
تأخذ القمة الأوروبية التي تبدأ غدًا الخميس وتستمر حتى الجمعة ممارسات الرئيس التركي في عدد من الملفات على محمل الجد، وسادت نغمة في الفترة التي سبقت انعقاد القمة ركزت على أن بروكسل في طريقها لإصدار عقوبات رادعة بشأن الممارسات التركية، ولأن أنقرة وعت أن هذا ممكن الحدوث فقد استبق أردوغان القمة كعادته محاولًا التقليل من شأن العقوبات حال صدورها، وقال إن بلاده ستستمر في ممارسة حقوقها في شرق المتوسط، وطالب الأوروبيين بالتخلص مما أسماه العمى الاستراتيجي.
إلى ماذا ستنتهي القمة؟
إذا كان هناك قطاع المتفائلين الذي يصرح بأن القمة ستنتهي بإصدار عقوبات بالفعل على النظام التركي فإن قطاع المتشائمين يبدو أكثر واقعية حينما يقول إن حديث العقوبات قديم للغاية، وأنه في كل مرة يفشل بسبب الانقسامات داخل النادي الأوروبي نفسه، وإذا شئنا التفصيل للوضع الحالي فإن دولًا مثل اليونان وقبرص وفرنسا وأيرلندا والنمسا والتشيك تضغط باتجاه إصدار العقوبات، في حين أن دولًا أخرى مثل ألمانيا وفنلندا والسويد لا زالت تفضل الحوار مع النظام التركي.
ولا شك أن الموقف الألماني يظل متأرجحًا بين التراخي والتشدد بسبب علاقاته الاقتصادية القوية بالجانب التركي. وحول ذلك صرح وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” بأن برلين حاولت الدفع باتجاه إجراء حوار مع أنقرة ولكن استمرار الممارسات المستفزة في شرق المتوسط حال دون ذلك، بينما أشار مفوض السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي “جوزيف بوريل” أن الاتحاد يسعى إلى تطبيق مبدأ الدبلوماسية في علاقاته مع تركيا، وأن كل شيء يمكن حله عن طريق الحوار.
وما يرجح اتجاه تأجيل استصدار العقوبات أن موقف الإدارة الأمريكية الجديدة لم يتضح بعد، ولا شك أن الاتحاد الأوروبي لا يرغب في التغريد بعيدًا عن السرب. ويأتي ذلك وسط وجود أغلبية ساحقة في البرلمان الأوروبي في جلسته الأخيرة أعربت عن رفضها الكامل لممارسات الرئيس التركي المرفوضة في شرق المتوسط وليبيا وتدخلها في الخلاف بين أرمينيا وأذربيجان. إذ نص مشروع قرار البرلمان الأوروبي على أنه في حال تجدد الإجراءات الأحادية الجانب والاستفزازت التي تنتهك القانون الدولي فإن الاتحاد الأوروبي سوف يستخدم جميع الأدوات والخيارات المتاحة من أجل الدفاع عن مصالحه ومصالح أعضائه، وهو ما فسر سحب تركيا للسفن التنقيب خاصتها قبل أيام من انعقاد القمة.
وفي هذا الإطار قال جواد كوك المحلل السياسي التركي إن اليونان وقبرص تقومان بالضغط على الاتحاد الأوروبي لاستصدار عقوبات، مؤكدًا أن تركيا ليست مثل إيران وأنها لو تم فرض عقوبات فعلية عليها فإن اقتصادها سينهار في أشهر خصوصًا أن الاتحاد الأوروبي يعد أكبر شريك اقتصادي لأنقرة وفي حال قاطعها تجاريًا فإن العواقب ستكون وخيمة.
خلافات مستمرة
وبالرغم من تعدد الخلافات بين الجانب التركي من جهة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى إلا أن الأمر هذه المرة لا يقتصر على ممارسات تركيا التي تنتهك الأعراف الدولية في مناطق أخرى من العالم، وإنما في أن ممارساتها باتت مهددة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ولاستقرار بلدانهم.
وكان أحدث النقاط الخلافية هو دعم تركيا لمنظمة ” الذئاب الرمادية” التي تعيث فسادًا في العواصم الأوروبية. وبعد أن قامت باريس بتصنيف هذه المنظمة كمنظمة إرهابية وطالبت بمعاقبة داعميها ومموليها والمنتمين إليها انتهجت ألمانيا سلوكًا مماثلًا مما جعل أنقرة قاب قوسين أو أدنى من خسارة حلفائها في برلين. وفي تقريره لعام 2019 قدر المكتب الاتحادي الألماني لحماية الدستور أن هناك 11 ألف شخص ينتمون إلى الحركة في ألمانيا. وانتقلت عدوى تصنيف المنظمة إلى هولندا التي رأت في ممارسات الذئاب الرمادية مثارًا لنشر الكره والعداوات داخل المجتمع هناك.
بينما اقترح أربعة أعضاء إيطاليين في البرلمان الأوروبي من مجموعة الهوية والديمقراطية اليمينية المتطرفة في العاشر من نوفمبر الماضي إدراج الذئاب الرمادية في قائمة الإرهاب التابعة للاتحاد الأوروبي قائلين إن المنظمة لها صلات باليمين التركي المتطرف والإسلام المتطرف.
انتقادات يونانية تتجاوز حدود التنقيب
لم تكن اليونان من الدول التي تدخلت في أزمة الذئاب الرمادية ربما لأن لها مع تركيا أزمات متعددة تتجاوز ما هو أكثر بكثير من التنقيب غير المشروع لأنقرة عن الغاز الطبيعي في مناطق متنازع عليها بين البلدين. وإنما تنتقد أثينا أيضًا الممارسات التركية فيما يتعلق بالهجرة، حيث قالت وزيرة الهجرة الصومالية ” نوتيس ميتاراشي” أنه عند وصول الصوماليين إلى تركيا يتم نقلهم في شاحنات صغيرة إلى مناطق محددة يقيمون فيها حتى نقلهم إلى الساحل الغربي لتركيا.
يأتي ذلك في الوقت الذي اتهمت فيه أثينا أنقرة يوم الثلاثاء الماضي بأنها تشجع هجرة الصوماليين إلى أراضيها من خلال عروض التأشيرات ثم تقوم بنقلهم إلى السواحل اليونانية، في استغلال لسلاح الهجرة للضغط على الاتحاد الأوربي في كل اتجاه لعدم إقرار عقوبات عليها. وحسب الجانب الصومالي فإن المهاجرين يصلون إلى تركيا من خلال تذاكر سفر وتأشيرات مدعومة من منظمات المجتمع المدني في تركيا.
ووفقًا لرويترز، فإن الاتحاد الأوروبي وحسب مسودة بيان تم إعدادها تمهيدًا لإقرارها خلال القمة الأوربية سيفرض عقوبات على مزيد من الأفراد والشركات الأتراك المسؤولين عن التنقيب في المياه المتنازع عليها في البحر المتوسط.
وعلى أي حال فإنه إذا تم الاتفاق على مسودة البيان، فسيقوم الاتحاد الأوروبي “بإعداد قوائم إضافية” على أساس قائمة عقوبات مطبقة بالفعل منذ عام 2019 أو على أقل تقدير تمديد القوائم الموجودة أصلًا مما يتسبب بالمزيد من الضرر لاقتصاد تركيا.
ولا تزال المفاوضات بشأن البيان المكون من صفحتين جارية، في الوقت الذي ترى فيه اليونان وقبرص أن العقوبات وحدها ليست كافية. وفي الاجتماع المرتقب للاتحاد الأوروبي يدرس الزعماء هناك ما إذا كانوا سينفذون تهديدهم الذي صدر في أكتوبر الماضي بفرض عقوبات على تركيا بسبب التنقيب عن الغاز الطبيعي قبالة السواحل اليونانية والقبرصية أم لا.
مع الوضع في الاعتبار أن الاتحاد الأوروبي يمتلك بالأساس برنامج عقوبات صدر العام الماضي لمعاقبة الدول التي تنفذ استكشافات غير مصرح بها في شرق البحر الأبيض المتوسط، وتجميد أصول الأشخاص والشركات المتهمين بالتخطيط أو المشاركة في أنشطة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص.
وحتى الآن تم وضع اثنين فقط من كبار المسؤولين في شركة البترول التركية المملوكة للدولة على قائمة العقوبات، لكن قبرص اقترحت قائمة بأسماء أخرى في وقت سابق من هذا العام.
باحث أول بالمرصد المصري



