سوريا

كيف نفهم نظرة الروس للأتراك في ظل تصادم أنقرة مع دمشق في إدلب؟

بعد تحركات الجيش السوري الأخيرة في إدلب، أصبحت أنقرة تشعر بالغضب الشديد، خاصة بعد إنهيار طموحاتها في سوريا وشعورها بالحصار بين ملاحقة الجيش السوري لها تحت غطاء طيران روسي من ناحية، ومن ناحية أخرى بين إحساسها بأن نفوذها –العثماني – المكتسب بعد جهد طويل في سوريا على وشك التلاشي والتحول إلى خسارة محققة. وعليه تندد تركيا وتطلق التهديد والوعيد لكل من يحاول القفز على مكتسباتها هناك، ولكن هنا يبقى السؤال هل من المحتمل بالفعل حدوث مواجهة عسكرية شاملة وتصادم بين الجيش السوري وتركيا في إدلب؟، وإن حدث من هو الفائز الأكثر ترجيحًا، وكيف ستتعامل موسكو مع حدوث مثل هذا التطور؟

أبعاد الاختلافات الروسية التركية 

تحت غطاء من الصداقة الزائفة أو على الأقل ما يمكن أن يطلق عليه التقارب الجزئي، ظن العديد أن الروس والأتراك قد يجمعهم بالفعل تحالف حقيقي على كافة الأصعدة. ولكن أمرًا من هذا ليس حقيقيًا، لعدة أسباب يأتي على رأسها حقيقة أن السياسة هي لعبة تقوم على المصالح، وعدوك الحقيقي والدائم هو من لا تتفق مصالحك مع مصالحه، ولهذا السبب لا يوجد حليف دائم أو عدو دائم. وفي حالة روسيا وتركيا، فإنه من الممكن القول إنه يوجد لعلاقاتهما وجهان، وجه صديق والآخر عدو. والوجهان يسيران معًا وبالتوازي. بمعنى آخر توجد صداقة على هذا الصعيد، واشتباك على صعيد آخر. وفيما يتعلق بسوريا، فإن روسيا سوف تظل دائمًا تنظر إلى تركيا باعتبارها مهدد رئيسي لتحركاتها هناك، ولأجل الوقوف على أسباب الرؤية الروسية. يجب المرور اولاً بتاريخ الخلافات بين البلدين للإجابة على سؤال حول كيف افضت الظروف الى ما يطلق عليه عداء روسي تركي على الجبهة السورية؟

يعيد المشهد الروسي التركي الجاري في الوقت الحالي على الجبهة السورية، الى الأذهان نفس مشهد الحرب البادرة التي دارت بين البلدين خلال الأعوام 2015 – 2016. حيث تتكرر نفس المخاوف لدى البلدان فيما يتعلق بمستقبل آخر معاقل المعارضة السورية في محافظة إدلب بالشمال الغربي للبلاد. حيث تعتزم دمشق –تحت غطاء روسي- تدمير بقايا الإسلاميين في البلاد والقضاء عليهم بشكل كامل، مما يثير غضب أنقرة التي تحاول أن تمنع الأمر فينتهي بها الحال الى مقتل 8 جنود أتراك في سوريا. فيتعقد المشهد حتى يصل الى درجة استبعاد احتمالية أن تهدأ الخلافات ويتوصل الطرفان إلى توافقات بعد لقاء مباشر بين بوتين وأردوغان كما جرت العادة، نظرًا لأن الأمر هذه المرة أكبر من أي مرة سابقة.

في 2015، أصبحت روسيا وتركيا خصمان في حرب مختلطة على الجبهة السورية، عندما دعمت تركيا الميليشيات المسلحة فيما قرر الجيش الروسي الدخول على خط المواجهة إلى جانب قوات الجيش السوري النظامية، ثم تفاقمت الأوضاع بين البلدين بشكل أكبر بعد أن أسقط الجيش التركي طائرة روسية في نوفمبر من نفس العام كانت تحلق فوق الأراضي السورية، فصعدت روسيا المواجهة إلى حد أن فرضت حظر على سفر السياح الروس إلى تركيا وفرض حظر تجاري كذلك. وتزامنت هذه العقوبات المؤلمة في فترة يعاصر فيها الاقتصاد التركي أزمات حادة. ترتب عليها أن تقدم أردوغان باعتذار رسمي لبوتين في يونيو 2016، نتج عنه أن رفعت روسيا العقوبات، وعادة الدول مرة أخرى إلى نطاق ما يعرف باسم –العلاقات الودية- وبدأ العمل على تقرير مصير سوريا. 

وصولاً إلى العام 2019، عندما كانت روسيا قادرة على التدخل لوقف هجوم الأتراك على كردستان السورية، ولكنها مع ذلك لم تفعل. ولهذا السبب بدأت الصورة الذهنية للعلاقات بين البلدين لدى العالم في التغير نحو تصورات حول صداقة روسية تركية محتملة، خاصة في ظل صفقة منظومة الطائرة إس 400 التي اشترتها تركيا من روسيا، أو في ظل التفاهمات المتعلقة بمشروعات الغاز المشتركة بينهما “خط السيل التركي”. 

ولكن أيًا من هذه التفاهمات كما قلنا، لا يمكن أن يُخرج روسيا عن الإطار العام لمصالحها التي تتضارب وبوضوح مع المصالح التركية، خاصة حول آخر معاقل المعارضة المسلحة السورية في إدلب أو حتى حول بعض المسائل الأخرى في الشرق الأوسط، والتي يختلف حولها الطرفان بوضوح. على سبيل المثال، يظهر لعين المتابع بوضوح كيف أن الولايات المتحدة الأمريكية تخلت عن حلفائها –وكلائها الأكراد في المنطقة- بعد تعرضها لضغط وإلحاح من إردوغان الذي كان يطمح أن يحصل لنفسه على كامل كردستان، بما في ذلك المناطق التي تحتوي على قوات سورية وقوات شرطة عسكرية روسية. فيضطر الأكراد بعد ذلك، تحويل أنظارهم صوب روسيا التي لطالما جمعتهم بها علاقات متوترة بحكم تقاربهم مع واشنطن. وعليه يظهر بوتين على الساحة ويجتمع بإردوغان، وينتج عن هذا اللقاء أن يحصل أردوغان على شريط ضيق فقط على الحدود بينه وبين سوريا بدلاً من كردستان بالكامل. وهذا بالطبع يقود إلى شعور تركيا بالإحباط بعد أن فشلت في الحصول على نتائج حقيقية مُرضية في كردستان السورية. 

فيقرر أردوغان أن يعبث مرة أخرى مع المصالح الروسية بالشرق الأوسط، ولكن في مكان آخر وهذه المرة على الساحة الليبية، ويتوجه صوب عقد تحالف -لم ترفضه روسيا فحسب- ولكن العالم بأٍسره كذلك، فيدعم حكومة الوفاق الوطني تحت قيادة فايز السراج. وهكذا تفاقمت الأمور، وباتت الرغبات الروسية في مناهضة النفوذ التركي بالمنطقة تتنامى بشكل أكبر، بفعل تصرفات أردوغان التي لا تكتفي أبدًا من رغباتها في التمدد والتوسع، حتى في مقابل هؤلاء الذين وقفت أمام العالم بأسره ودعتهم في يوم من الأيام بكلمة “أصدقاء”.  

وما زاد الأمور تعقيدًا، أن قامت تركيا في أواخر عام 2019، بنقل أكثر من أربعة آلاف من المرتزقة السوريين “مرتزقة سوريون يعملون كوكلاء لتركيا” إلى ليبيا، بالإضافة الى عدد صغير من القيادات ومشغلي المعدات الثقيلة من الجيش التركي. وبغض النظر عما تكبدته هذه القوات من خسائر، تجدر الإشارة في هذا السياق، الى أسباب تجعل من الموقف الروسي تجاه أنقرة أكثر حدة. وهو ما ورد على صفحات صحيفة “ذا انفيستيجيتيف جورنال” في تقريرٍ لها، أوردت من خلاله نقلاً عن المرتزقة الأتراك والمعروف عنهم التزامهم الشديد بتنفيذ كل ما تصدره اليهم الحكومة التركية من تعليمات، “أن الدافع الوحيد بالنسبة لهم للقتال في دولة أفريقية –بالإضافة الى الحصول على الأموال الوفيرة ووعود بالجنسية التركية مستقبلاً- هو رغباتهم في العثور على العناصر العسكرية الروسية هناك وقتلها”. ومن المعقول أن تصريح مثل هذا، قبل أن يُنقل على لسان الصحافة، قد وصل بالتأكيد الى السلطات الروسية، التي تتعرف على طبيعة دوافع ما يقولون على أنفسهم –شركاء وأصدقاء- من خلال تحركاتهم الحقيقية على الأرض أولاً، وقبل ما يستمرون في ترديده من تصريحات.

هل تندلع الحرب؟! هل تنتصر تركيا؟! 

هناك قاعدة أساسية تنص على أن “من يفعل لا يقول، ومن يقول لا يفعل”. بمعنى آخر، أن إردوغان ومنذ أن بدأت الأمور تنقلب رأسًا على عقب، ويشعر بأن مكتسباته في سوريا باتت في نطاق مرمى نيران الجيش السوري الذي يستمد تأييده المطلق من حليفه الروسي. وهو لم يتوقف عن التنديد، والشجب، والحجب وتوجيه الإنذارات، وإطلاق الوعيد واشارات التهديد بالحرب تارة، وتارة أخرى يقوم بالتحرك صوب أوكرانيا لأجل الضغط على موسكو. ولو كان إردوغان يملك بالفعل في يده، بزمام الأمور ويستطيع أن يفرض سيطرته بالكامل على إدلب – كما يقول- واتخاذ خطوات حقيقية لأجل منع أي هجوم محتمل من قِبل الجيش السوري، لما كان قد بذل كل تلك الجهود وأنفق الأموال –على هيئة دعم عسكري مضاد لأوكرانيا- فقط لأجل إقناع روسيا بتحويل مسار الحرب في إدلب لصالحه.

وعليه يدرك أردوغان بوضوح أنه يخسر، وتدرك روسيا كذلك بوضوح أكبر أنها تكسب وتنتصر، وهذا أمر واضح بحكم موازين القوى. التي تقتضي بأن تخسر تركيا في حال قيامها بالتحرك صوب عملية عسكرية شاملة في إدلب، لأن تركيا لا يمكنها أبدًا أن تتحمل عملية عسكرية واسعة النطاق في إدلب في مواجهة الجيش السوري المدعوم من الدفاع الجوي الروسي. في حين يتعقد الوضع على الساحة الليبية بالنسبة لها بشكل كبير، خاصة في ظل وجود القوة التركية المحدودة تحت وطأة المخاطر المحدقة، في الوقت الذي يصعب على تركيا فيه إرسال المزيد من التعزيزات إلى مطار طرابلس الذي يتعرض باستمرار لهجمات من قِبَل الجيش الوطني الليبي.

وختامًا،

 يُمكن أن نخلص إلى استنتاج يقتضي بأن الحرب لن تندلع، لأن تركيا لا تقوى عليها من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن موسكو لن ترغب في حدوث أمرًا كهذا. إذ أن تركيا لا تزال حليفًا مرغوبًا في وجوده بالنسبة لموسكو، التي لا ترغب في أن تذهب أنقرة فتلقي بنفسها في أحضان واشنطن، فيترتب على ذلك إعادة “الدفء” مرة أخرى للعلاقات التركية الأمريكية، وهو أمر لا ترغب فيه موسكو. 

+ posts

باحث أول بالمرصد المصري

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى