
السقوط الحر: المشهد في لبنان بين التداعي والتصعيد
مازالت الأزمة في لبنان تراوح مكانها على الصعيد السياسي وتتمدد جذورها بشكل أعمق على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. فبينما يواصل الساسة اللبنانيون التصعيد والتصعيد المضاد في المواقف والخطابات والتنازع على تفسير الصلاحيات الدستورية من جهة والمبادرة الفرنسية من جهة أخرى، يدخل الاقتصاد اللبناني مرحلة شديدة الخطورة على وقع انهيار تاريخي لسعر الليرة اللبنانية مقابل الدولار في السوق غير الرسمية، وانعكس ذلك على السلم الاجتماعي مع بروز العنف كأحد أشكال الاحتجاج على الأوضاع المعيشية والسياسية، وتلويح فرقاء بشبح الحرب الأهلية الذي يطل برأسه على المشهد الداخلي اللبناني.
عصف سياسي
تبددت آخر الآمال المعقودة على تشكيل حكومة لبنانية في الأجل القريب، عقب الاجتماع الذي جمع رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري (22 مارس) والذي كان مقررًا أن يخرج بإعلان التشكيلة الحكومية؛ إذ أنه انتهى بتعمق الخلافات بين عون والحريري واتساع الهوة بين رؤية الرئيسين لما يجب أن تكون عليه التشكيلة الحكومية الجديدة.
فقد ذهب الحريري إلى قصر بعبدا للمرة الثامنة عشرة ليناقش حسبما قال التشكيلة الحكومة التي وضعها أمام الرئيس عون منذ ما يزيد على 100 يوم، أما عون فاستبق الاجتماع –حسبما قال الحريري- بإرسال تشكيلة حكومية فيها توزيع للحقائب على الطوائف والأحزاب، مع رسالة يقول فيها للحريري إنه من المستحسن أن يقوم بتعبئة هذه التشكيلة. وهو ما أعلن الحريري رفضه عقب الاجتماع، مؤكدًا أن الورقة تتضمن ثلثًا معطلًا للفريق السياسي للرئيس عون وهي غير مقبولة لأن رئيس الجمهورية ليس عمله أن يشكل الحكومة، “وعلى هذا الأساس أبلغت الرئيس عون أن رسالته كأنها لم تكن”.
وقام مكتب الحريري عقب الاجتماع بنشر ورقة قال إنها الورقة التي أرسلها إليه عون مدون عليها “نموذج للتعبئة يسهل النظر في تأليف الحكومة، في المستحسن تعبئته” تتضمن أسماء الحقائب الوزارية ونوعها من حيث كونها سيادية أو خدمية أو قطاعية أو أساسية، وتُركت خانة اسم الوزير فارغة، وفي مقابلها الكتلة السياسية التي تقوم بتسمية الوزير (الرئيس – تيار المستقبل –حزب الله – حركة أمل – الحزب التقدمي الاشتراكي – تيار المردة – الطاشناق)، ثم تصنيف الوزير من حيث المذهب (سني – شيعي – مسيحي ماروني – مسيحي رومي – مسيحي كاثوليكي – ارمني).
وكذلك، نشر مكتب الحريري التشكيلة الحكومية التي وضعها الحريري بين يدي رئيس الجمهورية، وهي تتضمن اسم الوزارة والوزير ومذهبه دون تحديد الكتلة السياسية القائمة بتسميته؛ إذ وضع الحريري الأسماء كلها، وأعلن أنه يمكنه التشاور مع عون بشأن بعضها وفق ما ينص عليه اتفاق الطائف بأن رئيس الحكومة المكلف يشكل الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية.
وفي المقابل، نشر حساب الرئيس عون على موقع تويتر ورقة قال إنها “الورقة المنهجية التي أرسلها الرئيس عون إلى رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، ويؤدي اتباعها إلى تشكيل حكومة بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف”، وهي نفسها الورقة التي نشرها الحريري ولكن دون تعبئة الكتل التي ترشح الوزراء أو مذاهبهم. وقال إن “النص الذي وزعه المكتب الإعلامي للرئيس سعد الحريري يعود إلى فترة تبادل الصيغ الحكومية بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، وليس النص الذي أرسله أمس الرئيس عون، والذي وزّع سابقًا”.
وقبل ذلك، خرج الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في خطاب (18 مارس) هدم فيه آخر ما تبقى من أسس كان يُعوّل عليها لتشكيل الحكومة وفق المبادرة الفرنسية وهي حكومة مهمة من اختصاصيين غير حزبيين؛ إذ أكد أن حكومة بهذا الشكل لن تستطيع تفكيك الأزمات التي يواجهها لبنان وستسقط بعد شهر أو شهرين، وأنه بدلًا من ذلك لابد من تشكيل حكومة “تكنو-سياسية” مدعومة من كافة القوى السياسية في كافة القرارات التي ستتخذها لحل الإشكاليات التي يعاني منها لبنان.
وبالتوازي مع ذلك كله، تتعمق الأزمة الاقتصادية للبنان وتزداد سوءًا مع انكماش الاقتصاد بنسبة 20%، وانخفاض قيمة الليرة اللبنانية بشكل حاد، ووصولها إلى نحو 14000 ليرة مقابل الدولار، وإعلان وزير الطاقة ريمون غجر (9 مارس) إن الحكومة تملك الأموال الكافية لاستيراد وقود الكهرباء حتى نهاية الشهر الجاري فقط وبعدها سيشهد لبنان انقطاعًا كاملًا للكهرباء، وبلوغ التضخم مستوى قياسي بأكثر من 400%، مما جعل 50% من اللبنانيين تحت خط الفقر، ونحو 25% يعيشون في فقر مدقع، وبات اللبنانيون مهددون بانعدام الأمن الغذائي حسب منظمة “الفاو”. وقد أنتج هذا الوضع الاقتصادي الصعب “تلاشيًا أمنيًا مفتوحًا على كل الاحتمالات” حسب تصريح وزير الداخلية محمد فهمي (10 مارس)، واتجاه الأمور نحو الفوضى والتصعيد العنيف.
أوجه التعقيد
تقف عدة أسباب داخلية –غير تلك المتعلقة بالارتباطات والتسويات الإقليمية- وراء الانسداد السياسي الحالي والتعقيد الذي يشوب عملية تشكيل الحكومة، ومن هذه الأسباب:
- تفسير الدستور
يرى الحريري أن رئيس الحكومة المكلّف وفقًا للدستور هو المنوط به عملية تشكيل الحكومة واختيار الوزراء بناء على استشارات نيابية؛ إذ تنص المادة 64 من الدستور اللبناني على أن من ضمن صلاحيات رئيس الوزراء أن “يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة، ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها”. وتنص المادة 53 على أن رئيس الجمهورية “يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء أو إقالتهم”. ولذلك قدّم الحريري إلى عون التشكيلة الحكومة كاملة منذ نحو 100 يوم، ثم أبدى استعداده للتشاور معه حول بعض الأسماء.
وفي المقابل، يرى عون أن له دورًا مهمًا في عملية تشكيل الحكومة، وأوضح بيان لرئاسة الجمهورية (22 مارس) أن “القول إن رئيس الجمهورية لا يشكل بل يصدر هو كلام مخالف للميثاق والدستور وغير مقبول؛ ذلك إن توقيعه لإصدار مرسوم التأليف هو إنشائي وليس إعلانيًا، وانطلاقًا من صلاحياته وحرصه على تسهيل وتسريع عملية التشكيل أرسل إلى رئيس الحكومة المكلّف ورقة تنص فقط على منهجية تشكيل الحكومة وتتضمن 4 أعمدة يؤدي اتباعها إلى تشكيل حكومة بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف”.
- الثلث المعطل
درجت الحكومات اللبنانية التي تشكّلت منذ اتفاق الدوحة 2008 على أن يكون ثلث عدد الوزراء بها تابعًا لكتلة سياسية، وبذلك تملك هذه الكتلة تعطيل عمل الحكومة وفقًا للمادة 65 من الدستور التي تنص على “يجتمع مجلس الوزراء دوريًا في مقر خاص ويترأس رئيس الجمهورية جلساته عندما يحضر ويكون النصاب القانوني لانعقاده أكثرية ثلثي أعضائه”.
وكان وجود هذا الثلث الذي عُرف بالمعطل أو الضامن أحد الأسباب الجوهرية للأزمات السياسية المتتالية والفشل الحكومي في كثير من الأوقات، ولذلك كان هناك توافق في فترة ما عقب انفجار مرفأ بيروت (4 أغسطس 2020) على ألا تملك أي كتلة سياسية هذا الثلث في الحكومة الجديدة، وأن يتم تنحية الاعتبارات المذهبية والطائفية أثناء اختيار الوزراء.
وبينما صرّح الرئيس اللبناني ميشال عون (سبتمبر 2020) إبان أزمة تشكيل الحكومة من قبل مصطفى أديب بأنه “اقترح إلغاء توزيع الوزارات السيادية وفقًا للطوائف وأنه دعا إلى دولة مدنية بالكامل وأن الدستور اللبناني لا ينص على تخصيص أي وزارة لأي طائفة”، تشير تقارير إلى إصراره على أن يحتفظ لتحالفه السياسي المكون من (التيار الوطني الحر – حزب الله – حركة أمل) بالثلث المعطل داخل الحكومة، وأن يسمّي هو الوزراء المسيحيين في الحكومة، ومن بينهم وزراء الداخلية والعدل والطاقة.
وتشير الوثيقة التي نشرها الحريري وقال إنها التي أرسلها عون إليه إلى أن الرئيس يحتفظ لنفسه بحق تسمية 6 وزراء في الحكومة هم (الداخلية – الشؤون الاجتماعية – الاقتصاد – الطاقة – الدفاع – العدل) ومنح حق تسمية وزير المال لحركة أمل، رغم أن هذا الحق كان مثار انتقاده إثر إصرار حزب الله وحركة أمل عليه إبان تشكيل حكومة مصطفى أديب. وكذا تشير الوثيقة إلى أن عدد الوزراء الذي تؤمنه هذه المنهجية للتحالف السياسي للرئيس (التيار الوطني الحر – حزب الله – حركة أمل) هو 10 وزراء من إجمالي 18 وزيرًا، وإذا ما اتسعت الدائرة لتشمل قوى 8 آذار (حزب الله – حركة أمل – التيار الوطني الحر – تيار المردة – الطاشناق) فإنها بذلك تحصل على 12 وزيرًا.
- جوهر الحكومة
يتضح من مقارنة الورقة التي قدمها عون والورقة التي قدمها الحريري أنه لا يوجد حتى الآن اتفاق بين الساسة اللبنانيين على الالتزام بالمبادرة الفرنسية من حيث تشكيل حكومة مهمة من الاختصاصيين غير الحزبيين؛ فبينما يظهر في ورقة عون أنه يحاول التحايل على المبادرة الفرنسية واستقلالية الحكومة عن طريق أن تسمي الكتل السياسية الوزراء عوضًا عن أن يكونوا من المنتمين إليها، يظهر في ورقة الحريري إصراره منذ الحراك (أكتوبر 2019) على أن يتم تشكيل حكومة بشكل مختلف عما عهدته السياسة اللبنانية، ولذلك رفض (ديسمبر 2019) أن يأتي على رأس الحكومة الجديدة، ورفض وكتلته المشاركة في استشارات تشكيل حكومة حسّان دياب أو منحها الثقة.
وإن كانت محاولة الرئيس عون تظهر فقط لدى الأوساط المعنية بالتشكيل، فإن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله قد نقلها عبر خطابه الأخير إلى العلن، وهو ما يمثل في جوهره إنهاءً للمبادرة الفرنسية، رغم تأكيد عون أثناء لقائه بالسفيرة الفرنسية لدى بيروت (23 مارس) تمسكه بها.
الأزمة متواصلة
في محصلة كل الأسباب التي تدفع إلى تعقيد عملية تشكيل الحكومة، انتقلت الأمور من النزاع على تشكيل الحكومة إلى النزاع على وجود الحريري، فبات عون يعمل بكامل قوته لدفع الحريري إلى الاعتذار في ظل عدم وجود أي نصوص دستورية ترغمه على تشكيل الحكومة في أمد محدد أو تدفع بسحب التكليف منه. وكذا عمل عون على تفكيك الجبهة التي تدعم أو من الممكن أن تدعم الحريري، وهو ما يمكن قراءته من خلال لقائه برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط (20 مارس) ولقائه بالسفير السعودي لدى بيروت وليد بخاري (23 مارس).
وعلى الجهة الأخرى تتقوى جبهة الحريري وخاصة من قبل الكتل السنية ورؤساء الحكومة السابقين (نجيب ميقاتي – فؤاد السنيورة – تمام سلام) الذين أكدوا دعمهم للحريري. فضلًا عن أن ملمحًا جديدًا ظهر في تعاطي حركة أمل التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري من خلال البيان الذي أصدرته (22 مارس) أكدت فيه “تمسكها بحكومة الاختصاصيين غير الحزبيين وفق ما تم التوافق عليه في المبادرة الفرنسية بعيداً عن منطق الأعداد والحصص المعطلة”. وهو ما عُدّ تمايزًا في موقف الحركة عن حليفيها حزب الله والتيار الوطني الحر. ويمكن أن يُعزى ذلك إلى رغبة نبيه بري في عدم خسارة علاقاته ومكانته دوليًا في ظل وجود إصرار من على الإخلال بالمبادرة الفرنسية من قبل التيار الوطني الحر، ورغبة في تجاوزها من قبل حزب الله الذي أكد أمينه العام في خطابه أن رغبته في تشكيل حكومة تكنو-سياسية لا تعني نقضًا لموافقته السابقة على تشكيل حكومة اختصاصيين.
وبناء على ذلك يمكن الوقوف على بعض المحددات التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة في لبنان:
- في ظل التشبث بالمواقف والجمود الحاكم لعلاقة الرئيسين عون والحريري وطرح فرضيات استقالة عون مقابل اعتذار الحريري، والتباين الكبير في وجهات النظر حول شكل الحكومة بين عون وحلفائه والحريري وحلفائه، أصبح من الصعب تشكيل حكومة لبنانية قريبًا.
- سيستمر كل رئيس خلال الفترة المقبلة في العمل على كسب تأييد دولي لموقفه سواء من خلال الزيارات الخارجية أو عبر عقد لقاءات مع سفراء الدول الأجنبية في بيروت.
- بات من الواضح أن القوى النافذة في المشهد السياسي اللبناني والتي تأثر موقفها عقب انفجار مرفأ بيروت على وقع الانتقادات الشعبية والضغوط الدولية استطاعت بنجاح القفز على هذه الضغوط وتثبيت أركانها في السياسة اللبنانية، ولذلك تبدي مواقف متعنتة غير مكترثة بأية عواقب أو عقوبات، وهو الموقف ذاته الذي أبدته هذه القوى ولا سيّما حزب الله إبان مشاورات تأليف حكومة مصطفى أديب.
- لا يمكن فصل هذه المواقف الأخيرة عن السياقات الإقليمية والدولية والمفاوضات غير المباشرة الدائرة بين واشنطن وطهران والتصعيد الذي يقوم به وكلاء إيران في العراق واليمن من أجل فرض أوراق أكثر قوة على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، وإيصال رسائل بأنها ليست بصدد تقديم تنازلات أثناء هذه المفاوضات.
- من المتوقع أن يعمل حزب الله على الاستثمار في الأزمة سياسيًا من خلال السعي لمنح حكومة تصريف الأعمال صلاحيات أوسع وهو ما لمّح له حسن نصر الله في خطابه الأخير، وشعبيًا من خلال تقديم المساعدات للمناطق التي يسيطر عليها استغلالًا للأزمة التي يعيشها اللبنانيون؛ لتعزيز قاعدته الشعبية الآخذة في التضرر منذ حراك أكتوبر 2019.
- خيار انهيار لبنان لن تكون تداعياته الأمنية والسياسية والاقتصادية حصرًا على الداخل اللبناني فقط، وإنما ستتعدى إلى الإقليم ككل على المستويات كافة، ولذلك لن يكون من مصلحة أي من القوى الداخلية والإقليمية والدولية المتناحرة في الإقليم والمتصارعة داخل لبنان أن تصل بيروت إلى هذه المرحلة، وستتدخل في مرحلة ما للحيلولة دون ذلك سواء عبر التفاهم فيما بينها أو عبر فرض ضغوط وعقوبات على أطراف داخل لبنان وإن كان هذا الانهيار بات أقرب من أي وقت مضى.
- إذا أفضت الضغوط أو المواءمات الدولية والمحلية إلى تشكيل حكومة لبنانية برئاسة الحريري لن يعني هذا تحقق الاستقرار، خاصة إذا تشكّلت هذه الحكومة وفقًا للمبادرة الفرنسية، مع تلويح حزب الله وحلفائه بقدرتهم على تأليب الشارع ضد هذه الحكومة وعدم منحها مساحة حركة واسعة لحل مشكلات لبنان، لاسيّما في القرارات التي قد تمسّ حياة المواطنين.
باحث أول بالمرصد المصري



