اليمن

مبادرة الرياض.. هل تنجح في إسكات صوت البنادق في اليمن؟

تدخل الأزمة اليمنية مرحلة جديدة من التفاعلات؛ إذ تصاعدت وتيرة الأعمال القتالية والتصعيد العسكري في عدد من الجبهات، وسط محاولات دولية لإقناع الأطراف المتناحرة بضرورة إسكات صوت البنادق وتغليب لغة الحوار والتفاوض بهدف إنهاء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في اليمن. إذ عادت مؤخرًا جبهات القتال للاشتعال مرة أخرى بعد الهدوء النسبي الذي شهدته الساحة اليمينة، وقد كانت هذه العودة مدفوعة بعدد من الأسباب وسط سياقات ومتغيرات دولية وإقليمية جديدة.

ترتيبًا على ما سبق، طرحت الرياض ( 22 مارس) مبادرة لوقف اطلاق النار تماشيًا مع الجهود الدولية في هذا الصدد، وعليه يمكن اختبار مستقبل تلك المبادرة في ضوء عدد من المتغيرات الاقليمية والدولية وذلك فيما يلي

سياقات مٌحفزة

أشار المبعوث الأممي لدى اليمن “مارتن جريفيث” إلى أن الحرب في اليمن عادت بكامل قوتها، وذلك في ظل تنامي القتال في عدد من الجبهات من بينها حجة وتعز والحديدة، علاوة على استمرار زحف الحوثيين تجاه مأرب. ويمكننا ملاحظة أن تلك التطورات تأتي في سياق عام يمكن تحديد ملامحه فيما يلي:

  • واشنطن والرغبة في تسكين الصراع، احتلت الأزمة اليمنية مساحة واضحة في الخطاب الأول للرئيس الأمريكي “جو بايدن” والذي كشف بشكل أساسي عن ملامح سياسته الخارجية والتي تشكلت على أساس تفعيل دور الدبلوماسية الأمريكية بهدف تهدئة الأجواء لدفع مسار التسوية في اليمن بعيدًا عن الأداة العسكرية. وفي ترجمه سريعة لتلك الرغبة عمدت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ مجموعة من القرارات من بينها: إيقاف الدعم العسكري لعمليات التحالف العربي في اليمن، فضلًا عن إيقاف مبيعات السلاح. وكمحاولة لاستعادة الزخم الدبلوماسي تم تعيين “تيموثي ليندركينج” مبعوثًا أمريكيًا إلى اليمن.

وقد جاءت خطوة إلغاء تصنيف جماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية ضمن التحركات التي لجأت إليها الإدارة الأمريكية في التعاطي مع الملف اليمني لتثير انقسامًا حول تداعياته: إذ رأى فريق –المؤيد- أن تلك الخطوة من شأنها أن تقلل من التأثيرات الإنسانية التي يمكن أن تنجم في حال استمرار تنصيف الحوثي منظمة إرهابية، خاصة مع صعوبة تعامل منظمات الإغاثة والجهات التي تقدم مساعدات إنسانية مع منظمة إرهابية، خوفًا من الملاحقات والعقوبات القضائية. ورأى أصحاب هذه النظرة أن استمرار التصنيف قد يُصعب من عملية التفاوض ومن ثم إعاقة الاستراتيجية الكبرى لبايدن الرامية إلى إنهاء الحرب. من ناحية أخرى، رأى الفريق الثاني –المُعارض- أن هذا القرار قد دفع الحوثيين للتصعيد بهدف تعزيز الحضور الميداني.

  • طهران واستراتيجية اشعال الجبهات، يأتي التصعيد الراهن من قبل الحوثيين ضمن نهج يقوم على إشعال الحرائق في عدد من الساحات التي توجد فيها الأذرع الإيرانية، وذلك بهدف استثمار هذا التصعيد في المفاوضات المرتقبة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كجزء من امتلاك أدوات الضغط وتسخين الأجواء قبل التفاوض.

وقد برز ذلك بوضوح خلال التصعيد في الساحة العراقية من قبل أذرع طهران، إذ تم استهداف قاعدة عين الأسد الجوية مطلع مارس-تستضيف قوات التحالف الدولي-بنحو 10 صواريخ. وقد سبقه هجوم آخر على قاعدة أمريكية في أربيل (فبراير) بنحو 14 صاروخًا أدى إلى مقتل أمريكي وإصابة 9 آخرين. وعليه يتماشى التصعيد في اليمن مع الرؤية الإيرانية لمرحلة ما قبل الجلوس على طاولة المفاوضات كما تشير تصريحات قائد فيلق القدس “إسماعيل قاآني” (12 مارس) ودعمه للهجمات الحوثية ضد السعودية لاعتماد طهران على ورقة الحوثيين في المساومة المستقبلية مع واشنطن.

  • اختبار صلابة اتفاق الرياض، تدخل المعارك الدائرة في اليمن ضمن محاولات اختبار شرعية اتفاق الرياض بين الحكومة اليمينة والمجلس الانتقالي الجنوبي؛ إذ شهد الاتفاق منذ توقيعه 2019 عددًا من التحديات في ظل غياب الثقة بين أطرافه. ورغم نجاح الطرفين في تشكيل حكومة مناصفة، إلا أن تردي الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات وما نجم عنه من مظاهرات على غرار اقتحام القصر الرئاسي في منطقة معاشيق (16 مارس)، علاوة على عدم تنفيذ الترتيبات العسكرية والأمنية المرتبطة بالاتفاق حتى الآن يمثل تحديًا واضحًا بشأن مستقبل الاتفاق. 

وعليه يواجه الاتفاق حالة من الهشاشة في ظل حالة السيولة والفراغ الأمني ومساعي الحوثيين منذ البداية لإفشال الاتفاق والنيل منه، ما تم ترجمته سريعًا من خلال الهجوم على مطار صنعاء (30 ديسمبر) لحظة وصول الحكومة المنبثقة عن الاتفاق إلى عدن. وكذلك، تشير محاولة اغتيال وزير الخدمة المدنية (18 مارس)، علاوة على إسقاط عدد من الطائرات المسيرة فوق قصر معاشيق بعدن إلى الرغبة في تهديد تماسك الجبهة المناهضة للحوثيين والعمل على استثمار هذه الحالة في المعركة الكبرى ضد الحكومة الشرعية والتحالف العربي.

  • تفاقم الأوضاع الإنسانية، لا ينفصل تأثير الوضع الإنساني للصراع وتداعياته عن مسار التحرك الدولي لإنهاء الأزمة؛ إذ يحتاج نحو 24 مليون شخص لمساعدات إنسانية، ويعاني ما يقرب من 10 ملايين من انعدام الغذاء، ما يشير إلى إمكانية حدوث مجاعة في ظل الاعتماد المتزايد على المساعدات والذي يقابله نقص في عمليات التمويل، إذ لم تنجح الأمم المتحدة خلال مؤتمر المانحين في الأول من مارس سوى في جمع نحو 1.67 مليار دولار؛ أي أقل من نصف المبلغ المطلوب، والذي قدرته الأمم المتحدة بنحو 3.85 مليار دولار.

من ناحية أخرى، تتفشى الأمراض في اليمن بشكل كبير؛ إذ بلغ عدد المشتبه في إصابتهم بالكوليرا نحو 700 ألف في عام 2019، فضلًا عن أن تفشي وباء كورونا يمثل تحديًا كبيرًا للأوضاع الصحية في ظل غياب الخدمات والرعاية المناسبة. وعليه تظل تلك الأوضاع، وتجدد دورة الصراع وما نجم عنه من مقتل نحو 233 ألف شخص مدخلًا يتحرك من خلاله عدد من الفواعل لتخفيف المعاناة الإنسانية لأسوأ أزمة إنسانية في الوقت الراهن.

  • القاعدة والاستثمار في الفراغ، يظل التهديد الإرهابي والمتمثل في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، أحد السياقات المهمة التي يمكن من خلالها ملاحظة أسباب الانخراط الأمريكي المتزايد في الأزمة؛ إذ إن تحجيم وتطويق التنظيم كان ولا يزال أحد أولويات الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تسمح الظروف الحالية وحالة الفراغ في انتشار التنظيم واستعادة تموضعه، خاصة أن التنظيم نجح في بداية الصراع في الفترة من 2015 وحتى 2017 في تعزيز حضوره في اليمن مستغلًا حالة الفوضى وعدم الاستقرار.

ورغم الانتكاسات التي تعرض لها التنظيم بفعل الضربات الجوية الأمريكية -والتي بلغت نحو 185 ضربة خلال 8 سنوات من حكم أوباما، وما يقرب من 200 ضربة في 4 سنوات من حكم ترامب، والتي تسببت في مقتل عدد من القيادات المؤثرة وفي مقدمتهم “قاسم الريمي”- إلا أن ممكنات عودة القاعدة في محافظات الجنوب تظل قائمة في ظل تلك البيئة المحفزة، وقد حمل الهجوم الذي استهدف حاجزًا أمنيًا في محافظة أبين (18 مارس) بصمات تنظيم القاعدة، ما يشير إلى مساعي التنظيم لاستغلال تلك الأوضاع، الأمر الذي قد يدفع المجتمع الدولي إلى وضع حد للتصعيد للحيلولة دون صعود القاعدة وتوظيف التصعيد لصالح عودته.

احتمالات قائمة

في ظل السياق الحالي الذي يفرض نفسه على الأزمة اليمنية، وبين التصعيد وإشعال الجبهات من قبل الأطراف المتناحرة، وفي ظل المساعي الدولية لحلحلة الأزمة يمكننا تحديد المسارات المحتملة للأزمة فيما يلي:

أولًا: تكثيف الهجمات بهدف الحسم الميداني، ينطلق هذا الاحتمال من فرضية وجود قناعة لدى أطراف الصراع بأنها على أعتاب مرحلة جديدة من التفاوض، ومن ثم يسعى كل طرف إلى تعزيز حظوظه في تلك المفاوضات؛ إذ إن مزيدًا من التمدد والسيطرة الميدانية يمكن أن يعزز المكاسب المستقبلية، ويزيد من قدرة الطرف المنتصر على فرض شروطه. وعليه يعمل كل طرف على تفعيل الأداة العسكرية بهدف الحسم الميداني، أو على أقل تقدير التمدد في مساحات إضافية تضمن له هذا النفوذ. ومن هنا يمكن ملاحظة استراتيجية الحوثيين الرامية إلى التصعيد عبر عدد من الجبهات سواء داخليًا أو خارجيًا كالتالي:

على مستوى الداخل، شهدت محافظة مأرب مطلع شهر فبراير ضغطًا غير مسبوق ومحاولة من قبل الحوثيين لفرض هيمنة ميدانية ومحاولة الاستيلاء على مأرب، ويمكن أن يحقق هذا الأمر عدة مكاسب بالنسبة للحوثيين: أولها) على المستوى الرمزي لكون مأرب آخر معاقل الحكومة الشرعية، ومقر وزارة الدفاع وقيادة الجيش اليمني، فضلًا عن أن السيطرة عليها تؤمن نفوذ الحوثيين في الشمال وتعزز من فرص تحولها تجاه محافظة شبوة وعدد من محافظات الجنوب. ثانيًا) يمكن أن يساهم حسم مأرب لصالح الحوثيين في الاستفادة من مواردها الاقتصادية كونها تتمتع بثروات هائلة من النفط والغاز؛ ما يضمن استمرار التمويل الحربي. ثالثًا) يمكن أن تُوظف السيطرة الميدانية –حال حدوثها- في تعزيز النفوذ السياسي للحوثيين في أية تسويات أو ترتيبات مستقبلية.

على مستوى الخارج، تبنى الحوثيون تصعيدًا مماثلًا تجاه السعودية، فأصبحت المنشآت الحيوية والبنية التحتية السعودية ضمن بنك أهدافهم؛ إذ تم توجيه الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية تجاه المملكة لدرجة إعلان التحالف عن إسقاط نحو 12 مسيرة خلال يوم واحد، وما يقرب من 40 هجومًا خلال شهر فبراير. ويتماشى هذا النهج مع هجمات الحوثيين العابرة للحدود والنهج القائم على توسيع نطاق وجغرافيا الهجمات؛ فطيلة سنوات الصراع تم استهداف السعودية بما يقرب من 900 طائرة مسيرة وصاروخًا باليستيًا. ويبدو أن التصعيد الراهن يستهدف إرباك التحالف العربي في محاولة لإجباره على التراجع وإيقاف الهجمات الجوية تجاه تمركزات الحوثيين في عدد من المحافظات؛ إذ يعمل التحالف –مؤخرًا- على توجيه ضرباته تجاه مخازن السلاح والمعدات العسكرية للحوثيين في صنعاء ومأرب وغيرها من المحافظات؛ بهدف إنهاك وشل القدرات العسكرية للحوثيين.

وفقًا لهذا المشهد، يظل احتمال استمرار التصعيد ومساعي الحسم الميداني قائمة، في ظل رغبة الطرفين في تحقيق أكبر قدر من المكاسب وتجميع أوراق ضغط يمكن المساومة بها في أية مفاوضات قادمة.

ثانيًا: نجاح المساعي الدولية في إسكات البنادق، يفترض هذا المسار أن التصعيد الراهن يمكن أن يتم احتواؤه وذلك من خلال حث أطراف الصراع على وقف إطلاق النار، والبدء في معالجة بعض القضايا الجزئية على أمل تعزيز الثقة بين الطرفين، وقد تكون البداية من خلال محاولة إحياء وتفعيل ملف تبادل الأسرى، كما قد تكون الدوافع الإنسانية ومنع تفاقم الأوضاع في مأرب سببًا كافيًا لممارسة المجتمع الدولي مزيدًا من الضغط لوقف القتال؛ إذ يمكن لاستمرار الصراع أن يعرض حياة نحو مليوني شخص للخطر، وذلك بعدما تسبب الصراع في نزوح ما يقرب من 14 ألف شخص خلال شهر من بداية التصعيد.

ويظل هذا الاحتمال مُحاطًا بعدد من التحديات من بينها: أولًا، رغبة الحوثيين في توسيع نفوذهم الميداني بهدف تعزيز الحضور المستقبلي في المفاوضات. ثانيًا) تمثل الشروط المسبقة من قبل ميليشيا الحوثي وربط التصعيد بإنهاء الحصار على اليمن على حد وصفهم معوقًا لأية جهود للاحتواء خاصة وأن صناعة القرار ووقف التصعيد لا يزال في يد طهران. ثالثًا) تكشف محاولات وقف إطلاق النار في أوقات سابقة والتي غالبًا ما كانت تتم من جانب واحد أن مثل هذه المحاولات لا يمكن التعويل عليها بشكل تام، حيث أنها لم تصمد طويلًا قبل أن يعود التصعيد مرة أخرى. ومع ذلك تظل فرص الهدنة والاحتواء المؤقت عبر ممارسة الضغوط على كافة الأطراف لوقف إطلاق النار هو المسار الأقرب على الأقل على المستوى القريب. 

ثالثًا: الاختراق الكبير والتسوية الشاملة، ينطلق هذا الاحتمال من استحالة تحقيق الحسم العسكري الكامل، ومن ثم يفترض هذا المسار إمكانية إحداث اختراق كبير يفضي إلى تسوية الصراع والبدء في مرحلة انتقالية وفق ترتيبات ترعاها القوى الكبرى والأمم المتحدة، ويعول هذا المسار على رغبة الإدارة الأمريكية الجديدة في انهاء الصراع اليمني. 

وما يمكن الانتهاء إليه أن تسوية الأزمة اليمينة سوف ترتبط بشكل كبير بملامح الصفقة الكبرى التي يتم الإعداد لها بين واشنطن وطهران، خاصة في ظل العودة المحتملة للاتفاق النووي؛ إذ إن حيازة طهران للقرار وقدراتها على إقناع الحوثيين بوقف إطلاق النار، والدخول في مفاوضات جادة يرتبط بحجم الإنجاز والتوافق الذي يمكن أن تشهده المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني، وكذلك تعتمد التسوية النهائية على الضمانات التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية للسعودية ودول التحالف في ظل تلك الترتيبات.في الأخير، يمكن الإشارة إلى أن التطورات الراهنة في اليمن تدور بالأساس في فلك التغيرات الكبرى المرتقبة في عدد من الملفات، وأن التصعيد الحالي يدخل ضمن مرحلة تسخين الأجواء وإشعال الميدان بهدف امتلاك يد عليا ومؤثرة في التفاهمات القادمة.

+ posts

باحث ببرنامج قضايا الأمن والدفاع

محمود قاسم

باحث ببرنامج قضايا الأمن والدفاع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى