
“سقارة”.. اكتشافات “متتالية” و”معين للتاريخ لا ينضب”
عقد الدكتور خالد العناني وزير السياحة والآثار، السبت 3 اكتوبر 2020, مؤتمرًا صحفيًا عالميًا، لإعلان الكشف الأثري الجديد في منطقة سقارة الأثرية، الذي وصفته الوزارة بـ”الأضخم”.
جاء ذلك بعدما نجحت أعمال حفائر البعثة الأثرية المصرية، خلال الأسابيع الماضية في اكتشاف ثلاثة آبار عميقة للدفن، بها عدد ضخم من التوابيت الآدمية مغلقة منذ أكثر من 2500 عام.
وتشير الدراسات المبدئية إلى أن هذه التوابيت تنتمي الي الاسرة السادسة والعشرين وتخص مجموعة من الكهنة وكبار رجال الدولة والشخصيات المرموقة في المجتمع المصري آنذاك.
يذكر انه تم استخراج 59 تابوتا، إلى جانب العثور على ما يتراوح بين 40 و 50 قطعة اثرية من التماثيل و تم العثور علي 28 تمثالا خشبيا للإله بتاح سوكر وهو الاله الرئيسي لجبانة سقارة، بالإضافة الي عدد كبير من تماثيل الأوشابتي والتمائم (التي تمثل اضافة حماية أكبر للمومياء) وكذلك تمثالًا من البرونز للإله نفر توم (اله الشفاء والجمال) مطعم بالأحجار الكريمة.
أصداء عالمية للكشف الضخم

حظي الكشف الأضخم لعام 2020 في منطقة سقارة باهتمام دولي كبير, وتداولت الصحف العالمية اخبار المؤتمر الصحفي الذي نظمته الوزارة وحضره العديد من سفراء العالم وأشادوا بالحدث عبر صفحاتهم الرسمية حيث غرد سفير دولة نيوزيلندا عبر حسابه الرسمي على تويتر قائلا :”نتشرف بدعوتنا من قبل وزير السياحة والآثار خالد العناني إلى سقارة للإعلان عن اكتشاف مقبرة جديدة للمومياوات. رأيت واحدة يتم فتحها لأول مرة منذ 2600 عام! مدهش حقا!”.

وأعرب سفير دولة المكسيك عن سعادته بعملية فتح أحد التوابيت المكتشفة أمامه لأول مرة، كما غرد سفير دولة فرنسا واصفًا الكشف بأنه رائع وغير عادي.

ومن جانبه وجه سفير المملكة العربية السعودية، الشكر لدعوته لحضور الإعلان عن هذا الكشف العظيم وعلى المشاركة في هذه اللحظات التاريخية ومشاهدة التجربة المثيرة لفتح أحد التوابيت، واصفًا اليوم بالهام بالنسبة للاكتشافات الأثرية.

لماذا تُعد التوابيت الآدمية اكتشافًا مثيرًا؟

قامت عقيدة المصريين القدماء بالأصل حول العالم الآخر والحياة الأبدية، وحملت التوابيت قدسية خاصة حيث اعتُبرت من أهم الضمانات الرئيسية التي تطلبها الحياة الأبدية بعد الموت لما تلعبه من دور رئيسي في الحفاظ علي جسد المتوفي في العالم الاخر او ان تحل محله إذا تعرضت المومياء للتلف.
وقد بدأت فكرة التوابيت الآدمية منذ عصر الدولة القديمة، حيث قام الفنان بصناعة ما يُعرف بالرؤوس البديلة حتى يتسنى للروح التعرف على الجسد التابع لها في العالم الاخر، وخلال الدولة الوسطى ومع نهاية الأسرة الثانية عشرة، ظهرت التوابيت الخشبية ذات الهيئة الآدمية، واستمر استخدامها في الدولة الحديثة.
وخلال العصر المتأخر استمرت التوابيت الخشبية ذات الهيئة الآدمية، بالإضافة إلى ظهور الكارتوناج (مادة كانت تستخدم قديماً في حفظ «المومياوات»، وأحيانا كانت توضع عليها صور لبعض المعبودات التي يعتقد أنها تقوم بحماية المومياء) الذي أصبح ملازم للتوابيت الخشبية في أغلب الأحيان.
وتتمثل اهمية العثور علي التوابيت المكتشفة مغلقة تمامًا و لم تُفتح منذ اكثر من 2500 عام، في انها تتيح دراسة محتويات التوابيت كاملة، اذ حرص المصري القديم علي وضع كل ما يحتاج إليه في رحلته إلى الآخرة معه في حجرة الدفن، ما جعلها مطمعا للكثير من لصوص المقابر. لذلك قام بحماية مقبرته بكل الاساليب الممكنة, حيث استخدم الأبواب المنزلقة والسدادات الحجرية و أعدّ ممرات التمويه والأبواب السرية حتي انه لجأ إلى السحر كخط ثان للدفاع عن التابوت وحماية المقبرة ورغم ذلك فمعظم التوابيت المصرية لم تسلم من السرقة والنهب علي مر التاريخ.
كيف كانت الحياة بسقارة منذ 2500 عام؟
تعتبر منطقة سقارة من أغنى وأهم المناطق الاثرية في مصر وهي جزء مهم من جبانة منف أول عاصمة لمصر القديمة حيث استقرت بها أول حكومة مركزية في التاريخ, وظلت عاصمة مصر الاولي خلال الدولة القديمة وعاصمتها الثانية بعد طيبة في الدولة الحديثة, وقد اشتق اسمها من اسم إله الموتى بالدولة القديمة الإله “سوكر“.
وتعتبر المنطقة كتابًا مفتوحًا تطوي صفحاته قصة الحضارة المصرية القديمة عبر العصور المختلفة، وباعتبارها مدينة الموتى فتميزت بانها الجبانة الوحيدة في مصر, التي تضم مقابر منذ بداية التاريخ المصري وحتى نهايته، بجانب احتوائها علي اثار تنتمي إلى الحقبتين اليونانية والرومانية.

ولطبيعة المكان الخاصة فقد احتوت المنطقة علي العديد من ورش صناعة التوابيت وورش التحنيط, حيث نجحت البعثة المصرية – الالمانية عام 2018, في الكشف عن ورشة كاملة للتحنيط ملحق بها حجرات للدفن بها مومياوات تعود إلى عصر الأسرتين السادسة والعشرين والسابعة والعشرين (664- 404 ق.م)، كما عثرت البعثة أيضا على قناع مومياء مذهب و مطعم بالأحجار الكريمة كان يغطى وجه أحد المومياوات الموجودة بأحد حجرات الدفن الملحقة، هذا بالإضافة إلى ثلاثة مومياوات و مجموعة من الأواني الكانوبية المصنوعة من الكالسيت( الألباستر المصري)، وعدد من تماثيل الأوشابتي، وأواني لحفظ زيوت التحنيط مكتوب عليها باللغة المصرية القديمة ، فيما لا تزال سقارة تدهشنا يوما عن الاخر بأثارها.
وفيما يلي أهم اكتشافات المنطقة:
خبيئة الحيوانات المقدسة
كان اكتشاف خبيئة تماثيل ومومياوات للحيوانات والطيور المُقدّسة، بمنطقة سقارة, عام 2019 بمثابة متحف اثري أعاد للسياحة الاثرية في مصر رونقها, حيث ضم الكشف الأثري 25 صندوقاً لمومياوات من الحيوانات والطيور المقدسة، إضافة إلى تماثيل خشبية وبرونزية لآلهة مصرية قديمة.
مقبرة مايا مرضعة الملك توت عنخ امون

تعد مقبرة “مايا“, واحدة من أجمل وأشهر مقابر الدولة الحديثة، وهي عبارة عن ممر يؤدي إلى حجرة رئيسية، يظهر عليها نقش لاسم صاحبة المقبرة وصورتها وهي جالسة على الكرسي الملكي وعلى حجرها يجلس الملك توت عنخ امون طفلًا.
وترجح المصادر بأنها لم تكن مجرد مرضعة بل حظيت بمكانة أكبر، وأقرب الفروض هي أن “مايا” الأخت الكبرى للملك توت عنخ آمون وابنة اخناتون والتي تحمل اسم “ميريت آتون”, بسبب العثور على كسرة من الأواني الفخارية داخل المقبرة التي تم اكتشافها بجنوب مصر، وتحمل لقب “سيدة الحريم”.
مقبرة خوي

نجحت البعثة المصرية في الكشف عن مقبرة فريدة من نوعها لشخص يدعى “خوى“، كان يشغل منصب النبيل لدى الملك والمشرف علي القصر الملكي في أواخر عصر الأسرة الخامسة من الدولة القديمة ويعد الكشف استكمالًا لإظهار أهمية فترة الملك جدكارع بصفة خاصة ونهاية الأسرة الخامسة بصفة عامة كما تم اختيار الكشف ضمن أحد أهم 10 اكتشافات أثرية لعام 2019، وتصنيفه الاكتشاف الأكثر جذبا للأنظار في عام 2019 من مجلة Archaeology Magazine .
مقبرة الكاهن واح- تي

أعلن عن كشف المقبرة في ديسمبر عام 2018, وهي مقبرة لأحد كبار الموظفين في عصر الأسرة الخامسة التي يرجع تاريخها إلى 4400 عام. وكان الكاهن واح-تي صاحب المقبرة يشغل منصب الكاهن المطهر والمشرف العام على القصور الملكية في عصر الفرعون “نفر-إير-كا-رع” ثالث ملوك الأسرة الفرعونية الخامسة.
ترجع أهمية المقبرة إلى أنها “لم تُمَس“، وعُثر داخلها على أكثر من 60 تمثالاً كاملاً منحوتا بالجبل بألوان زاهية ورسومات جيدة تعرض أنماط حياة المصري القديم وأنشطة حياته اليومية.
أخيرا، ورغم تلك الاكتشافات الهائلة والمثيرة، فقد صرح الدكتور زاهي حواس بان “التعداد السكاني لتلك المنطقة خلال الاسرة السادسة والعشرين بلغ حوالي أربعة ملايين نسمة، اي انه من المرجح وجود اكثر من مليون تابوت قد تم دفنه لم يُكتشف من هذا العدد الا اربعة الاف تابوت فقط، ما يؤكد ان هناك مزيدا من الاكتشافات التي سوف يُعلن عنها يومًا بعد يوم, فلازال هناك اكثر من 70 % من كنوز مصر في باطن الارض لم تُكتشف بعد.
باحثة ببرنامج السياسات العامة



