أفغانستان

تفجيران بمطار كابل الدولي… “داعش خراسان” المتهم الرئيسي

تزامنًا مع تسارع الدول الغربية لإجلاء أكبر عدد ممكن من رعاياها والمتعاونين معها عبر مطار حامد كرزاي الدولي، وقع مساء الخميس 36 أغسطس، تفجيران انتحاريان في محيط مطار كابل بالقرب من فندق البارون الذي يقيم به أجانب، مسفرًا عن 13 قتيلًا على الأقل بحسب تصريحات لوكالة أنباء رويترز لمسؤول في طالبان، مؤكدًا أيضًا إصابة عناصر تابعين للحركة يعملون كحراس خارج المطار، فيما قال مسؤول بوزارة الدفاع الأمريكية أن5 جنود من الجيش الأمريكي كانوا من بين المصابين، بينما أكدت وزارة الدفاع التركية أن قواتها بعيدة عن دائرة الخطر.

السياق والتداعيات

يأتي الحادث بعد تحذير مشترك صدر عن الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا يحظر مواطنيهم من خطر وشيك يهدد مطار كابل الدولي بناءً على معلومات استخباراتية موثوقة للغاية، ويطالبهم بمغادرة المنطقة على الفور. وأصدرت السفارة الأمريكية إنذارًا أمنيًا قبل الانفجار حثت الأمريكيين على تجنب المطار جاء فيه: “يجب على المواطنين الأمريكيين الموجودين عند بوابة المطار أو البوابتين الشرقية والشمالية الآن المغادرة على الفور”.

وصرح وزير القوات المسلحة البريطانية جيمس هيبي، صباح اليوم، بأن “هجومًا وشيكًا وقاتلًا يمكن أن يحدث في مطار كابول في غضون ساعات”. كما حثت أستراليا مواطنيها على الابتعاد عن المطار، محذرة من “خطر كبير للغاية بوقوع هجوم إرهابي في المطار”. وقالت وزيرة الدفاع الألمانية أنجريت كرامب كارينباور إن خطر وقوع هجمات من قبل مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في مطار كابول يعيق جهود الإجلاء. كما أفاد رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو إن بلاده تلقت معلومات على المستوى العسكري من الولايات المتحدة ودول أخرى تفيد بوجود مؤشرات على وجود تهديد بشن هجمات انتحارية على الجماهير.

وتشير المعلومات إلى تورط تنظيم داعش خراسان في الهجومين كونهما يحققان له عدة أهداف، أولها، إرسال رسالة بأنهم لا يزالون قوة لا يستهان بها. وثانيها، تحدي حركة طالبان وتصويرها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها الدولية بتأمين عمليات الإجلاء عبر مطار كابول. وثالثها، يُعتبر الحشود والطائرات والبنية التحتية في المطار هدفًا مثاليًا لإيقاع عدد كبير من الضحايا. ورابعا، تتسق الهجمات مع اعتبار داعش لطالبان والأفغان المتعاونين مع الولايات المتحدة “مرتدين”.

ويهدد الحادث الإرهابي والأوضاع الأمنية المضطربة عمليات الإجلاء التي تتم على قدم وساق قبل الموعد النهائي في 31 أغسطس، مع إصرار حركة طالبان على عدم تمديد الموعد لأي سبب. وفي حين غادر ما يقرب من 90 ألف أفغاني وأجنبي من عبر الجسر الجوي الذي تقوده الولايات المتحدة، أعلنت الدنمارك وبولندا وبلجيكا انتهاء عمليات الإجلاء، وقالت الحكومة الهولندية إن الولايات المتحدة طلبت منها المغادرة يوم الخميس. كما قال رئيس الوزراء الهولندي مارك روته إن الهولنديين أوقفوا رحلات الإجلاء.

وأعلن القائم بأعمال رئيس أركان الدفاع الكندي، الجنرال واين إير، أن كندا أوقفت عمليات الإجلاء من مطار كابول، وأضاف آير: “نتمنى لو بقينا لفترة أطول وإنقاذ كل من كان يائسًا جدًا من المغادرة. أننا لم نتمكن من ذلك أمر مفجع حقًا، لكن الظروف على الأرض تدهورت بسرعة”. وأعلنت بلجيكا أن عمليات إجلاء مواطنيها والأفغان الذين تحميهم توقفت مساء الأربعاء 25 أغسطس. وكذلك حذرت فرنسا من توقف جسرها الجوي مساء الخميس 26 أغسطس إذا انهت الولايات المتحدة عمليات الإجلاء الخاصة بها في 31 أغسطس. ويأتي ذلك بعدما طلبت واشنطن من الدول الأخرى مغادرة مطار كابول قبل أن تنهي عملياتها هناك.

ويقوض الهجوم مصداقية طالبان التي التزم قادتها بمنع داعش من التمدد، خاصة أنها تسيطر على كل الحواجز الأمنية على كل الطرق المتجهة لمطار كابل، حيث قال المتحدث باسمها ذبيح الله مجاهد: “نؤكد لكم أننا لن ندع داعش تنشط في المناطق الخاضعة لسيطرتنا”، وقد ادعت الحركة أنها أعدمت الزعيم السابق لداعش أبو عمر الخراساني بعد إطلاق سراحه من السجن مع إرهابيين آخرين. لكن المعطيات على الأرض تشير إلى عدم قدرة الحركة على احتواء مخاطر التنظيم بالنظر إلى عجزها عن بسط السيطرة على كافة أركان الدولة المترامية الأطراف وذات الجغرافيا الوعرة، خاصة وأن أجزاء كبيرة منها تخضع لسيطرة أمراء الحرب المحليين.

ما هو تنظيم داعش خراسان

تأسس تنظيم داعش خراسان في شرق أفغانستان عام 2015، من انضمام إرهابيي جماعة تحريك طالبان باكستان (TTP) إلى المسلحين في أفغانستان وتعهدوا بالولاء لزعيم تنظيم داعش في سوريا والعراق أبو بكر البغدادي. وتُشير “خراسان” إلى منطقة وسط آسيا وجنوب آسيا المحيطة بأفغانستان. ويسعى التنظيم إلى إقامة “خلافة إسلامية” في جنوب ووسط آسيا، وعلى عكس حركة طالبان المحلية، أعربت داعش عن رغبتها في شن هجمات على القوى الغربية والأمم المتحدة، ولا زال التنظيم يحتفظ ببعض الصلات مع القيادة المركزية لداعش في العراق، على الرغم من أن تفاصيل العلاقة غير واضحة.

ويعتمد التنظيم على جذب الأشخاص الأكثر تشددًا الذين هم في الحقيقة معتلون اجتماعيًا، وتاريخيًا جند التنظيم أولئك الذين انفصلوا عن طالبان لا سيما الذين يعتقدون أن الجماعة ضعيفة للغاية أو يرغبون في تحقيق انتصارات عسكرية أكبر، إلى جانب عناصر من باكستان وطاجيكستان وأوزبكستان. ووفقًا لتقرير صادر عن فريق الدعم التحليلي ومراقبة العقوبات التابع للأمم المتحدة، يُمكن أن تتراوح قوة داعش ما بين 500 إلى 10 ألف عنصر. ويشير التقرير إلى أن التنظيم عزز مواقعه في كابول وحولها وشكل خلايا نائمة في العديد من المقاطعات الأفغانية، بما في ذلك نورستان وبادغيس وساري بول وبغلان وبدخشان وقندوز.

وقد شنت داعش خراسان هجمات كبيرة في أفغانستان خلال السنوات الأخيرة، تتمركز حول العاصمة؛ ففي عام 2016، نفذت 6 هجمات في كابول، ارتفعت إلى 18 عام 2017 ووصلت إلى 24 في عام 2018. وفي عام 2020، نفذت إرهابيو التنظيم هجومًا دمويًا في مستشفى للولادة تديره منظمة أطباء بلا حدود بحي تقطنه أغلبية شيعية في كابول مما أسفر عن مقتل 24 شخصًا على الأقل، من بينهم أطفال وأمهات. وبعد أشهر، اقتحم التنظيم سجنًا في شرق أفغانستان كان يحتجز فيه العديد من مقاتليه، وأسفر الهجوم عن مقتل 39 شخصًا على الأقل، بمن فيهم المهاجمون، مطلقًا سراح ما يقرب من 400 من مقاتليه.

وخلال العام الحالي 2021، نفذ التنظيم عشرات العمليات، بلغت بحسب مسؤولو مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة 77 هجومًا في الأشهر الأربعة الأولى. وبخلاف القصف والمجازر، فشل تنظيم داعش خراسان في السيطرة على أي منطقة، وتكبد خسائر فادحة بسبب العمليات التي قادتها طالبان والولايات المتحدة. ومنذ يونيو 2020، أصبح للتنظيم زعيم جديد يُعتقد أنه عربي على عكس أسلافه الباكستانيين.

ورغم أن داعش وطالبان جماعتين سنيتين متشددتين وتدعيان أنهما حاملتا راية الجهاد الحقيقيين، إلا أنهما عدوان لدودان يختلفان في التفاصيل الدقيقة للدين والاستراتيجية. وقد رفض قادة تنظيم داعش خراسان الاتفاق بين طالبان والولايات المتحدة الموقع في الدوحة العام الماضي، وتركزت المواد الدعائية للتنظيم حينها على تصوير الحركة جماعة مرتدة تعمل كعملاء للولايات المتحدة والغرب وباكستان. وبعد سقوط كابول في أيدي طالبان، لم يهنئ تنظيم داعش طالبان على عكس الجماعات الجهادية الأخرى.

وعلى عكس تنظيم القاعدة، الذي يبدو في الوقت الحالي أنه أوقف الهجمات الخارجية، لا يزال تنظيم داعش ملتزمًا بضرب “العدو البعيد” في الغرب إذا كان ذلك ممكنًا، ومن المرجح أن يصبح هذا أولوية أكثر الآن.

ختامًا، يُمكن القول إن مهاجمة مطار كابول سيكون له تأثير مزدوج يتمثل في إلحاق الضرر بالقوات الغربية وفي نفس الوقت تقويض سلطة حكام طالبان الجدد في أفغانستان.

+ posts

باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

ماري ماهر

باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى