
احتلال الجغرافيا وسرقة التاريخ.. مساعٍ تركية للاستيلاء على الأرشيف الوطني الليبي
لا تتوقف المخططات التركية للعبث بالمشهد الليبي، ففي نفس الوقت الذي مازالت تحاول فيه السيطرة على ليبيا من خلال الهيمنة السياسية والاحتلال العسكري وتأجيج الصراع عبر إرسال المرتزقة ومحاولة تعطيل الجهود الأممية والدولية لحل الأزمة الليبية سياسيًا، تعمل أنقرة أيضًا على سرقة تاريخ ليبيا الزاخر بالأمجاد، والاستيلاء على الوثائق والمخطوطات التي توثق جهاد الليبيين ضد الاستعمار. وكأنها تأبى إلا وأن يكتمل عبثها في ليبيا جغرافيا وتاريخًا وهوية.
المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية
طالت أيادي العبث هذه المرة المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية الذي أسس عام 1977 تحت اسم “مركز بحوث ودراسات الجهاد الليبي” في مدينة طرابلس، وتغير اسمه إلى “مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية” عام 1980. وصدر قرار عام 2009 بأن يتولى المركز جمع وحفظ وفهرسة وحماية الوثائق والمخطوطات ذات الأهمية التاريخية التي تشكل الأرشيف العمومي للدولة، ثم قانون عام 2012 جعل اسم المركز “المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية” وعدّه رسميًا هو الأرشيف الوطني لليبيا، وحدد له هدفين، الأول هو حفظ الذاكرة الجماعية الليبية للباحثين والمهتمين ولعامة الشعب، والثاني تحقيق مطلب الشعب الليبي بالاعتراف والاعتذار والتعويض عن الفترة الاستعمارية.
يقع مقر المركز في العاصمة الليبية طرابلس، وقد صُنّف مقره ضمن مؤسسات التراث الإنساني في ليبيا من قِبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، إلا أن أزمة قد بدأت بعدما طالبت هيئة الأوقاف الليبية بالمبنى بوصفه تابعًا لها، كونه جزء من مقبرة “سيدي منيذر”، أو بسداد إيجار شهري قدره 96 ألف دينار ليبي، بعدما كان ألفي دينار فقط. ورغم المكاتبات التي صدرت عن المركز والتي تشير إلى أن توصية صدرت من المستشار القانوني لمصلحة التسجيل العقاري وأملاك الدولة بتاريخ 16 أغسطس 2010 بمخاطبة الأملاك العامة بشأن حصر العقار وتوثيقه باسم الدولة الليبية، إلا أن هيئة الأوقاف أصرت على تبعية المبنى لها، وضرورة استرداده.

وأشارت تقارير إلى أن قوات تتبع ميلشيا النواصي داهمت المركز في فبراير 2017 لإجبار إدارته على تسليم المقر، وهو الأمر الذي نفته هيئة الأوقاف في بيان وقتها، أكدت خلاله أنها “لم تلجأ يومًا إلى القوة أو وسائل الضغط القضائية التنفيذية وأنها اتخذت من الحوار أسلوبًا لها، مشددة على أنها لا تنوي إخلاء المقر أو وضع يدها على محتوياته التي تقدر أهميتها العملية والثقافية والوظيفية”.
ورغم ذلك أرسلت هيئة الأوقاف خطابًا للمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية يوم 4 يناير الجاري تمهله فيه ثلاثة أيام لإخلاء المقر وتسليمه لها وفقًا لحكم صادر عن محكمة الاستئناف بطرابلس بشأن تبعية الأرض المُقام عليها مقر المركز للأوقاف.

التاريخ الليبي في خطر
يضم المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية أكثر من 27 مليون و385 ألف وثيقة تمثل تاريخ ليبيا الكامل، إذ نجح في شراء آلاف الوثائق باللغات الأجنبية من الأرشيف التركي والعثماني والإيطالي والفرنسي والأمريكي. وقام بترجمة وطبع مئات الدراسات والكتب عن التاريخ الليبي فضلًا عن مجهود بحثي لتسجيل التراث والتاريخ الشفاهي للمرحلة الاستعمارية وحركات الجهاد الوطني ضد الغزو الإيطالي.
ولذلك أصدر أكثر من 200 كاتب ومثقف وصحفي ليبي بيانًا طالبوا فيه بإنقاذ المركز من الاستيلاء على مقره، لما سيتسبب فيه هذا النقل من تلف الوثائق والمخطوطات وضياعها وفقدان أرشفتها وتبعثرها، قالوا فيه:
نحن الموقعون أدناه نوجه نداءً وطنيًا عاجلًا لحكومة الوفاق الوطني بطرابلس، من أجل حماية وحفظ وإنقاذ مركز المخطوطات والدراسات التاريخية (مركز توثيق جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي) من النقل، والاستيلاء على مقاره التي تحوي وتحفظ أرشيف الذاكرة الوطنية من مخطوطات ووثائق مكتوبة ومسموعة ومرئية تم العمل على حفظها وأرشفتها منذ عشرات السنين، فالشعوب تبنى شخصيتها المعنوية من خلال الذاكرة الوطنية من مخطوطات ووثائق وأرشيف وطني يسجل تاريخها مسيرتها وكفاحها وجهادها في سبيل الدين والوطن.
هذا النداء نوجهه وطنياً للحكومة الليبية، لأهمية المركز في حفظ الذاكرة الوطنية للأجيال سياسة وثقافة وفكر وتاريخ وشعر وأدب، حيث أن الانتقال من المقر الحالي سيسبب في تلف الوثائق والمخطوطات وضياعها وفقدان أرشفتها وتبعثرها وبالتالي فقدانها وعدم الاستفادة منها، وأن حدث ذلك لا قدر الله، سيكون جريمة لا يجب السماح بحدوثها، وندعو لمنعها عاجلاً، فالمركز يحوي تاريخ المقاومة الإسلامية للاستعمار الإيطالي وحزمته الدينية الكاثوليكية، حيث جاهد أهلنا بالنفس والولد والمال في سبيل الأرض والعرض والدين، في القرى والمدن والواحات والصحراء والسواحل والجبال.
إن المحافظة على المركز ومحفوظاته ووثائقه -وقف عام لكل الليبيين- مهم للماضي والحاضر ومهم بشكل أكثر حيوية لمستقبل الأجيال، ومن هذا المبدأ، نوجه نداءنا لحكومة الوفاق الوطني -التي نثق في تفهمها لأهمية المركز- بالعمل العاجل على مواجهة الحجج الإدارية، ومنع الاستيلاء على مقار المركز المهمة، حتي لا يتم الاستيلاء على مقار المركز، وتتسرب الوثائق وتضيع فائدتها المهمة وتفقد الذاكرة الوطنية المركز الوطني الكبير الذي يحوي كنوز الوثائق والمخطوطات والشهادات الموثقة المكتوبة المسموعة والمرئية، وعلى الحكومة الموقرة اعتبار المركز مسألة سيادة وطنية إسلامية تاريخية للحاضر والمستقبل، لا يجب أن تنفرد جهة واحدة بالتصرف فيه وفي مقاره لأسباب إدارية، ويجب منع ممارسة الضغوطات على المركز وحمايته وصيانته وحل المسألة بشكل نهائي بما يحفظ المركز في مقره الحالي، إننا نتطلع بكل حرص أن تتفهم الحكومة أهمية هذا المركز وحيويته، وندعو للتحرك العاجل لحمايته.
المخططات التركية
البصمات التركية كانت واضحة في هذا الملف منذ عام 2012؛ إذ أشارت تقارير نقلًا عن مصادر ليبية أن تركيا هي التي وقفت أمام تحريك الدعوى القضائية ضد المركز مجددًا عام 2012 ومتابعتها عبر شخصيات من الإسلاميين الموالين لأنقرة، ومنها شخصيات متنفذة في هيئة الأوقاف ومكاتبها التي يتزعمها محمد العباني.
وأوضحت هذه المصادر أيضًا أن وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” -التي افتتحت لها فرعًا في العاصمة الليبية طرابلس عام 2012- مارست ضغوطًا على المركز من أجل تكليف إدارة جديدة له تمكنها من الاستيلاء على أرشيف الوطني الليبي. ومن هنا يمكن تفسير إقدام “ميلشيا النواصي” على اقتحام المركز عام 2017 واعتقال رئيس المركز د. محمد الطاهر الجراري أكثر من مرة.
ويُذكر أن وكالة “تيكا” سبق وأن أعلنت في أكتوبر 2019 عن رعايتها لزيارة وفد من المهندسين الأتراك لإجراء “دراسة لترميم الآثار العثمانية”، والاتفاق مع مصلحة الآثار على تدريب كوادر ليبية في هذا الشأن. وترجح مصادر ليبية أن يكون السعي التركي وراء السيطرة على الأرشيف هو النيل من وثائق قانونية مهمة تنسف طموح العثمانية الجديدة، ومنها قضية الجرف القاري التي تُعدُّ أساسًا للاتفاق البحري الذي وقعته أنقرة مع السراج في نوفمبر 2019 والذي يحدد حدود ليبيا المائية.
وبذلك فإن الأطماع التركية متواصلة، وسيكون المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية عرضة للاقتحام في أي وقت بعد انتهاء المهلة التي منحتها هيئة الأوقاف له لإخلائه، وهو أمر بالغ التعقيد نظرًا لضخامة ما يحتويه المركز من وثائق ومخطوطات تاريخية نادرة يتطلب نقلها وقتًا طويلًا. ومن ثم فإن آخر ما تبقى من تاريخ ووثائق ليبيا عُرضة للخطر.
باحث أول بالمرصد المصري



