
“صيد الأسماك”.. وعودة التوتر بين “باريس” و”لندن” في “جيرسي”
تقع جزيرة جيرسي جنوب البر الرئيسي لبريطانيا، وتعد أكبر جزر القنال الإنجليزي وواحدة من أكبر المنتجعات السياحية، وتعتبر أقرب إلى فرنسا من بريطانيا، حيثُ تقع على بعد 14 ميلا فقط من الساحل الفرنسي، و85 ميلاً من الساحل البريطاني. وتتبع جيرسي لبريطانيا ويتم الدفاع عنها وتمثيلها دولياً من قبل الحكومة البريطانية.
وعلى خلفية الخلاف الفرنسي البريطاني حول حقوق الصيد بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، شهدت جيرسي توترات مُتصاعدة خلال الساعات القليلة الماضية بين لندن وباريس، حيثُ أمر رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، بإرسال سفينتي حراسة تابعتين للبحرية الملكية وسط مخاوف من حصار مُحتمل لجزيرة جيرسي بواسطة قوارب صيادين فرنسيين. وقال إن “أي حصار سيكون غير مبرر على الإطلاق”، مع استعداد أكثر من 100 قارب صيد فرنسي للإبحار إلى الجزيرة.
وكانت السلطات البحرية الفرنسية أعلنت هي الأخرى عن نشر سفينتي دورية فرنسيتين اليوم الخميس في موقع غير بعيد عن جزيرة جيرسي البريطانية، حيث تجمع أكثر من خمسين زورق صيد فرنسي احتجاجا على شروط الصيد المفروضة بعد “بريكسيت”.

لماذا أصبح ملف الصيد البحري إحدى القضايا الشائكة في اتفاق التجارة بعد البريكسيت؟
أثار ملف صيد الأسماك الكثير من الجدل في مفاوضات البريكسيت، وشكّل أزمة كبيرة بين المفوضين، فمن ناحية تحتاج دول الاتحاد الأوروبي إلى النفاذ في المياه البريطانية، حيثُ تحظى بريطانيا بمياه غنية بالأسماك يصطاد فيها الكثير من الأوروبيون ، (يصطاد دول الاتحاد الأوروبي بما يقرب من 700 مليون يورو سنوياً في المياه البريطانية مقابل 150 مليون يورو فقط للمملكة المُتحدة في المياه الأوروبية)، ومن ناحية أخري تحتاج بريطانيا إلى النفاذ للسوق الأوروبية، حيثُ تُعتبر بريطانيا من كبار منتجي السمك، وتُصدر نحو 75% من إنتاجها السمكي إلى الاتحاد الأوروبي.
ومن هُنا جاءت قضية الصيد لتكون على رأس نقاط الخلاف بين دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، قبل أيام قليلة من انفصال الأخيرة بشكل نهائي عن الاتحاد الأوربي في يناير الماضي، إذ اشترط الأوروبيون الحصول على تسوية لمسألة الصيد في مُقابل السماح لبريطانيا بالوصول إلى السوق الـأوروبية الموحدة من دون حصص أو رسوم جمركية.
ثُم جاء اتفاق التجارة الخاص بالبريكست، والذي دخل حيز التنفيذ في يناير الماضي، لينص على أن يستمر الصيادون في الاتحاد الأوروبي بالتمتع ببعض الحقوق في الصيد في مياه المملكة المتحدة كجزء من فترة انتقالية حتى عام 2026. كما أشار إلى ضرورة أن تحصل قوارب الاتحاد الأوروبي التي ترغب في الصيد على بعد 12 ميلا من ساحل المملكة المتحدة على ترخيص، وإثبات أن لديها تاريخا في الصيد في تلك المياه من أجل الاستمرار في العمل، أي تقديم أدلة على أنشطة الصيد الماضية.
الوضع في جيرسي
يشهد ميناء جيرسي احتجاجات من قبل الصيادين الفرنسيين اعتراضاً على حقوق الصيد بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيثُ اشتكى الصيادون الفرنسيون من منعهم من العمل في المياه البريطانية بسبب صعوبات الحصول على التراخيص.
وتتطلب قواعد الصيد الجديدة التي أدخلتها حكومة جيرسي بموجب اتفاقية التجارة والتعاون بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أن تثبت القوارب الفرنسية أن لديها تاريخا في الصيد في مياه جيرسي. لكن السلطات الفرنسية قالت إن الاتحاد الأوروبي لم يبلغ بـالإجراءات التقنية الجديدة للصيد قبالة جزر القنال، ما يجعلها لاغية وباطلة.
توترات مُتصاعدة
تُعتبر التطورات الأخيرة في جيرسي أحدث تصعيد للصراع بشأن حقوق الصيد بين لندن وباريس، ويُمكن القول بأن تصاعد التوترات الأخيرة مُجدداً والتصريحات والتهديدات المُتبادلة بين البلدين يُعتبر أول إشارة على تحول هذا الصراع من الأروقة الدبلوماسية إلى أرض الواقع، وأحدث علامة على الاحتكاك بين الحليفين في الناتو بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي كما يُظهر مرارة البريكسيت بالنسبة للأوروبيين والبريطانيين على حد سواء.
التصعيد الفرنسي للأزمة: اتهمت فرنسا المملكة المتحدة باستخدام الروتين للحد من الصيد حول جيرسي، في انتهاك لاتفاقية بريكسيت المبرمة مع الاتحاد الأوروبي العام الماضي، وقد حذرت وزيرة البحرية الفرنسية، أنيك جيراردين، خلال الأسبوع الجاري، من أن بلادها مستعدة لاتخاذ إجراءات انتقامية بسبب نزاع الصيد مع بريطانيا، وشمل ذلك تهديداً بأن تقوم فرنسا بقطع الكهرباء عن جيرسي، التي يبلغ عدد سكانها 100 ألف نسمة، ويتلقون 95 % من الطاقة الكهربائية من فرنسا عبر ثلاثة كابلات تحت البحر. وأضافت جيراردين أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، الثلاثاء الماضي “في صفقة بريكست هناك إجراءات انتقامية. نحن على استعداد لاستخدامها”.
وفى المقابل أكدت حكومة جيرسي للمواطنين أن “البنية التحتية الأساسية للجزيرة لن تتعطل لأن المرافق المحلية قادرة على تلبية متطلبات الطاقة في حالة حدوث أي انقطاع خارجي”.
وخلال الشهر الماضي شهدت فرنسا حركة احتجاجية من قبل صيادي الأسماك في بولني سور مير، بعد غضبهم من التأخير في الحصول على تراخيص للصيد في المياه البريطانية، وهدف التحرك إلى منع الشاحنات القادمة من بريطانيا المحملة بالمأكولات البحرية أمام دائرة التفتيش البيطري والصحة النباتية، عند وصولها إلى بولوني سور مير، أكبر مركز معالجة المأكولات البحرية في أوروبا. وعلى إثر ذلك دعت باريس المفوضية الأوروبية إلى التحرك “بحزم”، من أجل “تسريع” تنفيذ الاتفاق المتعلق بصيد السمك المبرم مع بريطانيا لما بعد “بريكست”.
من جانبه، أشار فرانك ريستر، الوزير المنتدب لدى الخارجية الفرنسية المكلف بالتجارة والجاذبية الاقتصادية، أمام مجلس الشيوخ الفرنسي أمس أن فرنسا لا تقبل القرارات الأحادية بشأن تصاريح الصيد، وقال إن الشروط الجديدة التي فرضتها لندن لمنح تصاريح الصيد في جزر القنال الإنجليزي، وخاصة جزيرة جيرسي، تناقض “اتفاقية التجارة والتعاون” بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، والتي تنص على أنه “يجب أن تستند الإجراءات الفنية على التوصيات العلمية” ويجرى “الاخطار المسبق بها للسماح بإجراء حوار وتقديم توضيحات”. وفى المُقابل ردت الحكومة البريطانية بغضب يوم الأربعاء على ما وصفته بالتهديدات غير اللائقة وغير المقبولة إثر وابل من التهديدات الفرنسية الصادرة حول إمكانية قطع التيار الكهربائي عن الجزيرة.
باريس تتجه للتهدئة مع لندن: وفى مُقابل هذه التصريحات المُتصاعدة، اتجهت باريس نحو التهدئة مع لندن، حيثُ قالت الرئاسة الفرنسية، في الساعات الأخيرة إن باريس حريصة على ألا يتدهور الوضع في جزيرة جيرسي البريطانية، وأشار مسؤول في الرئاسة الفرنسية إلى أن بلاده تعتبر الوضع في جيرسي “هادئا”، معتبرا أن “اللغة البريطانية بشأن هذه المسألة أدت إلى تفاقم التوترات”.
وفى ضوء ما سبق، يُمكن النظر إلى التوترات الأخيرة بين لندن وباريس في جيرسي على انها تجسيد للمناوشات الموجودة بين البلدين منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع ان تشهد الفترة المُقبلة المزيد من الضغوط من الجانب الفرنسي إلى حين الرضوخ لمطالبها من الجانب البريطاني فيما يتعلق بحقوق الصيد في مياه المملكة المتحدة.
باحثة ببرنامج قضايا الأمن والدفاع



