
انحيازات إدارة السيسي للقطاعات محدودة الدخل من المصريين
لطالما كان الإنسان أحد أهم المحاور الأساسية عند الحديث عن بناء الدول، حيث ينظر للإنسان بالرأس مال البشري، بل أنه أكثر رؤوس الأموال أهمية بين رأس المال المادي ورأس المال الاجتماعي. تولي الدولة المصرية اهتمامًا متعاظمًا ببناء الإنسان المصري، يمكن النظر إلى ذلك البناء من خلال تصنيف هرم الاحتياجات الأساسية لماسلو (عالم علم اجتماع) والذي يتدرج من توفير الاحتياجات الأساسية للإنسان من طعام ومياه نظيفة، ثم الأمان والسلامة وتوفير الوظائف، وصولًا إلى الاحتياجات الاجتماعية ثم الحاجة للتقدير، وأخيرًا تحقيق الذات، فما هي جهود الدولة المصرية في الاهتمام بالإنسان المصري؟
حملت الموازنة العامة للدولة في بنود نفقاتها زيادة متتابعة في مبالغ الدعم المخصصة لدعم المواطن المصري، والحفاظ على السلامة الاجتماعية له خلال المراحل الإصلاحية المختلفة التي مرت بها البلاد وخاصة برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم تطبيقه بالتعاون مع صندوق النقد الدولي خلال الفترة من عام 2016 وحتى عام 2019، والإصلاحات المتتابعة التي شهدها الاقتصاد خلال تلك الفترة.
فقد شهدت مخصصات الإنفاق على الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية زيادات مطردة خلال الفترة من العام 2014 وحتى عام 2021، بلغت المتوسط السنوي لتلك الزيادة 6.6 % سنويا، ليرتفع الإنفاق على ذلك الباب من 229 مليار جنيه خلال العام المالي 2013/2014 إلى 321 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2020/2021، خاصة وأن تلك الزيادة تأتي في الوقت الذي تمت فيه إعادة هيكلة تلك النفقات وتخفيض الإنفاق على المحروقات لصالح زيادة الإنفاق على السلع الغذائية والمزايا الاجتماعية التي يستفيد منها المواطن البسيط.
لكن وفي نفس الوقت ما زالت الدولة تدعم المحروقات والمواد البترولية المستخدمة في توليد الكهرباء للمواطن البسيط، بل أنها غيرت فلسلة الدعم من خلال تطبيق برنامج تسعير تكافلي للكهرباء تقوم فيه الفئات الغنية بتحمل جزء من نفقات دعم الفئات الفقيرة، فوفقًا لتلك المنظومة تتحمل الدولة الجزء الأكبر من قيمة فاتورة الاستهلاك خاصة لشرائح الاستهلاك الأقل من 100 ك و س. وتنخفض تلك النسبة تدريجيًا لتصل إلى 18% بالنسبة للشريحة الاستهلاكية 650 ك و س، لتصل إلى صفر للشريحة الاستهلاكية بين 700 – 1000 ك و س. أما عن الشريحة الاستهلاكية لأكثر من 1000 ك و س فهي تساهم مع الدولة في دعم الشرائح الاستهلاكية الأخرى.
الغذاء
على الرغم من ارتفاع عجز الموازنة العامة للدولة خلال سنوات كثيرة والذي بلغ متوسطة 12 % خلال الفترة 2014/2016، وجانبه انخفاض كبير في احتياطيات الدولة من النقد الأجنبي واستوجب تطبيق برنامج إصلاح اقتصادي لتحسين ذلك الوضع السيئ والذي نجح بالفعل في خفض العجز الكلي بالموازنة العامة للدولة ليصل إلى 7.4 % بنهاية العام المالي 2020/2021، خلال تلك الفترة شهدت منظومة الدعم بالبلاد إعادة هيكلة كبيرة ليتم توجيه الحصة الأكبر منها للمحتاجين.
فاستمرت الدولة ورفعت من الدعم الموجة للسلع التموينية ورغيف الخبز لترتفع من مبلغ 31.5 مليار جنيه في العام المالي 2014/2015 ليصل إلى 87.2 مليار جنيه في موازنة العام المالى2021/2022. يستفيد من ذلك الدعم 71.5 مليون مصري من إجمالي 100 مليون نسمة، واستمرت الدولة في تقديم ذلك الدعم على الرغم من الظروف التي تشهدها الأسواق العالمية في ارتفاع أسعار المواد الأساسية والغذائية إلا أن الدولة فضلت تحمل تلك الأعباء عن جموع المصريين المستفيدين على الدعم.
سكن مناسب
نفذت الدولة عددًا كبيرًا من المشروعات القومية التي تستهدف توفير المسكن المناسب خاصة للفئات محدودة الدخل منذ تولي القيادة السياسية الحالية لزمام الأمور، بدأت تلك المشروعات بتوفير الإسكان الاجتماعي والذي شهد إعلان الرئيس عدة مرات أن كل مواطن يحتاج وحدة سكنية وتنطبق عليه شروط الحصول على دعم للسكن الاجتماعي سيحصل عليها.
وعليه فقد شهدت السبع سنوات الماضية تنفيذ مشروعات إسكان اجتماعي لعدد 501 ألف وحدة سكنية بمشروعات الإسكان الاجتماعي بتكلفة 88 مليار جنيه، وجارٍ تنفيذ 156 ألف وحدة سكنية أخرى بتكلفة 48 مليار جنيه، هذا فضلًا عن إطلاق المبادرة الرئاسية “سكن لكل المصريين” والتي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي والتي تشمل تنفيذ وحدات سكنية لكل شرائح المجتمع، في إطار خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة لتوفير السكن المناسب لكل مواطن.
من جانب آخر فقد شهدت السبع سنوات الماضية اقتحام الدولة لملفات ظلت شائكة لعقود منها البناء العشوائي بالبلاد والتي ترتب عليها انتشار المناطق العشوائية غير الآمنة والمناطق غير المخططة، من أجل توفير حياة كريمة للمواطنين المقيمين بتلك المناطق، حيث تم تطوير وتنفيذ عدد 195275 وحدة سكنية في عدد 316 منطقة غير أمنه وقد تكلف تطوير تلك المناطق 23.9 مليار جنيه، بينما جاري من الانتهاء من تنفيذ عدد 50.78 ألف وحدة سكنية أخير في عدد 41 منطقة يجري تطويرها في الوقت الحالي بتكلفة إجمالية 15.7 مليار جنيه.
حياة كريمة
ومؤخرًا، وخلال المؤتمر الذي تم انعقاده لإطلاق مشروع حياة كريمة ذلك المشروع الايقوني الذي لم يسبق لمصر أو في العالم أن حدث مثل ذلك المشروع من حيث حجم التنمية المستهدفة، حيث إن ذلك المشروع يستهدف 58 % من جموع المصريين الذين يعيشون في مصر وخاصة والقرى الفقيرة والأكثر فقرًا بهدف تقليص فجوة التنمية التي استمرت لعقود بين الريف والحضر في مصر والتي أدت إلى تشوهات جسيمة بالتركيبة الديموغرافية المصرية من حيث تفاوت في مستوى الدخول ومستويات التعليم وانتشار الهجرة الداخلية من صعيد مصر بحثًا عن مصدر عمل ورزق بالقاهرة.
فقد تم رصد موازنة غير مسبوقة تصل إلى 700 مليار جنيه لتنفيذ ذلك المشروع الذي يتضمن تطوير 4500 قرية وأكثر من 28 ألف مركز تابع لها منتشرة في 20 محافظة وتنفيذ مشروعات تعتبر الأولى من نوعها تهدف إلى تحسين مستوى المعيشة من خلال توفير سكن مناسب ومصدر مياه نظيف وصرف صحي نظيف وغاز طبيعي وتحسين مستويات التعليم وزيادة فرص العمل المتاحة.
الصحة والتعليم
ولأن التعليم والصحة تعتبر أحد الركائز الأساسية في بناء الإنسان المصري فقد شهد الإنفاق على التعليم تطورا كبيرا خلال السنوات الماضية حيث ارتفعت مخصصات الإنفاق على التعليم خلال الفترة من 2014 – 2021 من مبلغ 92 مليار جنيه إلى 172.6 مليار جنيه في الموازنة المتوقعة للعام المالي 2021-2022، محققة معدل نمو سنوي مركب بنسبة 9.5 %.
أما عن مخصصات الصحة فقد شهدت هي الأخرى نمو كبير حيث ارتفعت من 30.7 مليار جنيه في عام 2013/2014 لتصل إلى 108.7 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2021/2022، وبذلك فقد حققت مخصصات الإنفاق الصحي في مصر معدل نمو سنوي مركب بنسبة 16.5 %. تلك الزيادة الكبيرة التي شهدتها الإنفاق على التعليم والصحة في مصر تؤكد على إصرار الدولة وتبينها لسياسات عامة تهدف بالأساس إلى تنمية وبناء الإنسان المصري.
تكافل وكرامة
تكافل وكرامة هو أحد البرامج التي استهدفت بها الدولة المصرية توفير الحماية الاجتماعية للمصريين المحتاجين لاحتواء الآثار السلبية الناجمة عن تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، والذي تم من خلاله تقديم المساعدات، والمعاشات الاجتماعية لعدد 3.71 مليون مستفيد من أرباب المعاش الحكومي حصلوا على 85 مليار جنيه، بالإضافة إلى 5.8 مليار جنيه معاشات ومساعدات، 12.3 مليار جنيه معاشات تكافل وكرامة. ذلك البرنامج يأتي تطبيقا لمادة الحق في الضمان الاجتماعي والتي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الانسان في مادته رقم 22، وأقرها العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المادة رقم 9. مساعدات للأسر الفقيرة والأكثر احتياجا، عن طريق استهداف الأُسر التي تتسم بمؤشرات اقتصادية واجتماعية منخفضة تحول دون اشباع احتياجاتها الأساسية، بالإضافة إلى التعليم والصحة.
هذا فضلا عن مد مظلة الحماية لتستهدف الفئات التي ليس لديها القدرة على العمل والإنتاج مثل كبار السن (62 سنه فأكثر) أو من لديهم عجز كلى أو إعاقة. بلغ عدد المستفيدين من برنامج “تكافل وكرامة” 1.2 مليون مواطن في العام 2016 بإجمالي تحويلات نقدية لذلك العام 4.1 مليار جنية، وقد نما عدد المستفيدين من ذلك البرنامج إلى 2.47 مليون مواطن بإجمالي تحويلات نقدية بقيمة 12.3 مليار جنية في عام 2019 (وبذلك تكون نفقات البرنامج قد نمت بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 66 %).
ساهم ذلك البرنامج في تحقيق العديد من الأهداف الأخرى منها زيادة نسبة التحاق الأطفال بالتعليم حيث اشترط البرنامج حضور أبناء الأسر المستفيدة لحصصهم المدرسية بنسب لا تقل عن 80 %، بالإضافة إلى تحقيق أهداف صحية والتي تتمثل في تحسين الصحة العامة من خلال دعوة الأمهات بتلك الأُسر لحضور جلسات توعية صحية ومتابعة الحمل وإعطاء الأطفال كافة التطعيمات الدورية على مدار ال 6 سنوات العمرية الأولى. وبذلك يكون ذلك البرنامج قد ساهم في تحقيق أهداف المادة 22 والمادة 25 و26 والتي تخص بالضمان الاجتماعي، والحق في الصحة والعيش حياة كريمة، والحق في التعليم.
خلاصة القول، وضعت الدولة المصرية بناء الإنسان الأساس الذي تتمحور حولة جميع السياسات العامة التي قامت بها البلاد بداية من الدعم للمواد الغذائية للمحتاجين، وإعادة هيكلة النفقات والدعم الموجة للمواد البترولية، ومن تم توفير فائض ليتم إعادة توجيهه إلى بناء الإنسان المصري من حيث تكوين سكن مناسب يوفر حياة كريمة للمصريين، خاصة وأن السكن المناسب هو البيئة المحيطة التي تسهم في بناء وعي الإنسان المصري وثقافته، جنبًا إلى جنب مع إطلاق الاستراتيجية المصرية لتطوير التعليم والتي اعتمدت على تطبيق أحدث ما توصلت إليه الأنظمة العالمية في مجال التعليم، وزيادة الإنفاق على الصحة والي شملت التوسع في إنشاء الأبنية الصحية (المستشفيات) وتطوير المعدات بالأبنية الحالية بالإضافة إلى إطلاق المبادرات التي تستهدف المصريين مثل مبادرة 100 مليون صحة والتي تشمل عدة مراحل منها مكافحة الأمراض السارية، والكبد الوبائي، والتقزم وغيرها من الأمراض التي تهدف إلى بناء إنسان مصري قوي صحيا، متعلم ومثقف وواعي ليتناسب مع مخططات الدولة في إطلاق الجمهورية الجديدة، ليكون إنسان مصري جديد يبني جمهورية جديدة.
باحث ببرنامج السياسات العامة



