامة حواجز للأمواج لمنع توغل البحر على أراضيها، بل أيضًا ردمت منه أجزاءً وجعلت منها أراضي زراعية ومراعي خصبة، وهي تجربة يمكن لمصر أن تحاول الاستفادة منها.

وعمومًا تحدث التغيرات في مستوى سطح البحر بسبب العديد من الظواهر الطبيعية، ولكن الأسباب الرئيسة التي تساهم فيها هي التمدد الحراري للمحيطات، وذوبان الأنهار الجليدية من جرينلاند والقارة القطبية الجنوبية -بالإضافة إلى مساهمة أصغر من الصفائح الجليدية الأخرى- والتغير في التخزين الأرضي.

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\19_2017-636444800554961990-496.jpg

ومن بين هذه الأسباب، كان من المتوقع أن يكون التمدد الحراري للمحيط هو العامل المهيمن وراء ارتفاع مستوى سطح البحر. ومع ذلك، تشير البيانات الجديدة حول معدلات الانحلال في جرينلاند وأنتاركتيكا إلى أهمية أكبر للذوبان الجليدي في ارتفاع مستوى سطح البحر.

تراث إنساني مهدد

إذا غمرت مدينة الإسكندرية بمياه المتوسط كما تشير توقعات المستقبل البعيد فإن مواقع أثرية عديدة ستكون مهددة، مثل مقابر “كوم الشقافة” التي أقيمت في القرن الثالث قبل الميلاد وتعد من العجائب السبع للقرون الوسطى، ورغم التطمينات التي تصدر بين الحين والآخر إلا أن المواطنين في الإسكندرية وعوا الدرس ومشهد أمواج الشتاء وهي تضرب حواجز الأمواج يثير قلقهم بشكل خاص.

والعديد منهم اطلع على الجزء من التاريخ الذي تحدث عن أمواج ابتلعت المدينة في عام 365 قبل الميلاد وغمرت منارتها الشهيرة التي كانت الأطول في العالم، ولذلك فهم لا يستبعدون أن تصبح المدينة -التي أسسها الشاب ” الإسكندر الأكبر” صاحب الـ23 عامًا في رحلة عودته من ممفيس إلى معبد آمون في سيوة متحفًا مفتوحًا- تحت المياه وهي المدينة التي استمر بناؤها 80 عامًا وانتهى منها المهندسون في عصر بطليموس الثاني.

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\thumbnail_اسكندرية 8.jpg

وبعد قرون وقرون، كان طيار بريطاني في سلاح الجو الملكي يحلق فوق أبو قير بالقرب من الإسكندرية عندما لاحظ بقايا ومنشآت في المياه عام 1932. وتم إجراء مسح للمنطقة أدى إلى اكتشاف عدد كبير من الأعمدة وبقايا هيكلية وتماثيل، بما في ذلك تمثال من الجرانيت لرأس الإسكندر الأكبر، وعُرفت المدينة بعد ذلك بـ”هيراقليون الغارقة”، وتبع ذلك تمرير قوانين وتشريعات لحماية التراث الثقافي تحت الماء. وأسفرت عملية البحث عن العثور على أكثر من 3000 قطعة أثرية.

وتعتمد التوقعات الحالية على المقاييس المعتمدة التي تشير مجموعة واحدة منها -وهي مقاييس المد والجزر- إلى أنه منذ عام 1990، ارتفعت مستويات البحر الأبيض المتوسط بمعدل 5-10٪ أسرع من متوسط القرن العشرين. ولذلك فإن سيناريو الحد الأدنى والحد الأقصى لارتفاع مستوى سطح البحر يشير إلى أنه بحلول عام 2030، سيكون إجمالي متوسط ارتفاع مستوى سطح البحر في حوض البحر الأبيض المتوسط بين 0.07 و0.18 مترًا. وبناء على ما تقدم فإن السيناريوهات التي رُسمت حول واقع عام 2100 ليست ببعيدة بمقاييس المستقبل، ولا بسيطة بحيث يمكن تجاهلها في الوقت الذي يبدو فيه السيناريو وقد بدأ بالفعل.

+ posts

باحث أول بالمرصد المصري

نيرمين سعيد

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى