اغتيال “العقال” واستمرار استراتيجية قطع الرؤوس
أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في الثاني عشر من يوليو الجاري اغتيال زعيم تنظيم داعش في سوريا “ماهر العقال”، إثر ضربة جوية نفذتها طائرة مسيرة أمريكية في بلدة جندريس شمال غرب سوريا، وقد حظيت هذه العملية بأهمية كبيرة سواءً في ضوء طبيعة المُستهدف- لكون “العقال” واحدًا من أهم خمس قيادات في داعش في الفترة الحالية- أو على مستوى الرسائل والدلالات التي حملتها العملية، خصوصًا وأنها تأتي بالتزامن مع زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الشرق الأوسط.
من هو “ماهر العقال”؟
أحد العوامل الرئيسة التي أكسبت العملية الأمريكية الأخيرة أهمية نوعية ارتبط بطبيعة المُستهدف؛ إذ يعد “العقال” واحدًا من أهم قادة داعش في الفترة الحالية، وزعيم التنظيم في سوريا أو “والي الشام” كما يطلق عليه التنظيم، وكان “العقال” قياديًا بارزًا في داعش أثناء فترة سيطرة التنظيم على مدينة الرقة.
كذلك أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن “ماهر العقال” هو شقيق “فايز العقال”، والي الرقة السابق وأحد القيادات الكبيرة للتنظيم (تم اغتياله في يونيو 2020). وبالإضافة إلى قيادته لما يُعرف بولاية الشام، كان “ماهر العقال” مسؤولًا عن ملف التمويل الخارجي للفرع السوري للتنظيم، بما يدعم تنفيذ العمليات الإرهابية على الأراضي السورية، وهي المعطيات التي تعكس أن هذه الضربة للفرع السوري للتنظيم سيكون لها انعكاسات كبيرة سواءً على مستوى الهيكل الداخلي للتنظيم في ضوء تفاقم أزمة القيادة، أو على مستوى قدرة التنظيم على جلب التمويلات الخارجية، في ضوء مركزية ومحورية القائد في هذه التنظيمات.
سياق العملية
حظيت عملية تصفية “العقال” ببعض الخصوصية؛ وذلك في ضوء السياق الذي تأتي فيه، على النحو التالي:
1- جاءت عملية اغتيال “العقال” بالتزامن مع الزيارة التي يقوم بها الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الشرق الأوسط، وقد سعى “بايدن” إلى توظيف هذه العملية سياسيًا قبيل الزيارة، حيث أشار إلى أن “تصفية زعيم داعش في سوريا يُخرج إرهابيًا رئيسًا من الميدان”، في رسالة ضمنية تحمل تأكيدًا على أن عملية مواجهة الإرهاب لا تزال أولوية بالنسبة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
2- تزامنت عملية اغتيال “العقال” مع تصاعد المؤشرات على توجه تركيا نحو شن عملية عسكرية جديدة في الشمال السوري، وهو ما أعلن عنه الرئيس التركي في يوم 23 مايو الماضي، زاعمًا أن الهدف من هذه العملية هو إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري ومواجهة ما عدّه تهديدات إرهابية، وقد أعلنت واشنطن عن معارضتها لأي عملية عسكرية تركية في الشمال السوري، في أكثر من مناسبة، وبالتالي يبدو أن أحد الأهداف الضمنية لاغتيال “العقال” تتمثل في الرغبة الأمريكية في طمأنة قوات سوريا الديمقراطية وحلفاء واشنطن خصوصًا الأكراد.
3- تأتي عملية اغتيال “العقال” بالتزامن مع تصاعد الأنباء عن اعتقال تركيا لزعيم تنظيم داعش “جمعة البغدادي” المكني بـ “أبو الحسن الهاشمي القرشي”، وعلى الرغم من عدم وجود تأكيد رسمي حتى هذه اللحظة للعملية، إلا أن كافة المؤشرات تؤكد إلقاء السلطات التركية القبض على أحد قادة داعش المهمين، وفي السياق ذاته أشار العديد من التقارير إلى مقتل أبي حمزة الهاشمي القرشي المتحدث باسم تنظيم داعش، هذا فضلًا عن اغتيال زعيم التنظيم الأسبق أبي إبراهيم القرشي في فبراير الماضي، وهو ما يعني أن العملية الأخيرة للولايات المتحدة ستسهم في مفاقمة الأزمة الداخلية للتنظيم خصوصًا على مستوى القيادة، في ضوء تصاعد استهداف قادة التنظيم.
دلالات ورسائل مهمة
حملت عملية اغتيال “العقال” العديد من الدلالات والرسائل المهمة، التي يمكن تناولها على النحو التالي:
1- جاءت عملية اغتيال “العقال” بعد شهر واحد فقط من إعلان التحالف الدولي لمواجهة داعش، الذي تقوده الولايات المتحدة عن اعتقال “هاني الكردي” المعروف بـ “والي الرقة”، إثر عملية إنزال بطائرة هليكوبتر في منطقة بشمال سوريا خاضعة لسيطرة قوات المعارضة، وهو توجه يعكس حرص واشنطن على استهداف قيادات التنظيم، بما يدعم تأكيد رواية محورية دور واشنطن في مكافحة الإرهاب، خصوصًا مع منافسة روسيا وتركيا لها في هذا الصدد، ويُطمئن من جانب آخر حلفاء واشنطن في سوريا، خصوصًا في ضوء الارتدادات السلبية الكبيرة لمثل هذه الضربات على تنظيم داعش.
2- بعيدًا عن النشاط الملحوظ لواشنطن منذ بداية العام الحالي على مستوى مكافحة الإرهاب في سوريا، وهو ما تجسد في العمليات المتتالية والنوعية التي شنتها الولايات المتحدة منذ مطلع العام الحالي، إلا أن اللافت أن عملية اغتيال “العقال” عبر طائرة مسيرة، وكذا عملية اعتقال “الكردي” تمت عبر الإنزال الجوي، وهو ما يعكس من جانب محورية “الدور الجوي” في هذه العمليات، فضلًا عن الدور الاستخباراتي؛ إذ إن هذه العمليات تتم في ضوء عمليات استخباراتية دقيقة، وهو ما يرجح اختراق الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية لصفوف التنظيم.
3- مثلت عملية اغتيال “العقال” استمرارًا للنهج الأمريكي الأخير القائم في مسألة مكافحة الإرهاب بشكل رئيس على استراتيجية “قطع الرؤوس”، وهي الاستراتيجية التي أدت إلى تعرض التنظيم في السنوات الأخيرة للعديد من الضربات النوعية التي أدت إلى مقتل أغلب قيادات الصفين الأول والثاني، سواء على مستوى القيادة المركزية للتنظيم أو على مستوى الأفرع، وهو الأمر الذي أدى إلى تراجع أعداد المؤهلين لتولي القيادة، ما أحدث هزات عنيفة داخل التنظيم سوف تدفع بشكل أو بآخر إلى إضعاف قدرته على مستوى ممارسة النشاط الإرهابي في سوريا، خصوصًا وأن هذه العمليات تتزامن مع تصاعد قدرات قوات سوريا الديمقراطية، وجبهة تحرير الشام، فالأولى تدعمها واشنطن، والثانية تتغاضى الولايات المتحدة عن مواجهتها في المرحلة الراهنة، خصوصًا مع فك الهيئة ارتباطها بتنظيم القاعدة.
4- نشرت صحيفة النبأ الأسبوعية مقالها الافتتاحي في العدد 347 تحت عنوان “استعن بالله ولا تعجز”، وهو المقال الذي دعا عناصر التنظيم الإرهابي إلى “الصبر والثبات وعدم الانهزام أمام الضربات التي يتلقونها”، وأشار المقال إلى أنه “ليس شرطًا أن يُدرك عناصر التنظيم النصر”، وأنه يجب عليهم “الامتثال للأوامر الشرعية” وفق نص المقال، في تأكيد ضمني على اغتيال “العقال”، وفي محاولة للتعاطي مع حالة اليأس الداخلية والأزمة المعنوية التي أصابت عناصر التنظيم، خصوصًا مع تصاعد استهداف قادة الصف الأول والثاني في التنظيم.
5- من الملاحظ أن معظم قادة تنظيم داعش يتمركزون في مناطق الشمال السوري وبالتحديد المناطق القريبة من الحدود مع تركيا، وهي المناطق التي تحظى فيها أنقرة بحضور ونفوذ كبير، وهو وجود يرتبط من جانب بسعي هذه التنظيمات لمواجهة قوات سوريا الديمقراطية والأكراد بشكل عام، ويؤكد من جانب آخر أن هذه المناطق باتت تمثل ملاذًا آمنًا بالنسبة لعناصر وقيادات التنظيم للاختباء فيه وممارسة النشاط الإرهابي، ما يخلق ذريعة لتركيا للتدخل وتعزيز النفوذ في الشمال السوري.
وختامًا، يمكن القول إن اغتيال الولايات المتحدة لزعيم تنظيم داعش في سوريا سوف تكون له ارتدادات داخلية سلبية على التنظيم بطبيعة الحال، خصوصًا في ضوء أزمة القيادة التي يعاني منها، بما يؤثر على النشاط العملياتي للتنظيم، لكن التنظيم وفي ضوء اعتياده على اغتيال قياداته سوف يتعاطى مع هذه العملية ويبدأ في إعادة هيكلة صفوفه واستئناف نشاطه العملياتي في ضوء استراتيجية “فترات عدم التمكين”.



