
داعش ليبيا: لا يزال التهديد مستمرًا
في حضور جديد له، أعلن تنظيم “داعش” عن تواجد عناصره داخل الأراضي الليبية، وذلك بعد فترة من “الكمون النسبي”؛ فقد أفادت عدة تقارير بعودة معسكرات التدريب التابعة لعناصره بمدينة “صبراتة” الواقعة في الغرب الليبي، ناهيك عن تبني التنظيم -في الآونة الأخيرة- بعض العمليات الإرهابية داخل الأراضي الليبية. وهو الأمر الذي يُثير جملةً من التساؤلات عن طبيعة النشاط الداعشي في ليبيا، وأهمية الساحة الليبية كساحة نفوذ للتنظيم، وأهم دلالات ذلك.
“داعش” في ليبيا
ارتبط صعود تنظيم “داعش” في ليبيا ارتباطًا وثيقًا بديناميكيات الصراع القائم. وقد شهد عام 2014 أول ظهور لتنظيم “داعش” في ليبيا؛ حيث ظهر عددٌ من المسلحين التابعين لما يسمى “مجلس شورى شباب الإسلام” في مدينة “درنة” ممن بايعوا التنظيم وزعيمه السابق “أبو بكر البغدادي”. وقد أعلن الأخير بعد ذلك عن تحول ليبيا إلى جزء من “دولة الخلافة” المزعومة التي قسّمها إلى ثلاث “ولايات”، هي: “ولاية برقة” في شرق ليبيا، و”ولاية فزان” في جنوب ليبيا، و”ولاية طرابلس” في غرب ليبيا.
وعلى صعيد قيادته، اعتمد التنظيم في ليبيا بشكل أساسي على العناصر الأجنبية لا سيما العراقيين والتونسيين. كما نجح في استقطاب العناصر الإرهابية من الجماعات الأخرى، كعناصر: تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، و”أنصار الشريعة”، وجماعة “بوكو حرام”، وجماعة “الشباب الصومالية”. وعليه، يُنظر دائمًا لتنظيم “داعش” في ليبيا باعتباره “واردًا من الخارج” و “غريبًا عن المجتمع الليبي”. اما على صعيد التمدد الاستراتيجي، فقد اعتمد على عقد تحالفات مع غيره من الجماعات الإرهابية، حيث تحالف مع عناصر منشقه عن جماعة “أنصار الشريعة”.
وقد أعلن التنظيم عن وجوده الفعلي في “درنة” في نهاية 2014، حين سيطر على المدينة بكاملها، وأقام مؤسساته الإدارية، غير أنه اضطر للخروج منها في يونيو 2015 بعد صراعه من الفصائل الإرهابية الأخرى. كما نجح في السيطرة على “سرت” وعلى قاعدتها الجوية “القرضابية” في مطلع عام 2015. وعلى إثر نجاح قوات “البنيان المرصوص” في عام 2016 في إخراجه منها، فشل في تحقق حلمه بتحويل “سرت” إلى منطقة نفوذ دائمة له.
وقد شهد نشاط التنظيم تراجعًا خلال 2017 بفضل الضربات الجوية الأمريكية المستمرة على معسكراته الموجودة خارج “سرت”، غير أنه استفاد من اتساع مساحة الدولة الليبية وعدم خضوعها للمراقبة، ما سمح له بإنشاء معسكرات تدريب، وتعزيز بنيته التحتية، وتشكيل خلايا تابعة له، ساعدته على إعادة التموضع في الجنوب الليبي، وتشكيل كيان جديد اتخذ اسم “سرايا الصحراء”. وفي الوقت الحالي، يعاني التنظيم من نقص حاد في مصادر التمويل، ما دفعه للبحث عن مصادر جديدة، وبدأ في المشاركة في أعمال التهريب عبر الحدود، مثل: تهريب السلع والبضائع، والمشتقات النفطية، والمخدرات. وهو ما يتيح له مواردًا ماليةً محتملةً تُمكّنه من تمويل نشاطه.
أهمية ليبيا لتنظيم “داعش”
تتجلى أهمية الساحة الليبية لتنظيم “داعش” في عدد من النقاط التي يمكن إجمالها على النحو التالي:
الموقع الجغرافي: إذ يعد اتساع مساحة الأراضي الليبية، وغياب السلطة المركزية القادرة على بسط نفوذها على تلك المساحة، والطبيعة الصحراوية والتضاريس الصعبة، من أهم عوامل انتشار التنظيمات الإرهابية في ليبيا وفي مقدمتها “داعش”، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يُمثّل الموقع الجغرافي للدولة الليبية المتاخم لست دول (مصر، والسودان، وتشاد، والنيجر، والجزائر وتونس) معبرًا رئيسًا للتنظيم يُمكّنه من الوصول إلى العمق الإفريقي. ومن جهة ثالثة، يَعتبر تنظيم “داعش” الدولة الليبية ممرًا محوريًا إلى أوروبا، وذلك لوقوعها على البحر المتوسط وقربها من الشواطئ الأوروبية.
الحواضن البشرية: يَنظر تنظيم “داعش” إلى ليبيا باعتبارها مركزًا لاستقبال المقاتلين الأجانب، وحلقة وصل مع الجماعات الإرهابية في الساحل والصحراء؛ حيث يمثل الموقع الجغرافي للدولة الليبية فرصةً لتجنيد المقاتلين الأجانب من الدول الإفريقية. وعليه، يستغل التنظيم طرق الهجرة التي يسلكها المهاجرون الأفارقة إلى أوروبا، ليعمل على اجتذابهم وتجنيدهم.
بروباجندا دعائية: في غصون السنوات الثلاث الأخيرة، لم يصدر عن تنظيم “داعش” سوى خمس فيديوهات فقط. وعلى الرغم من تراجع النشاط الدعائي للتنظيم في ليبيا مؤخرًا، إلا أن ذلك لا ينفي أهميتها في دعايته؛ فقد أثنى “أبو بكر البغدادي” في أخر ظهور له (في إبريل 2019) على الهجمات التي نفذها تنظيم “داعش” في بلده” الفقهاء” بليبيا، بهدف الانتقام من هزيمه التنظيم في الباغوز، بهدف تضخيم نشاط التنظيم وتأكيد نفوذه، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يُعد اصدار “داعش” في ليبيا (الذي جاء تحت عنوان: “وأخرجوهم من حيث أخرجوكم”) هو الأول في عهد الخليفة الجديد للتنظيم، وبالتالي يمثل اختيار قيادة التنظيم الجديدة لليبيا (كأول “ولاية” تصدر إصدارًا مرئيًا) دليلًا واضحًا على أهميتها في العقل الاستراتيجي لتنظيم “داعش”.
توظيف الصراع: يُمثل الصراع الحالي الدائر في ليبيا، بجانب انهيار المؤسسات الليبية، وانتشار المظالم الاجتماعية، ودعم فواعل إقليمه للعناصر الإرهابية، فرصًا للتنظيم كي يُعزز نشاطه، ويستغل تلك المحفزات للبحث عن مساحات جديدة للتمدد داخل الأراضي الليبية؛ فالتنظيم لا يعمل بمعزل عن الفراغ الأمني والمؤسسي والسياسي.
دلالات أساسية
بناءً على ما تقدم، يمكن استخلاص جُملة من الدلالات التي يمكن استعراضها على النحو التالي:
أولًا: يُمكن نظريًا تقسيم ساحة الإرهاب في ليبيا إلى ثلاث مجموعات كبرى؛ تُشير أولها إلى تنظيمات تَكفر بالديمقراطية، وتُمارس الإرهاب (مثل: القاعدة، وداعش، والمجموعات المرتبطة بهما). وتتصل ثانيها بمجموعات تَكفر بالديمقراطية، وإن وظفتها سياسيًا، وتُمارس الإرهاب، وإن تبرأت منه (مثل: الإخوان المسلمين، والحركة الإسلامية للتغيير “الجماعة الليبية المقاتلة سابقًا”، والأحزاب المرتبطة بهما). وترتبط ثالثها بجماعات ترفض العملية السياسية ككل، (مثل: الجماعات السلفية المدخلية) التي انضمت مجموعاتٌ منها إلى القتال بجانب حكومة “فايز السراج”.
غير أن الواقع العملي يعكس الاندماج البراجماتي، وتلاقي المصالح، وغياب الحدود الفاصلة بين المجموعات سالفة الذكر؛ فقد شكلت المجموعات الثلاثة تحالفات لتحقيق مصالحها. وعليه، لا يمكن فصل نشاط تنظيم “داعش” عن نشاط غيره من التنظيمات الإرهابية الفاعلة في الساحة الليبية، ولا يمكن تفسير تحركاته بمعزل عن الصراع الليبي الدائر.
ثانيًا: يمكن القول إن دوافع انضمام الأفراد إلى “داعش” -وغيره من التنظيمات الإرهابية في ليبيا- تختلف عن دوافع انضمامهم للأخيرة في سوريا والعراق؛ إذ أن الدولة الليبية لا تتميز بالانقسام الطائفي الذي لعب دورًا كبيرًا في كلتيهما. وبالتالي، فإن دافع الانضمام لتنظيم “داعش” في ليبيا ليس دافعًا أيدلوجيًا بالإساس.
إذ أنّ هناك دافعين محركين لانضمام الأفراد إلى التنظيمات الإرهابية في ليبيا؛ يتعلق أولهما بالمظالم المحلية المنتشرة داخل الدولة الليبية. وينصرف ثانيهما إلى الارتباط بين الإرهاب والجريمة المنظمة ورغبة جماعات الجريمة المنظمة في الاستفادة من حالة السيولة، بغرض استمرار اقتصاديات التهريب والاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية.
ثالثًا: تُمثّل التحركات التركية الهادفة إلى تعزيز نشاط التنظيمات الإرهابية ولا سيما تنظيم “داعش” -عبر نقل العناصر الإرهابية من سوريا إلى ليبيا- رقمًا مهمًا في معادلة فهم النشاط الإرهابي في ليبيا. فقد قَدّر المرصد السوري في 21 يونيو 2020 أعداد تلك العناصر بحوالي (15) ألف عنصر إرهابي، قُتل منهم نحو (417) عنصرًا خلال المعارك في محاور غرب طرابلس.
وبالنظر إلى دوافع تحركات النظام التركي لنقل تلك العناصر، نجد أن هناك دافعين؛ يتعلق أولهما برغبته في دعم نفوذ حكومة “فايز السراج”، بغرض تعزيز النفوذ التركي في ليبيا. وينصرف ثانيهما إلى رغبة “أنقرة” في تصفية بؤرة إدلب الإرهابية في ضوء التفاهمات الروسية-التركية. ومن ثمّ، لا يمكن قراءة وتحليل النشاط الإرهابي في ليبيا بمعزل عن مسرح العمليات في سوريا.
رابعًا: بدأ تنظيم “داعش” في النظر إلى إفريقيا كساحة استراتيجية بديلة، وذلك بعد فقدانه معاقله الرئيسة في سوريا والعراق؛ فقد شهدت الساحة الإفريقية مؤخرًا تصاعد وتيرة النشاط الداعشي؛ بعد أن عَزّز التنظيم نشاطه من خلال: “ولاية غرب أفريقيا”، و”ولاية الصحراء الكبرى”، و”ولاية وسط أفريقيا”. ويهدف التنظيم من تواجده في إفريقيا -لا سيما منطقة الساحل- إلى إنشاء “دولة”. وبتعزيز نفوذه في ليبيا، يستطيع “داعش” تحقيق مشروعه في إفريقيا.
ولا يمكن غض الطرف عن ارتباط منطقة الساحل بالتفاعلات السياسية والمعادلات القائمة في شمال إفريقيا وبخاصة في ليبيا، ناهيك عن تعزيز بعض الفواعل الإقليمية لنشاط التنظيمات الإرهابية رغبةً في إيجاد موطئ قدم في القارة السمراء من أجل استغلال مواردها، ما يجعل من الظاهرة الإرهابية فاعلًا حاضرًا وبقوة في القارة الإفريقية، الأمر الذي ستنصرف تداعياته إلى دول الساحل الإفريقي لتمتد إلى دول شمال أفريقيا.
خامسًا: بتتبع هجمات تنظيم “داعش” في ليبيا خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، نجد أن هناك انخفاضًا في عدد عملياته بالمقارنة بالسنوات السابقة، غير أن هذا لا يعنى تراجع التهديد الداعشي؛ حيث عمد بعض هجماته إلى استهداف مؤسسات الدولة الليبية، ما يُشير إلى ثلاث ملاحظات رئيسة؛ يتعلق أولها باحتفاظ التنظيم بخلايا نشطة قادرة على التكيف بصيغ مختلفة. وينصرف ثانيها إلى رغبة التنظيم في خلق حالة من انعدام الأمان واستمرار حالة السيولة القائمة في الداخل الليبي. ويتصل ثالثها بمستقبل التنظيم داخل ليبيا؛ فهو لا يستهدف اتباع نمط “السيطرة المكانية” على المديين القصير والمتوسط، بل سيستمر في التعويل على اتباع نمط “السيطرة الرمادية” القائمة على الضربات المباغتة بهدف اثبات النفوذ وتعزيز الوجود.
سادسًا: مع تصاعد ارتباط تنظيم “داعش” في ليبيا بعصابات الجريمة المنظمة بحثًا عن مصادر تمويل جديدة، بجانب “فقه” استغلال الأزمات الذي يتبناه التنظيم دائمًا، من المرجح أن يجذبه سوق الأدوية وتحديدًا اليوم الذي سيتوفر فيه لقاح لفيروس “كورونا”، وذلك في ضوء الفوضى التي تعاني منها الدولة الليبية، وكذا النشاط الإرهابي والإجرامي الممتد في عدد من دول الساحل الإفريقي.
مجمل القول، تُسهم حالة الفوضى والانفلات الأمني في الدولة الليبية في توفير بيئة خصبة لنشاط التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم “داعش”، ومع استمرار حالة السيولة الأمنية والسياسية داخلها، بالإضافة إلى رغبة بعض الفواعل الإقليمية في تصفية القضية السورية على حساب القضية الليبية، من المرجح تصاعد وتيره النشاط الداعشي في ليبيا، بل وامتداد تهديده إلى البلدان المجاورة أيضًا. ويمكن القول إن فقدان تنظيم “داعش” السيطرة على الأراضي في ليبيا، تدفعه إلى التغيير من تكتيكاته بعيدًا عن بناء الدولة، ونحو مزيد من تكتيكات “حروب العصابات”.
باحثة ببرنامج قضايا الأمن والدفاع



