آسيا

تراجع المعجزة الاقتصادية للصين: بين الدعاية الغربية والواقع

لم يعد من الأمور المُسلم بها بعد الآن أن الصين سوف تصبح أكبر اقتصاد في العالم، فقد تراجع هذا الطموح أمام العديد من الأطروحات الجديدة الخاصة بتراجع الاقتصاد الصيني إلى الحد الذي سيدفع بالحكومة لبذل جهود تحفيزية يمكن وصفها بالضخمة، إذا ما أرادت التحايل على أزمة اقتصادية أبرز سماتها مسألة الرهون العقارية الشبيهة بأزمة الرهون العقارية الأمريكية في 2008.

ولكن على الرغم من النظر لحزم التحفيز الحكومية باعتبارها قد تكون قادرة على إعادة تنشيط النمو المحلي في الصين، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار التراجع الاقتصادي، وهو ما يمكن تفسيره بأن الحزم التحفيزية الحكومية ليست كافية في الحالة الصينية، فقد أصبحت الدولة أحوج ما يكون لتغيير سياساتها الاقتصادية، في وقت أصبح فيه التدخل بفرض تدابير مؤقتة مجرد عامل وقت يبطئ من مسألة التدهور الاقتصادي ولا يمنعها.

وهو ما يطرح تساؤلًا أساسيًا حول الأسباب التي أدت إلى تدهور وضع الاقتصاد الصيني، وتراجع آمال بكين في أن تصبح الاقتصاد الأكبر في العالم، وللإجابة على هذا السؤال ينبغي الالتفات للأوضاع العالمية في السنوات الأخيرة والتي تميزت بأحداث طارئة وغير اعتيادية، منها ما انتهى ولا زالت تداعياته مستمرة مثل جائحة كوفيد 19، ومنها ما يزال مستمرًا بتبعياته متمثلًا في الحرب الروسية- الأوكرانية بكل التغيرات الجيوسياسية المصاحبة لها، وانبثاقًا من هذا الطرح يمكن التفصيل للتراجع الاقتصادي في الصين على النحو التالي:

التعافي الباهت من تبعات كورونا: اتخذت بكين إجراءات قاسية اندرجت تحت استراتيجية صفر كورونا وكان لها أثر سلبي بالغ على أداء الاقتصاد الصيني، ولحق بهذه القيود الصارمة التي فرضت إبان كوفيد فترة تعافي باهتة، قوبلت بتحديات هيكلية ترجع لطبيعة الاقتصاد الصيني الذي يعتمد بشكل مفرط على قطاع العقارات، إضافة إلى ارتفاع مستوى الديون الداخلية بشكل غير مسبوق، مصحوبًا بانخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

التشاؤم المحيط بقطاع العقارات: إن الحساسية الزائدة التي نشأت حول العقارات في الصين باعتباره قطاع أصبح متعثرًا، جعلت الأسر الصينية شديدة الحذر حول الإنفاق بشكل عام مما أدى إلى تراجع محركات النمو، إضافة لازدياد المخاوف حول معدلات البطالة حتى وإن كانت الحكومة الصينية قد توقفت عن إصدار البيانات ذات الصلة. 

العراقيل التجارية بين بكين وواشنطن: هناك إدراك متزايد بأن الانفصال الاقتصادي والمالي بين الصين والولايات المتحدة من المرجح أن يستمر. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تقليص مساهمة الصادرات الصينية في النمو، وتعطيل استيراد المدخلات الصناعية البالغة الأهمية، وتقويض الاستثمار الأجنبي المباشر.

تحول الاستثمار الأجنبي إلى وجهات أخرى: وذلك بسبب تحويل الشركات الغربية استثماراتها من الصين إلى الهند مصحوبًا بتصاعد المخاوف، وأظهر تقرير صادر عن مجموعة روديوم أن الشركات الأمريكية والأوروبية تحول استثماراتها بعيدًا عن الصين إلى أسواق نامية أخرى، حيث تتلقى الهند الغالبية العظمى من رأس المال الأجنبي المعاد توجيهه، تليها المكسيك وفيتنام وماليزيا.

وقال التقرير إن الشركات الغربية تعمل على تكثيف الاستثمار في هذه الأسواق لمنحها خيارات عند الحصول على السلع المجمعة والسلع الحساسة من الناحية الجيوسياسية، مثل أشباه الموصلات، وكذلك لتقليل اعتمادها على الصين في سلاسل التوريد الخاصة بها.

وتدير هذه الشركات ظهورها لثاني أكبر اقتصاد في العالم حتى مع استمرار زيادة حصتها في النمو العالمي، مما يسلط الضوء على مدى تأثير المخاوف بشأن بيئة الأعمال في الصين والانتعاش الاقتصادي والسياسي على أذهان المستثمرين الأجانب.

وحسب التقرير فإن قيمة الاستثمارات الأمريكية والأوروبية المعلنة في المجالات الجديدة في الهند ارتفعت بنحو 65 مليار دولار أو 400% بين عامي 2021 و2022، في حين انخفض الاستثمار في الصين إلى أقل من 20 مليار دولار العام الماضي، من ذروة بلغت 120 مليار دولار في عام 2018.  

ومع اشتداد المنافسة بين الهند والصين على النفوذ في جنوب آسيا، يصبح الاستثمار الأجنبي أكثر أهمية في تشكيل النتائج الإقليمية. وتكتسب هذه المنافسة أهمية خاصة مع استمرار مبادرة الحزام والطريق الصينية في التوسع، حيث وصلت إلى حدود كل دولة في جنوب آسيا تقريبا. وسوف تحتاج الهند إلى الاستفادة من المساعدات والاستثمارات الأجنبية لتحقيق هدفها المتمثل في أن تصبح لاعبًا رائدًا في جنوب آسيا.

وقد دفع هذا التطور الهند إلى تسريع مشاريع البنية التحتية في المنطقة. ويدرك صناع السياسات في الهند الحاجة إلى مواجهة مشاريع مبادرة الحزام والطريق لحماية الاستقرار الإقليمي ومنع المزيد من التآكل في الفضاء الاستراتيجي للهند.

ويتعين على الهند أن تجمع بين الجهود الدبلوماسية وأنشطة التنمية الضخمة للانتقال من لاعب متوازن إلى لاعب رائد في المنطقة. ومع ذلك، يواجه النهج الحالي الذي تتبعه الهند في التعامل مع المساعدات والتنمية الإقليمية العديد من التحديات – بما في ذلك الموارد المحدودة التي تقيد شراكاتها مع الدول الأخرى. 

وهناك عقبة أخرى تتمثل في تسليم المشاريع في الوقت المناسب، وهو أمر ضروري لبناء الثقة والمصداقية. كما يمكن أن تؤثر البيئة السياسية في البلد المضيف أيضًا على تنفيذ المشاريع. وقد واجهت الهند معارضة سياسية في بعض البلدان، مثل حملة India Out في جزر المالديف.

تقديم حزم تحفيز متواضعة: تتهرب الحكومة الصينية من اتباع سياسات واضحة فيما يتعلق بتقديم حزم تحفيز “ضخمة” لدفع عجلة الاقتصاد وتستعيض عن ذلك بتقديم حزم صغيرة، إلى جانب التعبير عن نواياها لتسريع الانتقال إلى قطاعات جديدة في النمو مثل الصناعات “ذات القيمة المضافة العالية” والطاقة الخضراء والرعاية الصحية والذكاء الاصطناعي، وهي تدرك أن نموذج النمو هذا يستغرق وقتًا طويلًا مقارنة بتحفيز الاقتصاد حكوميًا. 

وتتخذ بكين من طوكيو في هذا السياق نموذجًا يجب الحذر منه أو اجتنابه، فبعد الفقاعة العقارية في اليابان خلال التسعينيات، أدت الحوافز الحكومية الكبيرة إلى عودة قوية في الأسواق والاقتصاد. وارتفعت أسهم طوكيو بنسبة 80% بين منتصف عام 1992 ومنتصف عام 1993، وتسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي من الصفر تقريبًا إلى 3%. ومثل هذا الحلقة الكاذبة الأولى حيث تلاه تباطؤ طويل الأمد، ويضاف إلى ذلك أن الصين حذرة في مسألة الإنفاق الحكومي للتقليل من حجم الديون ولكن هذا لا يعني أن الحكومة الصينية رفعت يدها بالكامل، حيث بدأت السلطات الصينية في الأسابيع الأخيرة في طرح تدابير تحفيزية تدريجية، بدءًا من قواعد الإقراض العقاري الأسهل إلى التخفيضات الضريبية لبعض مشتري المنازل. 

ويضاف إلى ما تقدم أن بكين لديها سجل سيئ في مسألة رفع الإنفاق الحكومي وتحديدًا في الفترة من 2003 وحتى 2013 عندما كان “وين جياباو” في منصب رئيس الوزراء، وأطلق العنان لخطة إنفاق حكومية ضخمة بعد الأزمة المالية في 2008، وعلى الرغم من خروجه من المسرح السياسي منذ ما يزيد عن عقد من الزمان لكن إرثه لا يزال قائمًا، فقد أسفرت خطته لتخصيص 4 تريليون يوان (555 مليار دولار)، أو حوالي 13% من الناتج المحلي الإجمالي للصين في عام 2008، في كل شيء من السكك الحديدية إلى المطارات، في تراكم الديون التي لا تزال تطارد بكين حتى اليوم. وفي السنوات التي تلت ذلك، تضاعفت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصين إلى نسبة هائلة بلغت 280%. ولذلك فإن بكين عاجزة جزئيًا عن التحرك بسبب هذا التراكم علاوة على ذلك، فإن ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة يحد من مدى قدرة الصين على استخدام السياسة النقدية المتساهلة لدعم أسواق العقارات لديها، من دون التسبب في تدفق رأس المال إلى الخارج وانهيار عملتها.

-بنوك الظل ومخاطرها على الاقتصاد: يشير مصطلح بنوك الظل – وهو المصطلح الذي تمت صياغته في الولايات المتحدة في عام 2007 – إلى الخدمات المالية المقدمة خارج النظام المصرفي الرسمي، والذي يخضع لرقابة شديدة.

في المقابل، يمكن لمؤسسات بنوك الظل إقراض الأموال لمزيد من الكيانات بسهولة أكبر، لكن هذه القروض لا يتم دعمها بنفس الطريقة التي يتم بها دعم البنوك التقليدية. وهذا يعني أن الطلب المفاجئ والواسع النطاق عليها يمكن أن يكون له تأثير الدومينو. علاوة على ذلك، فإن الرقابة التنظيمية المحدودة على نظام الظل المصرفي تجعل من الصعب معرفة الحجم الفعلي للديون – والمخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد.

وعندما تنبهت السلطات الصينية إلى هذه المخاطر، فرضت قيودًا تنظيمية على بنوك الظل دفعت بالمطورين العقاريين إلى مصادر أخرى للتمويل وسداد القروض، معتمدين على مسألة البيع المسبق للعقارات والتباطؤ في عمليات البناء حتى تغطية تكاليفها. ومع هذه المعلومات التشاؤمية يصبح التفكير الأهم في مستقبل الاقتصاد الصيني.

توقعات المستقبل

تدرك بكين في المقام الأول أنه لا يمكن العودة للقواعد القديمة للعبة وأن عودتها كمحرك قوي للنمو الاقتصادي العالمي من غير المرجح في المستقبل القريب. ومن المرجح أن يظل الأداء الاقتصادي باهتًا خلال الفترة المتبقية من عام 2023 والنصف الأول من عام 2024.  وبالإضافة إلى ذلك، ستحتاج السلطات إلى النظر في اتخاذ تدابير أكثر صرامة لإعادة هيكلة الديون، والتي ستؤدي بدورها إلى تراجع في النمو.

إلا أن براعة الصين في مجال التكنولوجيا قد تمثل طوق النجاة لها، حيث لا تزال الصين تتفوق على الولايات المتحدة “بشكل مذهل في بعض الأحيان” في 37 من أصل 44 مجالًا من مجالات التكنولوجيا، من الذكاء الاصطناعي إلى الروبوتات، وفقًا لدراسة أجراها معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي، ولم تنجح الحملة ضد التكنولوجيات الحساسة “سياسيا” مثل وسائل التواصل الاجتماعي في إبطاء المليارات من إعانات دعم الصادرات الجديدة للتكنولوجيات الأقل حساسية، مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية.

وعلى الرغم من محاولات دول العالم لتنويع مصادر اعتماداتها بعيدًا عن بكين، إلا أن الأمر سيستغرق سنوات حتى تتمكن الدول من التحليق بعيدًا عن الفضاء الصيني تمامًا، لأن بكين في كل الأحوال تمثل نقطة مركزية للغاية في سلاسل التوريد العالمية.

ولذلك فإن التوقع بانهيار الاقتصاد الصيني أمر مبالغ فيه للغاية، حيث تمر معظم الاقتصادات بحالات ركود ولكن غالبًا ما يلحق بها انطلاقة جديدة، خصوصًا أن الاقتصاد الصيني المبني على اقتصاد “السوق الاشتراكي” يتم التحكم فيه وإدارته بإحكام من قبل الحزب الشيوعي الصيني، القادر على استخدام جميع موارد البلاد لتطوير اقتصاده ومنع الاقتصاد والنظام المالي من الانهيار.

وفي الوقت نفسه، هناك القليل من الدلائل التي تشير إلى أن الشعب الصيني يتطلع إلى التمرد، حيث ارتفعت القومية الثقافية والسياسية الصينية منذ أن أطلقت إدارة ترامب حربها التجارية مع الصين. وتساعد مثل هذه القومية الحزب الشيوعي الصيني على الاحتفاظ بسلطته، بل إنها تساعده في تحميل مسؤولية المشاكل الاقتصادية بسهولة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية.

+ posts

باحث أول بالمرصد المصري

نيرمين سعيد

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى