
بعد نجاته من سحب الثقة: هل ينجح “مودي” في الفوز بولاية ثالثة في انتخابات 2024؟
لا يوجد خلاف حول أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يمثل ازدواجًا في المعضلة للمهتمين بالشؤون الهندية؛ فالرجل الذي لا يهزم يسير رافعًا بيد شعار “النيوليبرالية” وباليد الأخرى يعزف على نغمة الهندوسية التي يرى فيها حاضنته الشعبية. ورغم هذا التناقض فقد نجح في الالتفاف على الكثير من المطبات في مسيرته السياسية، كان آخرها نجاة متوقعة من سحب للثقة في البرلمان الهندي ضمن هجمة مرتدة يتزعمها المعارض راهول غاندي على خلفية أحداث عنف عرقية في ولاية “مانيبور”. وحول ذلك يثار التساؤل حول نجاح “مودي” في الفوز بولاية ثالثة في الانتخابات العامة خلال عام 2024.
وللإجابة على هذا التساؤل ينبغي بداية التعريج على أسباب نجاح “مودي” في اجتياز سحب الثقة في البرلمان الهندي بسبب تكرار حوادث العنف العرقي التي اختار “مودي” دائمًا نوعًا من الصمت العقابي في التعامل معها؛ إذ لم تكن المعارضة حين طرحت سحب الثقة من رئيس الوزراء تراهن على أنها ستخرج منتصرة لأن حزب “مودي” “بهاراتيا جاناتا” يسيطر على البرلمان، وإنما مثل النجاح بالنسبة لها مجرد إحضار رئيس الوزراء إلى البرلمان ليلقي خطابًا وليتعرض لهذه التجربة للمرة الثانية في ولايته، وذلك قبل انتخابات عامة من المقرر إجراؤها في 2024. أو بعبارة أخرى وضع حزب “بهاراتيا جاناتا” في قفص الاتهام بشأن مجموعة كاملة من القضايا، تبدأ بالفشل في الإدارة وتطبيق القانون في “مانيبور”، والتي يعتقدون أنها نتيجة للسياسات المثيرة للانقسام التي يتبعها الحزب منذ توليه السلطة.
ولكن هل يعد نجاح “مودي” في اجتياز سحب الثقة مؤشرًا على النجاح في الانتخابات العامة القادمة؟ اتصالًا بما سبق، تزامنت محاولة سحب الثقة مع خسارة حزب “بهارتيا جاناتا” في انتخابات ولاية “كرناتكا”؛ فقد أسفرت الانتخابات الإقليمية التي جرت بالولاية الواقعة جنوبي الهند عن فوز ساحق لحزب “المؤتمر الهندي” على حساب حزب “بهاراتيا جاناتا” الذي كان يحكم الولاية منذ عام 2019. ففاز حزب المؤتمر بـ 136 مقعدًا في المجلس المكوّن من 224 مقعدا، وكان يحتاج 113 مقعدًا على الأقل لكسب الغالبية التي تؤهله لتشكيل الحكومة القادمة في الولاية. في حين حصل “بهاراتيا جاناتا” على 64 مقعدًا فقط، بعدما كان زعماؤه يتوقعون فوزه بأكثرية المقاعد. ومن الناحية الشكلية، تضيف هذه الخسارة من حيث التوقيت المزيد من الضغط على الحزب الحاكم من ناحية الثقة في الأداء خلال الانتخابات القادمة.
أما من الناحية الموضوعية فتعكس نتائج الانتخابات الأخيرة في “كرناتكا” رفضًا واضحًا لسياسة كراهية المسلمين التي انتهجها حزب “بهاراتيا جاناتا” وعلى رأسه ناريندرا مودي نفسه. ويضاف إلى ذلك أن “بهاراتيا جاناتا” لم يستطع حتى الآن تثبيت موطئ قدم له في ولايات جنوبي الهند بما فيها ولاية “كرناتكا” التي اتُهم بأنه حكمها بعد الانتخابات السابقة عام 2019 “بشراء ذمم بعض النواب أو بالتحالف مع أحزاب صغيرة” لتكوين حكومته. فشعبيته تنحصر في ولايات قلب الهند
وإذا نظرنا إلى المناطق المحيطة، خارج قلب الهند، سيظهر أن “بهاراتيا جاناتا” لا يسيطر على “تاميل نادو” ولا يُتوقع أن يفعل، وكذلك لا يملكون السيطرة على “كيرالا”. ولهذه الولايات مواقف أيديولوجية متناقضة مع الحزب الحاكم. وكذلك توجد هويات إقليمية قوية لا تتمثل في الحزب الحاكم، حيث يعد هذا الحزب حزبًا هنديًّا شماليًّا يتحدث الهندية فقط ويمثل الطبقة العليا. لذا فالأشخاص غير الهندوس، كالمقيمين في “كشمير” والسيخ في “بنجاب” عادة لا يصوتون لحزب “بهاراتيا جاناتا”، وما سبق هو ديناميكية استطاع “مودي” إتقانها بامتياز؛ إذ يتمتع بشعبية شخصية، ولكنه لا يزال غير قادر على قيادة حزب “بهاراتيا جاناتا” للسيطرة على أغلبية الولايات.
ومن هذا الاتجاه، قد يتخذ البعض نتائج الانتخابات في ولاية “كرناتكا” كبوصلة لنتائج الانتخابات في باقي الولايات منها “مادهيا براديش” و”تشاتيس كره”، ومقدمة للانتخابات العامة في مايو 2024. خصوصًا أن أحزاب المعارضة لو قررت ترشيح مرشح موحد في كل دائرة، فلن يستطيع “بهاراتيا جاناتا” الفوز. فضلًا عن أن فوز حزب “المؤتمر الهندي” في ولاية “كرناتكا” سيشجع أحزاب المعارضة على التكتل لإلحاق الهزيمة “ببهاراتيا جاناتا”.
من ناحية أخرى، فإن اتهامات الفساد لرئيس الوزراء الهندي وحزبه قد تشكل ضربة خلال الانتخابات القادمة، وقد تم تعليق حكم الإدانة مؤخرًا عن زعيم المعارضة راهول غاندي الذي يتزعم نشر هذه الأطروحة، وتمكن من استعادة مقعده في البرلمان. وحسب ما تروج له المعارضة، فقد نمت مجموعة شركات “أداني” بشكل ملفت؛ إذ استأجرت العديد من المطارات والموانئ في الهند وخارجها؛ ومنها ميناء حيفا في إسرائيل، وحظيت بحقوق حصرية للتنقيب على الفحم وإنتاج الكهرباء، وبعضها من دون مراعاة الشروط الرسمية، وتمكنت من الحصول على قروض ضخمة من البنوك ومؤسسات التمويل الهندية الحكومية.
وعليه، فقد لجأت المعارضة إلى المحكمة العليا؛ مطالبة بإصدار أمر للحكومة بإجراء تحقيق حول وقائع الفساد، وطالبت الحكومة الهندية المحكمة بمناقشة القضية بشكل سري؛ بدعوى ارتباطها بالأمن القومي للبلاد، إلا أن رئيس المحكمة العليا رفض وأنشأ لجنة لتقصي الحقائق والوقوف على مدى الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الهندي. وتسعى أحزاب المعارضة إلى استغلال قضية فساد “أداني” وارتباطها برئيس الوزراء لمحاصرة الحكومة.
يرجح ما تقدم إذًا تراجع “مودي” في الانتخابات العامة القادمة، إلا أن مبررات تقدمه لا تقل رجاحة؛ فمن ناحية يعد اجتيازه لمسألة سحب الثقة تأكيدًا أنه لا يزال يتمتع بالشعبية المطلوبة على الرغم من تناقضاته الفجة، ولا تزال المعارضة بعيدة عن منافسته أو إقصائه، خصوصًا أن حزب “المؤتمر” يمتلك وزنًا أقل بكثير حاليًا على الساحة السياسية، وتقوّضه المعارك الداخلية والانشقاقات، بعدما كان في السابق تشكيلًا مهيمنًا على المشهد السياسي الهندي لدوره في نهاية الاستعمار البريطاني. ويتضح ذلك حتى من استطلاعات الرأي؛ إذ ان شعبية “مودي” لم تتأثر، فتظهر نتائج الاستطلاعات أن مستوى التأييد “لمودي” يزيد على 60%، ما يعني أن فرص فوزه بولاية ثالثة في الانتخابات العامة المقبلة كبيرة.
ويضاف إلى ما تقدم أن “مودي” المنتمي إلى “النيوليبرالية” يبدو عصيًا على الهزيمة؛ فعلى الرغم من نزعة الهندوسية العدوانية التي أثارت رعبًا في عام 2002 بعد مذابح للمسلمين في “كجرات”، استطاع “مودي” الوصول لكرسي الحكومة. وعلى صعيد المعارضة، لا يفتقر حزب “المؤتمر” للشعبية فقط ولكن حتى اليسار البرلماني لا يزال ضعيفًا، علاوة على أن العلاقة بين اليسار والحركة المناهضة للطائفية متوترة تاريخيًّا، وللأحزاب الشيوعية تحديدًا تاريخ طويل من إهمال مركزية قضية الطائفة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية الهندية.
كذلك تظل الجالية الهندية في الخارج مصدرَ دعم كبير لحزب “بهارتيا جاناتا” الحاكم؛ فمنذ وصوله إلى السلطة في عام 2014، حرص رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، خلال زياراته إلى البلدان الأجنبية، على التواصل والالتقاء ليس فقط مع المغتربين الهنود، ولكن أيضًا مع الأشخاص المنحدرين من أصل هندي. وقد ساعدت هذه السياسة الحزبَ الحاكم على تعزيز شعبيته داخل البلاد وخارجها، وساعدته من الناحية المالية أيضًا.
خلاصة القول، يُنظر إلى الانتخابات العامة بوصفها محسومة لولاية ثالثة لناريندرا مودي الذي نجح في إعادة تعريف الهندوسية والديمقراطية والممارسات الاقتصادية، وأسهمت أجندته القومية في إعادة انتخابه في العام 2019. ولكن في كل الأحوال، لا توجد صيغة سياسية معينة للنجاح في بلد مترامي الأطراف ومتعدد اللغات والأعراق والأديان والهويات المحلية مثل الهند، بل هناك حاجة للتأكد من أن الأحزاب السياسية تدرك الحقائق الميدانية التي تتغير باستمرار، ليس من ولاية إلى ولاية فحسب ولكن أيضًا داخل الولاية الواحدة؛ ذلك أن الناس في الهند يصوتون بطرق مختلفة في الانتخابات الوطنية وفي انتخابات الولايات، ففي انتخابات الولايات تكون القضايا المحلية مهمة وتتراجع على صعيد الانتخابات العامة.
ومع وجود ضبابية حول كيف سيستخدم حزب “المؤتمر” انتخابات “كرناتكا” لاكتساب زخم في حملته في الانتخابات العامة، يصبح فوز “مودي” مرجحًا لأنه مدرك لهذا الواقع. فالحقيقة أن “مودي” بذل كل ما باستطاعته وقاتل بشراسة، ربما لأنه كان يعلم مسبقًا حقيقة يتداولها الكثيرون وهي أن “كرناتكا” تعد الولاية الهندية الوحيدة التي لم تكرر انتخاب أي من الحكومات التي حكمتها مرتين متتاليتين على مدى الأربعين سنة الماضية، مع اتهامها عادة لكل حكومة من حكوماتها بالفساد وعدم الكفاءة. غير أن هذه الهزيمة لا تعني بالتأكيد أنها ستتكرر في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها العام المقبل، فالحزب لا يزال قويًا ومرشحًا للفوز بولاية ثالثة متصلة، خاصة أنه يهيمن هيمنة ساحقة على البرلمان الاتحادي، ويسيطر بمفرده على ثمانٍ من حكومات الولايات الهندية، ويحكم ست ولايات أخرى من خلال الائتلاف مع أحزاب أخرى.
باحث أول بالمرصد المصري



