
“منظومة البناء الجديدة” .. الدولة تواجه العشوائية
وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاحه مجمع التكسير الهيدروجيني اليوم الأحد بمسطرد، الحكومة بضرورة التعجيل من الإعلان عن ملف اشتراطات البناء الجديد. بعد فترة من التوقف عن البناء دامت لمدة 6 أشهر، وفقًا لقرار وقف البناء الذي كانت الدولة قد أعلنته في خلال مايو من العام الجاري بعد أن شهدت الدولة على مدار 40 عامًا مضت عددا لا نهائي من مخالفات البناء، بالإضافة إلى التعديات على الأراضي الزراعية.
وامتد تأثير المخالفات وتوسع بشكل كبير خاصة في ظل الفترة التي أعقبت أحداث 2011، وما تلى ذلك من فوضى ترتب عليها أن تأثرت المخالفات البنائية في مناطق مختلفة من مصر.
وخسرت الدولة المصرية كثيرا من قطع الأراضي الزراعية الخصبة التي كانت من المفترض أن تتابع مشوارها في إنتاج أفضل المحاصيل الزراعية ذات الجودة العالية، إلا أن البعض لم يشأ أن تستكمل تلك الأراضي طريقها وقرر تبويرها والبناء عليها وحرمان الدولة والشعب من اجمالي محاصيلها.
وامتدت المشكلة وتوسعت بشكل كبير، حتى أنها لم تقتصر فقط على امتداد التعديات على الأراضي الزراعية، ولكنها اشتملت على انتهاكات كبرى في مجالات البناء، التي أسفرت عن بناء عشوائي في أنحاء شتى من مصر. وترتب عليها تحميل أعباء هائلة على المرافق العامة للدولة، التي لم تكن مخصصة من البداية لأن تتحمل كل هذه الأعباء. بالشكل الذي نتج عنه أن تشهد هذه المناطق –ذات التكدس العالي- انقطاعات متكررة من المياه والكهرباء وضعف في جودة الطرق والمرافق بشكل عام.
واستمرت الدولة في تكبد الخسائر على الرغم من صدور قانون عام 2008، يقضي بمنع البناء المخالف، نظرًا لأن هذا القانون لم يدخل حيز التنفيذ الجدي بالإضافة الى أنه كان يفتقر الى أي بنود بشأن التصالح على المخالفات والتعديات. كما أن الدولة منذ صدوره لم تتخذ موقفا حازما تجاه المخالفين مما ساعدهم على ارتكاب المزيد من المخالفات، وتسبب في تشجيع غيرهم للسير على نفس الطريق المعتاد والتعدي على الأراضي والمرافق.
التعديات على الأراضي ومخالفات البناء.. خسائر بالجملة
وفقًا لما شرحه الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، أثناء لقاءٍ له بعدد من رؤساء تحرير الصحف ومجالس الإدارة في محافظة القليوبية. فإن مصر عانت في السنوات الأخيرة من البناء غير المُخطط، والذي بات الآن يُشكل 50% من الكتلة السكانية المصرية، وتسبب في العديد من الخسائر التي كلفت الدولة المصرية الكثير من الأموال.
وعلى سبيل المثال، فقدت الدولة في منتصف الثمانينيات ما يقرب من 400 ألف فدان بسبب البناء المخالف. ومنذ عام 2011 حتى الآن فقدت الدولة حولي 90 ألف فدان من الأراضي الزراعية، بالرغم من أنّ الحكومة حاولت تعويض تلك الأراضي عن طريق استصلاح أخرى في أماكن مختلفة لكن تلك العملية كلفت الدولة حوالي من 150 ألف جنيه إلى 200 ألف جنيه قيمة استصلاح الفدان الواحد.
كما أن هذه لم تكن هي الخسائر الوحيدة التي تكبّدتها الدولة المصرية نتيجة مُخالفات البناء، بل ساهمت تلك المُخالفات أيضًا منذ الثمانينات حتى الآن في خسارة ما يقرب من 18 مليار جنيه، بالإضافة إلى أنّ تكلفة مشروعات المياه والصرف الصحي بالريف كانت لا تتجاوز 180 مليارا، وبسبب البناء العشوائي أصبحت تلك التكلفة تتجاوز الـ 300 مليار جنيه، جميع تلك الأمور تعود بالسلب على المواطن البسيط.
كيف واجهت الدولة التعديات؟!
بالنظر إلى إجمالي ما تقدم من مخالفات سواء في مجال البناء العشوائي أو التعدي على الأراضي الزراعية. رأت الدولة أنه من الضروري التوقف لمحاربة مافيا التعديات ومنع التشويه الحضاري للدولة والضغط على مرافقها وسرقة الأراضي تحت أي لواء كان. وبناءً على ذلك، تم صدور قرار لأجل وقف عمليات البناء لمدة ستة أشهر اعتبارًا من يوم 24 مايو بالعام الجاري، على ألا تكون هذه الفترة مجرد فترة عادية من التوقف المؤقت. وإنما بغرض أن تكون فترة لاستعادة الأنفاس، لأجل إعادة ترتيب الأوراق والبدء من جديد بناءً على نقطة انطلاق ثابتة ومنظمة بشكل دقيق، وبالشكل الذي يحفظ للدولة والمواطن والشارع حقوقه.
وفيما يتعلق بالقانون الذي تم إصداره منذ عام 2019، فإنه يختلف عما سبقه في عدد من البنود. خاصة فيما يتعلق بإقراره لبنود تسمح بالتصالح على المخالفات، التي تسببت في تضخم ظاهرة العشوائيات. نظرًا لأن المواطنين قاموا بالبناء بشكل مخالف على مناطق متباعدة.
نظرة على ملامح اشتراطات البناء الجديدة في مصر
أكدت وزارة الإسكان أنه يجري في الوقت الراهن الإعداد لمشروعات الاشتراطات التخطيطية والبنائية بشكل استراتيجي لأجل ضبط عملية الإعمار، في المدن الكبرى وتحديدًا في محافظات “القاهرة- الإسكندرية- الجيزة”.
ولفتت الوزارة إلى أنه سيتم تعميم هذه الاشتراطات على المدن الكبرى بالمحافظات، حيث ستتولى الجامعات الإقليمية بالمحافظات إعداد الاشتراطات التخطيطية والبنائية بما يتناسب مع طبيعة المدن بالمحافظات، مطالبة بتوحيد الأسس العامة للاشتراطات والضوابط، ووضع نموذج موحد للدراسة لتعميمه على باقي المحافظات، وتحقيق الهدف المرجو من إعداد هذه المشروعات بالشكل الذي يسهل تطبيقه على أرض الواقع.
وأضافت الوزارة
أنه يجب التأكيد على توفير أماكن انتظار السيارات طبقاً للكود المصري للجراجات،
وضرورة أخذ المؤشرات المرورية بعين الاعتبار عند وضع الاشتراطات التخطيطية
والبنائية، مطالبة بضرورة تشجيع الاعتماد على وسائل النقل الجماعي، وتقليل
الاعتماد على السيارات الخاصة. من أجل تقليل مشكلة الازدحام المروري بالمحاور
والطرق، والتوجه نحو استخدام الجراجات الميكانيكية للحد من انتظار السيارات
بالشوارع.
وأشارت إلى أنه
يجب الالتزام بتطبيق دليل للأنشطة، والذي يحدد نوعية الأنشطة التي تصلح في كل
منطقة، من حيث متطلبات النشاط، واحتياجات المدينة، والالتزام بخطوط التنظيم، مشيرة
إلى أنه بعد الانتهاء من الصيغة النهائية لمشروعات إعداد الاشتراطات التخطيطية
والبنائية بالمخططات الاستراتيجية المعتمدة لضبط العمران، بمدن (القاهرة – الجيزة
– الإسكندرية)، سيتم العرض على المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية العمرانية
لاعتمادها.
ومن جانب آخر أكدت وزارة التنمية المحلية، إن الدولة تسعي لضبط منظومة البناء، وإزالة التشوهات التي حدثت للعمران في مصر خلال السنوات الماضية، من خلال التعاون مع أساتذة التخطيط بالجامعات المصرية لمراجعة الاشتراطات التخطيطية والبنائية بالمدن الكبرى بالمحافظات، والبداية بمدن (القاهرة، والجيزة، والإسكندرية)، بما يحقق ضبط العمران.
وأوضحت أنه سيتم رفع كفاءة منظومة إصدار التراخيص، والتخطيط العمراني بالمحافظات، وتدريب الكوادر البشرية العاملة بتلك الإدارات، واستخدام أحدث الأنظمة التكنولوجية والعلمية، من أجل الارتقاء بمستوى العمران المصري على مستوى الجمهورية، فأمامنا الآن فرصة ذهبية لتصحيح منظومة إصدار التراخيص، وضبط العمران، ومنع المخالفات للاشتراطات البنائية المحددة.
باحث أول بالمرصد المصري



