ليبيا

ضغوط متبادلة.. دوافع وسياقات إخلاء الجيش الليبي لقاعدة “الوطية” العسكرية

أعلنت حكومة الوفاق بـالعاصمة “طرابلس” سيطرتها على قاعدة “الوطية” العسكرية، عقب إعلان قوات الجيش الوطني الليبي إخلاءها في الساعات الأولى لليوم الاثنين 18مايو2020. ولم تكشف القيادة العامة بعد عن دوافعها وأسبابها لإصدار هذا القرار، والتخلي عن القاعدة التي ظلت لسنوات نقطة إسناد وإدارة عمليات متقدمة في المنطقة الغربية. إلا أن التحولات الجارية في مجرى الصراع تشكل عاملًا أساسيًا في تحولات نمط المواجهة والعمليات العسكرية، حيث التدخل التركي المتصاعد، ودخول أسلحة نوعية متقدمة ساحة القتال، وتوظيف الأطراف المتصارعة لفيروس كورونا كأداة ضغط وسلاح قتال. ونتناول في هذا التقرير الاسترتيجية الميدانية التي يمثلها موقع القاعدة، كما نستعرض محاولات مليشيات الوفاق المتكررة للسيطرة عليها، وأبرز دوافعهم لتكرار الهجوم والسعي للسيطرة علي “الوطية، بالاضافة الى قراءة في المحددات الاكثر ترجيحًا لقرار القيادة العامة لإخلاء القاعدة.

استراتيجية موقع قاعدة “الوطية”

تُعد قاعدة “الوطية” العسكرية من أبرز القواعد الليبية، ويمثل السيطرة عليها مفتاحًا مهمًا للسيطرة الجوية على أجواء المنطقة الغربية. وقامت القوات الامريكية ببناء القاعدة قبيل استقلال ليبيا، وتحديدًا عام 1942، ثم جرى تطويرها لاحقًا لتصبح مركزًا لعميات وارتكاز أسراب طائرات “ميراج” حتى عهد العقيد القذافي الذي أدخل عليها تحديثات شملت بناء مدرجين جديدين، ودشم وتحصينات وملاجئ خرسانية للطائرات، ومخازن للوقود والذخائر، بالإضافة إلى ورش للصيانة والإصلاح، ومواقع للإقامة ومرافق للإعاشة. وأصبحت القاعدة بعد التطوير قادرة على استقبال (7000) جندي، وعدد كبير من الطائرات والآليات العسكرية. 

https://cdn.al-ain.com/lg/images/2020/5/06/85-013203-erdogan-threaten-countries-neighboring-libya-2.jpeg

وتبعُد القاعدة (140) كم جنوب غرب العاصمة “طرابلس”، وتتبع إداريًا مدينة “الجميل” الواقعة على الساحل الغربي، والتي تبعد عنها قُرابة (36) كم، فيما يتولى تأمين وعمليات القيادة الميدانية للقاعدة قوات الجيش التابعة لمدينة الزنتان (80) كم جنوب شرق القاعدة. وعُرفت القاعدة فيما مضى باسم (قاعدة عقبة بن نافع)، وهي تقع في قلب تحصينات طبيعية توفر لها حماية من أي هجمات من الاتجاه الشمالي، فيما تسيطر على المسارات الجبلية المؤدية للقاعدة مدن ومناطق تؤيد الجيش الوطني الليبي، لذا كانت القاعدة نقطة انطلاق حيوية لعمليات القيادة العامة بالمنطقة الغربية، وإسناد القوات بمحاور القتال حول العاصمة. كما تبعُد “الوطية” حوالي (28) كم من الحدود التونسية، ونحو (300) من الحدود الجزائرية، لذلك شكلت في فترة نظام القذافي هاجسًا لأمن دول الجوارة الغربي لليبيا؛ بسبب موقعها القريب من الحدود التونسية، ومجالها الجوي الذي يغطي أيضًا مساحة من الجزائر.

ووظفت القيادة العامة القاعدة بشكل نشط في إطلاق الطائرات المسيرة لاستهداف التحركات المليشياوية في مناطق الغرب، وتحديدًأ جنوب وغرب طرابلس، وتمكنت عبرها من فرض حصار جوي كامل على أجواء العاصمة ومحيطها. وكشفت تقارير عن استقبال القاعدة لمجموعة من قوات الـ”كوماندوز” الأمريكية، ديسمبر2015، فيما أوضح البنتاجون أن وجود تلك القوات مرتبط بـ “مهمة لتقديم المشورة للقوات الليبية، وليس القيام بعمليات قتالية أو تدريب”، فيما تدعي حكومة الوفاق ووسائل إعلام تركية وقطرية أن القاعدة يديرها مجموعات من المقاتلين الاجانب.

مشاهد ودوافع.. المليشيات تعاني للسيطرة على القاعدة

تصدرت محاولات السيطرة على قاعدة “الوطية” العسكرية قائمة أولويات الحشد المليشياوي وغرف العمليات الاستخبارية التركية في معيتيقة ومصراتة، ومنذ بدء مليشيات الوفاق ومجموعات المرتزقة السوريين والتشاديين، وغيرهم من التنظيمات الإرهابية التي اصطفت ضمن عمليات القوات التركية في ليبيا، التحول نحو احداث تغيير ميداني في ميزان القوى العسكرية والسيطرة الميدانية كانت “الوطية” أول الأهداف التي توجهت تلك المجموعات للهجوم عليها. ونشير تاليًا الى أحدث المحاولات التي اتجهت فيها قوات الوفاق والمرتزقة للهجوم على القاعدة خلال الفترة الأخيرة، ونسعى للإجابة على تساؤل حول أسباب تكرار محاولات الحشد المليشياوي للسيطرة على القاعدة، رغم معاناتهم في سبيل ذلك لفترات طويلة.

وقد تكررت مشاهد وتقدمات الحشد المليشاوي الرامي لاختراق دفاعات قاعدة “الوطية”، ولم تنقطع الهجمات المدفعية وبالطيران المسير على القاعدة في محاولة لاخراجها عن العمل منذ فترة طويلة. وجاء الهجوم الأول مؤكدًا على تمسك الاتراك والمليشيات والمرتزقة بالسيطرة على القاعدة حينما أعلنت حكومة الوفاق إطلاق عملية عسكرية باسم “عاصفة السلام” لتحرير المنطقة الغربية، في 25مارس2020، لتتجه تلك القوات للهجوم على قاعدة “الوطية” في اول اشتباك ضمن تلك العملية، إلا أن وحدات تأمين “الوطية” تمكنت من صد الهجوم، وسرعان ما تحولت وحداته من الدفاع عنها إلى ملاحقة المجموعات المهاجمة، ونجحت في دخول مدن رقدالين والجميل العسة، وبسطت سيطرتها الكاملة على تلك المدن، وصولًا الى معبر رأس جدير الحدودي مع تونس.

C:\Users\dell\Desktop\93f6a51cc3ca3750a2a97f7505641f5a.jpg

وبعد أن استوعبت المليشيات الخسائر الأخيرة بعد الهجوم على “الوطية”، اتجهت للسيطرة على كامل الساحل الغربي؛ لقلة الوحدات الأمنية المتمركزة فيه، ولتوظيفه كنقطة إنطلاق أساسية للهجوم القادم على قاعدة “الوطية”. وبالفعل سيطرت المليشيات ومجموعات المرتزقة على مدن الساحل الغربي، في 13ابريل2020، لتطلق بعدها الهجوم الثاني على القاعدة، من المناطق الجنوبية الموالية لها، ولكن المدن الجنوبية التابعة للجيش تصدت للهجوم. وعادت مليشيات الوفاق لإعلان هجومًا ثالثًا باتجاه القاعدة، يوم 5 مايو2020، وعبر خمسة محاور، تقدمت مجموعات الحشد الميليشياوي باتجاه “الوطية”، ومع تمركز المليشيات في منطقة العقربية -35 كم من القاعدة- قام طيران الجيش بتدمير الأرتال المحتشدة بتلك المنطقة على مدار عدة أيام متتالية.

وتتمسك القوى الفاعلة ضمن معسكر غرب ليبيا بالسيطرة على قاعدة “الوطية”؛ نظرًا لموقعها وما تمثله من شوكةٍ في ظهر مجموعات الحشد المليشياوي، وعلى مدار مراحل وتطورات الصراع الليبي، تزايدت الدوافع التي تعزز من إيمان حكومة الوفاق ومن في فلكها بأنه لا سبيل لتمكنهم من السيطرة على الغرب، إلا بإسقاط “الوطية” –أو تحييدها- خارج حسابات الجيش الوطني. وتستهدف تلك القوى عبر إسقاط القاعدة تحت سطوتها ضمان السيطرة التامة غربًا، حيث ستنفرد المليشيات بالمناطق الغربية. بالإضافة الى تخفيض ضغط الجيش على محاور القتال بالعاصمة، عبر إرباك الوحدات المتمركزة بنطاق القاعدة والمدن التابعة لها، وتقليص فرص استهداف طيران الجيش للمرتزقة والمليشيات المتمركزة في العاصمة، وغرف الإدارة والسيطرة التركية في مصراتة ومعيتيقية. 

ويتحقق عبر تلك الخطوة إكساب حكومة الوفاق تقدمات ميدانية، افتقدت اليها بالرغم من الدعم التركي المتواصل وعمليات نقل المرتزقة الى ليبيا، كما يعني السيطرة على “الوطية” الحفاظ على إدارة الحدود الغربية والطريق الساحلي مع الجانب التونسي حكرًا على حكومة الوفاق، أي تصبح مناطق الغرب مفتوحة للتحرك واستقبال المساعدات والشحنات التركية مباشرةً، وهو ما قد يتطور الى خلق ظهير صحراوي يستوعب عمليات نقل المرتزقة وتدريبهم في ليبيا، وهو ما قد تتجه إليه أنقرة، لاسيما مع وجود توافق بينها وحركة النهضة التونسية حول دعم الميليشيات، وكون هذا التقدم وإيجاد مساحة لاستقبال الدعم التركي بعيدًا عن تونس يخفف من الانتقادات الداخلية لسياسات النهضة حيال ليبيا.

دوافع القيادة العامة لإخلاء القاعدة

يُحتمل أن إخلاء قوات الجيش الوطني لقاعدة “الوطية” جاء استجابةً لمجموعة من التطورات الميدانية، التي اقترنت بحالة وباء كورونا في ليبيا، ومسارات العمليات العسكرية في مدن الغرب الليبي، بالإضافة إلى خطط التحرك العسكرية التي تنوي القوات المسلحة اتباعها في الفترة القادمة. ونشير فيما يلي الى أبرز هذه الدوافع تفصيلًا:

  • البُعد المكاني وطول خطوط الإمداد: يمثل موقع القاعدة تحديًا بالغ التعقيد لعمليات الإمداد وتوجيه القوات والعتاد إليها، ويستلزم وصول الدعم للقاعدة استخدام ممرات صحراوية طويلة، أو عمليات نقل جوي من مناطق الشرق والوسط، لذلك فإن تكلفة إدارة وإمداد القاعدة مكلفة بشكل كبير جدًا، مُقارنةً بقواعد الوسط والشرق التي تتيح تقديم الدعم لمحاور القتال بشكل أكثر سرعة وأقل كلفة.
  • تراجع الأهمية النسبية للقاعدة: تتمركز وحدات القوات المسلحة بالمنطقة الشرقية والجنوب، وتنتشر الكتائب المقاتلة بجبهات غرب سرت وجنوب وغرب طرابلس، ومع سقوط مدن الساحل الغربي تحت سطوة المليشيات، وتقدم المرتزقة والمليشيات لحصار مدينة ترهونة -تضم غرفة عمليات الجيش الغربية- أصبحت “الوطية” في مضامين التقييم العسكري أقل جدوى من الاحتفاظ بها في الوقت الراهن، مقارنةً بتوجيه القوات المتمركزة فيها لدعم جبهات القتال وإسناد محاور القتال الأخرى.
  • التحول نحو نمط عملياتي جديد: يؤكد إخلاء القاعدة اتجاه الجيش الوطني لتبني خطط عمل للتعاطي مع الدعم التركي وعمليات نقل المرتزقة والاسلحة النوعية التي جري إمدادهم بها في الفترة الماضية، ليصبح نمط العمليات القادم شكل من أشكال الحروب غير النظامية التي سعى الجيش الوطني لاعتمادها فيما سبق خلال عملياته ضد المليشيات والمرتزقة، لاسيما مع إعادة نشر عدد من الوحدات والسرايا المتخصصة في مكافحة الارهاب وحروب المدن في محاور العاصمة طرابلس.
  • وجود بديل استراتيجي كفء: لا تمثل قاعدة “الوطية” المعقل الوحيد للجيش الليبي المتاح لإسناد ودعم محاور القتال، إذا يمتلك الجيش الوطني قواعد أخرى قادرة على تقديم ذات الخدمات اللوجستية لمحاور القتال المختلفة، وعلى رأسها قاعدتي “الجفرة و سرت” الجويتين وسط البلاد، والتي تستخدم فعليًا لدعم وحدات القوات المسلحة في الجنوب وفى محاور القتال غربًا منذ فترات طويلة. 
  • تجنب استنزاف القدرات والأصول العسكرية: يأتي قرار الاخلاء في ظل تصاعد وتيرة الهجمات الجوية والقصف المدفعي والصاروخي عبر كافة الوسائل التي تحصلت عليها مجموعات المرتزقة والحشد المليشياوي، الى جانب البوارج التركية بسواحل ليبيا، وتكبدت القوات المتمركزة بالقاعدة العديد من الخسائر في الأفراد والمعدات نتيجة عمليات القصف والإغارة، لذلك يحاول الجيش حفظ سلامة القوات والاصول التابعة له بالقاعدة من الاستنزاف عبر إعادة نشرها في مواقع جديدة أكثر تناسبًا مع الحالة الميدانية الراهنة.
  • الضغط على المليشيات المتوقع تمركزها بالقاعدة: سيتطلب تأمين قاعدة بحجم وموقع “الوطية” مجهودًا عسكريًا كبيرًا، وستضطر مجموعات الحشد المليشياوي الى تخصيص قطاع من قوتها وعتادها لفرض السيطرة عليها، وستكون ملتزمةً بتوفير دعم وإمدادات مستمرة لضمان بقاء القاعدة تحت سيطرتها. وقد يؤدي هذا الدعم والإبقاء على قوة بالقاعدة للتأثير -بشكل أو بآخر- على قدرات المليشيات، ويمكن أن يؤدي الى استنزاف تلك القدرات عبر توجيه ضربات جوية وعمليات نوعية متتالية ضد المليشيات التي ستتمركز بالقاعدة.

ويتكشف من حالة القاعدة وخلوها من أية عناصر أو معدات للجيش أن عملية الانسحاب تمت وفق خطة عملياتية، وأنها جاءت في سياق سيناريو جديد يستهدف الجيش الوطني فرضه على مجريات الصراع، ومن المؤكد أن شراسة العمليات العسكرية في ليبيا سيتجه الى التصاعد، لا سيما معارك العاصمة طرابلس، بل وتقدمات الجيش الليبي في محور شرق مصراتة. ولكن ذلك الاتجاه ومساراته تحتم على دول المنطقة، والجوار الليبي بشكل خاص، الانتباه الى التحركات التركية القادمة في الغرب الليبي، والتي ستستهدف إرباك المسارات السلمية واستمرار القتال وتدفق المرتزقة واستنزاف الثروات الليبية، بل وتوريط الدولة الليبية في مزيد من الاتفاقيات غير الشرعية، وإدخالها مباشرةً حيز التنفيذ في مناطق الغرب الليبي، ليصبح بذلك غرب ليبيا أول ولايات (الدولة العثمانية الساقطة) التي يقترب أردوغان من ربط مصيرها بقراره وأهوائه.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى