العالم العربي

“ربط الدوائر”.. بماذا يخبرنا وصول الغاز المصري إلى سوريا ولبنان؟

اتفق وزراء الطاقة في مصر وسوريا والأردن ولبنان على تقديم خارطة عمل وجدول زمني لاستئناف ضخ الغاز المصري إلى لبنان الذي يعيش ظروفًا اقتصادية وسياسية خانقة أدت إلى تداعي مرفق الطاقة لديه، وذلك بعد اجتماع ضم وزراء الطاقة في العاصمة الأردنية عمان، في الثامن من سبتمبر الجاري. 

ويجيء الاتفاق الأخير لوزراء طاقة دول “خط الغاز العربي” بعد سلسلة من الاجتماعات التي استضافتها العاصمة الأردنية منذ يونيو الماضي لتشكيل لجان فنية في مجالي الغاز والكهرباء، وإعداد الدراسات الفنية والتقنية للازمة للإيفاء بمتطلبات تشغيل خط الغاز العربي الذي تضرر جزئيًا في سوريا جراء الحرب المستعرة في البلاد وأدت إلى تعطيل عمل الخط وتباعًا نقل الغاز المصري إلى لبنان منذ العام 2011. 

مراحل الخط الثلاث

يعد مشروع خط الغاز العربي من أهم مشاريع التعاون العربي المشترك والذي تجسد بشكل واضح على الأرض منذ توقيع مذكرة التفاهم بين سوريا ولبنان لإنشاء الخط في العام 2000، وسرعان ما انضمت لاحقًا مصر والأردن، ويمكننا تقسيم تنفيذ الخط لثلاثة مراحل:

المرحلة الأولي: وبدأت بمد خط من العريش وصولًا إلى العقبة بطول 265 كم، وتم البدء في ضخ الغاز الطبيعي من مصر إلى الأردن بموجب هذه المرحلة في يوليو من العام 2003.

المرحلة الثانية: وبدأت من العقبة وصولًا إلى منطقة رحاب في شمال الأردن، بطول 393 كم، وتم البدء بضخ الغاز لمحطات توليد الكهرباء في شمال الأردن في فبراير من العام 2006. 

المرحلة الثالثة: وبدأت من الحدود الأردنية حتى مدينة حمص في وسط سوريا بطول 320 كم ومن ثم الدخول في مرحلة لاحقة إلى مدينة طرابلس اللبنانية، ودخل هذا الخط الخدمة الفعلية في يوليو من العام 2008. 

مكنت هذه المراحل الثلاث مصر من تصدير غازها إلى لبنان عبر الأردن بداية من نوفمبر 2009، حتى توقفت عمليات التصدير تمامًا في العام 2011، على وقع اندلاع الحرب السورية من بؤرة الربط الرئيسية “الجنوب السوري”، علاوة على تعطل عمليات الإنتاج المصرية.

إلا أنه وبعد مُضي عقد من الزمان، يعود خط الغاز العربي مجددًا إلى واجهة تطورات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وخطوط الطاقة؛ بنفس فواعله الإقليمية ومساراته البرية والبحرية، مع عدة فروقات في الظرف الجيوسياسي قياسًا على ظرف تدشينه وعمله حتى العام 2011، منها خروج سوريا من معادلة القوة العربية على إثر اندلاع ما يُسمى “بالربيع العربي”، وتمدد تركي في شمالي العراق وسوريا، وآخر إيراني من كامل العراق لوسط سوريا “شرق وغرب الفرات” وصولًا للساحل والجنوب السوري. علاوة على تبوء مصر موقع “مركز تداول الطاقة” في الإقليم بُعيد تحقيقها للاكتفاء الذاتي من الغاز واستحواذها على فائض الغاز الإسرائيلي والقبرصي لتسييله وإعادة تصديره للسوق العالمية وخاصة الأوروبية.

وتجدر الإشارة إلى حصول مصر على استحقاقها كمركز إقليمي لتداول الطاقة مع تعطل تدشين أي من خطوط الغاز القطرية والإيرانية التي تقاطعت في سوريا، وكانت من ضمن أسباب اندلاع الحرب فيها حسبما أعلن الرئيس السوري صراحةً في العام 2016، أن رفض دمشق لمد خط غاز ينطلق من قطر ويمر عبر أراضيها كان من بين أسباب الحرب. واستمر تعطل هذه الخطوط بالرغم من انتهاء المعارك الكبرى في سوريا لصالح الحكومة السورية. 

فمازال الميدان السوري بمثابة نقطة تماس لخمسة جيوش (الأمريكي – الروسي – السوري – الإيراني – التركي) تشكل جميعها ثلاثة مناطق للنفوذ (الحكومة السورية وروسيا وإيران – تركيا – الولايات المتحدة والمكون الكردي)، وبالرغم من ثبات مناطق النفوذ في سوريا إلا أنها تملك محفزات التغيُّر، الأمر الذي يضع سوريا خارج حسابات الاستحواذ على موقع “عقدة الغاز” في المنطقة لتعاظم المخاطر الأمنية، لكنه يبقيها في موقع يُقارب مكانة ودور الأردن كنقطة وصل لوجستية في أفضل التقديرات.

دبلوماسية الطاقة.. أداة تمدد الدور المصري

يتضح من العرض السابق، امتلاك مصر لإمكانات تتيح لها تلبية احتياجات دول جوارها من الطاقة سواء على صعيد حيازة مصر لفائض من هذه الطاقة (الغاز + الكهرباء)، أو تهيئتها للمسرح الإقليمي بما يواكب خططها لتدشين شراكات استراتيجية تستند بالأساس على المصالح الاقتصادية المتبادلة عوضًا عن الشراكات الأمنية البحتة، لهدف أكبر يتمثل في صيانة المنظومة الأمنية للإقليم التي تعرضت لانكشافات عنيفة خلال العقد الماضي، أدت إلى تهديد الأمن القومي العربي بصورة عامة، والأمن القومي المصري بصورة خاصة.

فبعد أن قطعت القاهرة شوطًا كبيرًا بأداة “دبلوماسية الطاقة” لتوطيد تحالفها مع كل من قبرص واليونان، ودورها الرئيسي في تدشين المنظمة الإقليمية لمنتدى غاز شرق المتوسط؛ شكلت حالة التداعي الشديد لمرفق الكهرباء في لبنان، ظرفًا مواتيًا لتفعيل دبلوماسية الطاقة المصرية في اتجاه استراتيجي جديد، يتصل عضويًا بالأمن القومي المصري، انطلاقًا من هذه الحيثيات:

  • يشكل قطاع الكهرباء في لبنان ما يقرب من نصف الدين العام، أي حوالي ما يقرب من 40 مليار دولار. 
  • العودة التدريجية لسوريا للمنظومة الدولية والعربية، حيث بات التعامل الغربي مع الحكومة السورية أخف وطأة من ذي قبل، بدءًا من الاتفاق حول آلية إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود بين الولايات المتحدة وروسيا، وصولًا إلى استقبال دمشق للمبعوث الأممي “جير بيدرسون” الذي عقد جولة مباحثات مع الحكومة السورية ووصفها بأنها “جيدة للغاية” قبل يومين. كما شكّل الضوء الأخضر من الولايات المتحدة لوجود سوريا في معادلة نقل الغاز المصري للبنان واستثنائها من عقوبات قانون “قيصر”، مؤشرًا حول مقاربة أمريكية جديدة تجاه التعامل مع الحكومة السورية، وخاصة إذا تم الأخذ في الاعتبار جولات الحوار الأمريكي – الروسي في جينيف وتطرقها للمسألة السورية والوجود الإيراني في البلاد. 
  • الالتزام الأمريكي بمحاصرة النفوذ الإيراني في الحالة اللبنانية، فهناك فيتو أمريكي على تزويد لبنان بالطاقة الإيرانية، ولعل في استقدام الامين العام ميليشيا حزب الله، حسن نصر الله، لشحنات من الوقود الإيراني، خرقًا لجملة العقوبات المفروضة على إيران، وتعزيزًا لارتهان لبنان وحكومته بأدوات الضغط الإيرانية، إذا ما نظرنا إلى الحالة العراقية الإيرانية، حيث طوعت إيران منافذ توريدها للطاقة ضمن أدوات الضغط السياسي على بغداد. حيث أوعزت الإدارة الأمريكية للبنك الدولي لتوفير المظلة المالية اللازمة للبنان لإتمام عملية التزود بالغاز المصري.
  • عودة الجيش العربي السوري إلى درعا؛ إذ يتزامن الاتفاق على استئناف ضخ الغاز المصري للبنان مع نجاح الجيش السوري بدعم سياسي روسي من الدخول لمدينة درعا للمرة الأولي من العام 2011، والتي تشكل بوابة سوريا الجنوبية والممر الأكثر خطورة –مع حمص- لخط الغاز العربي. وكذا، أعلن اليوم، وزير النفط السوري أن خط الغاز العربي في سوريا الذي تعرض لعشرات الاعتداءات الإرهابية بات جاهزًا لنقل الغاز المصري إلى لبنان، وصرح لوكالة سانا الرسمية أن سوريا ستحصل على كميات من الغاز مقابل مروره عبر أراضيها بموجب الاتفاقيات الموقعة. 

من الحيثيات السابقة، تشكلت دائرة ثانية لدبلوماسية الطاقة المصرية، بجانب دائرة شرق المتوسط، لتتجه الأنظار حول استدارة الغاز المصري نحو الشرق قليلًا باتجاه العراق. حيث بحث وزير النفط العراقي مع نظيره السوري، في أبريل الماضي، الاستفادة من الغاز المصري، ونقله من الأراضي السورية للعراق. 

لتتشكل الدوائر الثلاث الموضحة بالصورة السابقة، وفق المتغيرات الجيوسياسية التي نقلت مصر لتبوء موضع “المركز الإقليمي لتداول الطاقة” فيما أبقت ديناميكيات الحرب سوريا كمنصة لوجستية بدلًا من كونها عقدة الغاز في المنطقة، حيث رُبطت هذه الدوائر من خلال مصفوفتي الشام الجديد، والتحالف الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان، وتقارب وجهات النظر حيال القضايا الإقليمية بين دول المصفوفتين.

بيد أن الاختلاف في طبيعة الأدوار بين مصر والعراق وسوريا والأردن ولبنان، دفع باتجاه بلورة أطر تكاملية عبّرت عنها احتياجات الطاقة، لكنها لم تدفع التهديدات الإرهابية بعيدًا. فبغض النظر عن كون دوائر نشاط دبلوماسية الطاقة المصرية؛ الأكثر أمنًا في إقليم مشتعل، إلا أن تهديدات ومخاطر تفشي ظاهرة الإرهاب في كل من سوريا والعراق، وامتلاك لبنان لمحفزات الاقتتال الطائفي، تزيد من الحاجة لتنفيذ مقاربة وطنية في هذه الدول، لمواكبة –على أقل تقدير- رؤية مستقبلية للربط بين الخليج وسوريا بما يدعم من الإطار التكاملي العربي ويوقف نزيف منظومته الأمنية منذ عقد مضى.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى