
الصين تجري تدريبات عسكرية على نماذج لحاملات طائرات أمريكية.. هل تدق طبول الحرب؟
تظهر لقطات استطاعت شركة “ماكسار تكنولوجيز” المختصة بالتصوير الحصول عليها قيام الصين ببناء نماذج مجسمة لحاملات الطائرات الأمريكية بالحجم الطبيعي، والتدرب على استهدافها بالصواريخ، وذلك في منطقة صحراوية داخل حدودها قرب مسار للسكة الحديد؛ في إشارة إلى احتمالات حدوث صدام بحري مع الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل التصعيد في الجزيرة التايوانية. وحسب موقع المعهد البحري الأمريكي المستقل فإن مجسمات السفن الأمريكية هي جزء من حلبة رماية جديدة طورها جيش التحرير الصيني؛ إذ جرت التدريبات على نماذج لمدمرة “جيرالد آر فورد” ومدمرة “آرلي بورك” في صحراء تاكلاماكان وسط الصين.
أظهرت الصور التي تم التقاطها أن بكين تواصل التركيز على مقاتلة حاملات الطائرات والسفن الهجومية. علاوة على ذلك فإن النموذج الذي قامت الصين بإنجازه يتفوق على نظيره الإيراني في الخليج؛ ذلك أن النموذج الصيني مجهز بمعدات قياس.
وإمعانًا في توقع احتمالات سيناريو الحرب، تمكنت بكين من تطوير منظومة صواريخ يتم إطلاقها من البر والبحر والجو لديها إمكانات لإغراق السفن المنافسة ومن ضمنها صاروخ باليستي يعرف بـ carrier Killer“”. وعلى طرف النقيض تعمد واشنطن إلى تزويد الجزيرة التايوانية بمنظومة سلاح متطورة حسب ما ينص عليه القانون الأمريكي، مع الوضع بالاعتبار أن وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت تقريرًا أشارت خلاله إلى أن الصين تقوم بتطوير قدراتها النووية بوتيرة أسرع بكثير من المتوقع، وأن هذا الأمر يدعو للقلق.
بكين تحذر
في نفس السياق، نشرت صحيفة The Global Times الصينية التي يُديرها الحزب الشيوعي الحاكم، مقالًا شديد اللهجة حذرت فيه قيادات الجيش الأمريكي مرارًا من تهديد الوجود الصيني في تايوان أو محاولة تغيير الوضع الحالي بأي طريق كان. المقال ركز على تصريحات وزير البحرية الأمريكي كارلوس ديل تورو، التي أعرب خلالها عن قلقه بشأن “التوسع السريع” للبحرية الصينية، وسط تحذيرات متزايدة من أن بكين قد تتحرك عسكريًا للسيطرة على تايوان بالقوة. واختتم المقال بالتأكيد على أن الولايات المتحدة إذا استمرت في تشجيع سلطات تايوان على السير في طريقها الخاص فستحل المواجهة العسكرية في نهاية المطاف بلا شك.
ومن نفس المنظور، أثار خبر دعوة الصين مواطنيها إلى تخزين الغذاء والمواد الضرورية حالةً من التكهنات داخل البلاد وخارجها، بشأن دافع بكين للدعوة التي نالت تغطية مكثفة حول العالم، وفتحت باب التأويلات على مصراعيه. وهو ما جعل الكثير من المحللين وخصوصًا على الصعيد الداخلي يطرحون سيناريو أن الحرب مع واشنطن حول تايوان قد أوشكت.
تصعيد أمريكي
على الطرف الآخر من المعادلة، تعمدت واشنطن استعراض قوتها في بحر الصين الجنوبي وفي خضم توترات متزايدة مع بكين وتحديدًا في يوليو الماضي، حيث أشارت وزارة الخارجية الصينية إلى إن الولايات المتحدة أرسلت سفنها عمدًا إلى بحر الصين الجنوبي لاستعراض عضلاتها واتهمتها بمحاولة “دق إسفين” بين دول المنطقة.
ويرجع التصعيد الأمريكي إلى تقارير كشفت عنها المخابرات الأمريكية مؤخرًا، ومنها تقرير يظهر أن الصين على وشك القيام بعمل عسكري لمحاصرة تايوان بذريعة أنه تدريب للبحرية والطيران الصيني في نهاية هذا العام أو العام المقبل. علاوة على ما وُصف بأنه توغل قياسي لسلاح الجو الصيني في منطقة الدفاع الجوي التايوانية، بَعد دخول 56 طائرة حربية صينية منطقة الدفاع الجوي الخاصة بتايوان، وهو أكبر توغل للقوات الجوية الصينية يتم الإبلاغ عنه على الإطلاق.
أسباب رادعة منها لعبة الرقائق
إذا كنا قد أفردنا للسيناريو الذي يتوقع الحرب، فإن هناك سيناريو أكثر ترجيحًا في ظل الأزمة الاقتصادية وأزمة الطاقة التي تضرب العالم، مع الوضع بالاعتبار أن جزءًا كبيرًا من أزمة الولايات المتحدة مع الصين حول تايوان تتعلق بقضية إنتاج الرقائق الإلكترونية؛ إذ تسيطر تايوان بالفعل على أكثر من 56% من الحصة السوقية للرقائق الإلكترونية، التي تدخل في صناعة الأجهزة الإلكترونية، مثل “بل” و”إنتل”.
وتدخل هذه الرقائق أيضًأ في صناعة الأسلحة الأمريكية، مثل الطائرات الشبحية من الجيل الخامس إف-35، مما يجعل مسألة الحفاظ على خطوط الإمداد التايوانية أمرًا لا يمكن المزاح بشأنه، وهو عامل أساسي يحرك واشنطن للمزيد من التقارب مع تايبيه. وقد نجحت شركة (تي إس إم سي) التايوانية في احتكار أنواع معينة من أشباه الموصلات وشرائح الذاكرة والمعالجات الدقيقة، مما دفع واشنطن إلى عقد اتفاق معها لبناء مصنع لتلك المنتجات في ولاية أريزونا بتكلفة 12 مليار دولار ضمن مشروع تبلغ قيمته مئة مليار دولار لنقل التكنولوجيا التايوانية إلى واشنطن.
وعلى الصعيد الصيني، فإن بكين تتخوف من حلفاء واشنطن في المحيط الهادئ وما إذا كانوا سينضمون لها إذا سارت المقادير إلى لحرب، ومنها اليابان وكوريا الجنوبية والهند وأستراليا. من زاوية أخرى تشكل الأسلحة التي تمتلكها تايبيه والتي وفرتها لها واشنطن عامل ردع آخر لبكين، خصوصًا إذا علمنا أنه في عام 2019 وافقت إدارة ترامب على بيع تايوان مقاتلات إف-16 في صفقة وصلت قيمتها إلى 8 مليارات دولار.
والأمر الذي يزيد من المخاوف الصينية ما كشفت عنه صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية حول وجود عناصر قوات خاصة أمريكية في تايوان يصل عددهم إلى حوالي 30 عنصرًا، ومهمتهم تدريب الجيش التايواني وتقديم الخبرات المطلوبة له لصد أي غزو صيني.
وربما نذهب إلى أبعد من ذلك إذا فهمنا أن موقف واشنطن يبدو أكثر تشددًا من مجرد تدريب جيش تايبيه –فعندما سُئل الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في الشهر الماضي عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان إذا شنت الصين هجومًا، بدا الرئيس أنه يبتعد عن السياسة الأمريكية القائمة منذ فترة طويلة بشأن “الغموض الاستراتيجي” عندما أجاب: “نعم، لدينا التزام للقيام بذلك “.
ولإيضاح ذلك؛ فإن القانون الأمريكي للعلاقات مع تايوان لعام 1979 والذي يحدد سياسة “الغموض الاستراتيجي” للولايات المتحدة تجاه تايوان، لا يلزم واشنطن صراحة بالدفاع عن تايبيه في حالة العدوان، ولذلك فهم البعض تصريحات بايدن الأخيرة على أنها مقدمة لخلافات في البيت الأمريكي داخليًا.
بالون الاختبار
أمام السيناريوهات التي تم ذكرها سلفًا لا يبقى أمام بكين إلا جس النبض لمعرفة مدى جدية واشنطن حول حماية تايوان، وذلك بالطبع عن طريق إطلاق الصين لبالون اختبار دون تكلف عناء الدخول في حرب شاملة ضد القوة الأعظم، وفي هذا المنحى، يمكن للجمهورية الشعبية أن تقوم “بعمل محدود أكثر” – بالاستيلاء على “كينمن وماتسو”، وهما مجموعتان من الجزر الصغيرة تحكمهما تايبيه وتطالب بها بكين مثل بقية تايوان.
هذا خصوصًا أن الصين لديها طموحات أكبر تتعلق بتعميق نفوذها في منطقة الإندو- باسيفيك التي تشهد توترًا ملحوظًا منذ منتصف العام الحالي تصاعدت حدته مؤخرًا، حيث حذر وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” في أول نوفمبر 2021 نظيره الصيني من القيام بأي تحركات أحادية ضد تايوان.
ويقصد بمنطقة الإندو- باسيفيك جغرافيًا كل الدول المطلة على المحيطين الهادئ والهندي، وهي تشمل المياه الاستوائية للمحيط الهندي بالكامل وغرب ووسط المحيط الهادئ، وتضم دول منطقة شرق آسيا، ودول الآسيان، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وبعض دول أمريكا اللاتينية وشرق إفريقيا المطلة على المحيطين، فضلا عن أستراليا ونيوزيلندا، والدول الجزرية بابوا نيوغينيا وجزر فيجي.
وفي تحرك سريع ومضاد، أعلن وزير الخارجية الصيني في 20 أكتوبر 2021 عن عقد أول اجتماع لوزراء خارجية الصين ودول جزر الباسيفيك لتعزيز التعاون الدولي والإقليمي بينها، حيث تقدم الصين لتلك الدول قروضا طويلة الأجل لتطوير البنية التحتية لها في إطار مبادرة (الحزام والطريق).
ويمكننا أن نخلص إلى أن احتمالات الحرب بين الصين والولايات المتحدة قائمة، ولكن في نفس الوقت فإن ارتفاع التكلفة يشكل رادعًا للطرفين بحيث يظهر فيه الحفاظ على الوضع القائم حاليًا على سوئه أفضل السيناريوهات بل أكثرها أمانًا، فمن ناحية تتمكن واشنطن من استمرار استخدام تايبيه كورقة ضغط تلوح بها كلما رأت ذلك مناسبًا، ومن ناحية أخرى فإن لم تتمكن بكين من ضم تايوان لها فإنها ستحافظ في كل الأحوال على الحكم الذاتي الذي يضمن لها فيما بعد إمكانية ضم تايبيه.
باحث أول بالمرصد المصري



