أفريقياروسيا

القمة الروسية الأفريقية الثانية.. مستوى جديد من العلاقات

تتجه الأنظار نحو روسيا وتحديدًا مدينة سانت بطرسبرج التي تحتضن القمة الروسية الأفريقية الثانية والمنتدى الاقتصادي والإنساني روسيا-أفريقيا خلال يومي 27 و28 يوليو 2023، تحت شعار “مع السلام والأمن والتطور”، بمشاركة عدد من رؤساء الدول والحكومات الأفريقية، وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، بالإضافة إلى رجال أعمال أفارقة وعلماء وشخصيات اجتماعية، وبحضور أكثر من 20 ألف مندوب عن أكثر من 180 دولة. 

وتعد القمة هي النسخة الثانية من نوعها بعد قمة سوتشي في أكتوبر 2019، التي عقدت برئاسة مصرية روسية مشتركة، وتم خلالها الاتفاق على عقد قمة روسية أفريقية كل ثلاث سنوات. وتهدف القمة الروسية الأفريقية الثانية إلى تعزيز التعاون الشامل والمتساوي بين روسيا والدول الأفريقية في جميع أبعاده السياسة والأمنية والاقتصادية والمجالات العلمية والتقنية والثقافية والإنسانية، فضلًا عن تحقيق مستوى جديد نوعيًا للشراكة مع الدول الأفريقية على أساس المنفعة المتبادلة وفقًا لمجالات التعاون ذات الأولوية للعمل المشترك في العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين.

أهمية توقيت انعقاد القمة

تأتي القمة في ظل توترات جيوسياسية بالغة الشدة وفي سياق عالمي مضطرب، تتصدر أحداثه الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في 24 فبراير 2022، وتسببت في أضرار بالغة السوء للدول الأفريقية، وتأجل على إثرها انعقاد القمة الثانية من موعدها الأصلي في يوليو 2022 إلى يوليو 2023، وذلك بعد أيام من إعلان روسيا انهيار اتفاقية الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود، وسط مخاوف من تفاقم أزمة الأمن الغذائي في الدول الأفريقية التي تعتمد على الحبوب المستورده من أوكرانيا وروسيا، والتي شهدت تقلبات في الفترة السابقة من جراء الحرب.

وهو ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طمأنة الدول الأفريقية قبل انعقاد القمة حول أزمة الغذاء المحتملة بسبب هذا الإجراء الأخير، حيث نقل الكرملين عن بوتين خطابًا يطمئن فيه الدول الأفريقية بأنها ستعوض الحبوب الأوكرانية الموردة إلى القارة السمراء سواء على أساس تجاري أو مجاني، خصوصا أن روسيا تتوقع محصولًا قياسيا هذا العام.

وكذلك تكتسب هذه القمة أهمية أخرى انطلاقًا من رغبة روسيا في إعادة ضبط علاقتها مع الدول الأفريقية بعد تمرد قوات فاجنر، حيث يتزايد وجود مجموعة فاجنر بشكل كبير في عدد من البلدان الأفريقية المضطربة سياسيًا وأمنيًا، ما يثير تساؤلًا حول مستقبل هذه القوة في أفريقيا، والتعاون العسكري الروسي مع بعض الدول الأفريقية. 

بالإضافة إلى ذلك، تواجه روسيا عقوبات اقتصادية من واشنطن ودول الغرب بسبب حربها في أوكرانيا، وتحاول من خلال القمة الأفريقية الخروج على هذه العقوبات، وإظهار فشل سياسة الغرب في عزلها، والتأكيد على كونها ما زالت تحظى بحضور مهم لدى عدد واسع من الدول الأفريقية. وتسعى موسكو كذلك إلى كسب دعم الدول الأفريقية في المعركة الدبلوماسية المستمرة حول ردود الفعل العالمية على العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا.

استراتيجية ثابته في عالم متغير

تمتلك القارة الأفريقية أهمية خاصة في السياسة الخارجية الروسية، حيث تربط روسيا بأفريقيا علاقات قديمة وراسخة منذ الحقبة السوفيتية أثناء كفاح الدول الأفريقية ضد حركات الاستعمار. فترت هذه العلاقات لسنوات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، إلى أن وصل “بوتين” إلى السلطة وأعاد الاهتمام جزئيًا بالقارة الأفريقية، حتى عام 2014 بعد أن أعلنت روسيا ضم شبه جزيرة القرم وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من العقوبات على روسيا، الأمر الذي دفع الرئيس الروسي إلى البحث عن شراكات استراتيجية قوية مع أصدقاء روسيا القدامى في القارة الأفريقية.

وتوطدت العلاقات الروسية بالعديد من دول القارة، وصولًا للفاعلية الأبرز في هذا السياق عند عقد القمة الروسية الأفريقية الأولى أكتوبر 2019، لتكون بداية لعلاقات استراتيجية ممتدة بين روسيا وأفريقيا في شتى المجالات، في وقت اتجهت فيه أنظار العديد من الدول الكبرى للقارة السمراء لتعزيز التعاون معها، واشتد التنافس بين روسيا والقوى الكبرى الأخرى حول تعزيز النفوذ في أفريقيا من منظور جديد قائم على الشراكة والمنفعة المتبادلة.

على الرغم من اختلاف السياق الجيوسياسي في القمة الروسية الأفريقية الثانية عما كان عليه في القمة الأولى عام 2019، فإن الاستراتيجية الروسية في أفريقيا لم تتغير تقريبًا؛ إذ لا تزال أفريقيا تحتل مركزًا ضمن قائمة المناطق العشر الأكثر أهمية للمصالح الروسية وفقًا لوثيقة السياسة الخارجية الروسية لعام 2008، ووثيقة السياسة الخارجية الروسية لعام 2016 التي نصّت على أن “روسيا سوف توسع العلاقات مع الدول الأفريقية على كافة الأصعدة بشكل ثنائي، ومتعدد الأطراف، عبر تحسين الحوار السياسي، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية المتبادلة، وتكثيف التعاون الشامل الذي يخدم المصالح المشتركة، بجانب المساهمة في منع النزاعات الإقليمية وحالات الأزمات، وتعزيز علاقات الشراكة مع الاتحاد الأفريقي”.

ذلك فضلًا عمّا ورد بشأن القارة الأفريقية في وثيقة “الأمن القومي الروسي حتى عام 2020” من أن “الاتحاد الروسي يطور تعاونًا سياسيًّا وتجاريًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا وأمنيًّا وتقنيًّا، وكذلك الاتصالات الإنسانية والتعليمية مع الدول الأفريقية والمنظمات الإقليمية لهذه الدول”. بالإضافة إلى أن تعديلات العقيدة البحرية الروسية نصَّت على زيادة انتشار القواعد البحرية الروسية في مناطق عدة بينها القارة الأفريقية.

في سياق متصل، تحدد الاستراتيجية الروسية في أفريقيا مجموعة من الخطوط العريضة المبنية على استغلال الفراغ الذي تركه الغرب، وعلى الرغم من أن حجم التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا (18 مليار دولار) لا يزال ضعيفًا مقارنة بقوى أخرى مثل: الصين (282 مليار دولار)، والولايات المتحدة الأمريكية (80 مليار دولار)، وبريطانيا (47 مليار دولار)، وغيرها، إلا أنها تسعى إلى مضاعفة حجم التبادل التجاري ليصل إلى 40 مليار دولار سنويًا، فضلًا عن أن موسكو ليس لديها إرث استعماري في أفريقيا، ما يلقى قبول ودعم الدول الأفريقية، ويجعل منها صديقًا وشريكًا استراتيجيًا وفقًا لمبدأ المنفعة المتبادلة.

إلى جانب هذا، تولي روسيا أهمية خاصة لبعض المناطق في أفريقيا، خاصة مناطق الصراع والممرات المائية التي تؤثر على التجارة العالمية، فضلًا عن الاهتمام بقطاع الطاقة، وفي هذا السياق حددت موسكو ثلاثة أقاليم فرعية ذات أهمية جيوسياسية كبيرة، هي: القرن الأفريقي، وإقليم الساحل الأفريقي، وشمال أفريقيا.

ويذكر أنه بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير 2022، اتبعت روسيا مسارًا جديدًا في سياستها الخارجية، نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الغرب، يتضمن الابتعاد عن التعاون مع الغرب والتوجه نحو تطوير العلاقات مع الدول الأفريقية والآسيوية، خاصة بعد امتناع 17 دولة أفريقية عن إدانة “الغزو الروسي لأوكرانيا”، وتصويت دولتين برفض الإدانة هما إريتريا ومالي، وذلك في التصويت الذي أجرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس 2022. وبالتالي في ظل التحولات التي يشهدها النظام العالمي، يمكن لدول أفريقيا أن تلعب دورًا حاسمًا في تحقيق أهداف ومصالح روسيا في المحافل الدولية.

قضايا وملفات القمة الثانية

سيوفر المنتدى الاقتصادي والإنساني الروسي الأفريقي المقرر عقده إلى جانب القمة منصة لاجتماعات الأعمال، ويتضمن برنامجًا لأكثر من 30 جلسة نقاشية وفعاليات مواضيعية، وقد انعقد هذا المنتدى إلى جانب النسخة الأولى من القمة في عام 2019، ولكن تقرر توسيع نسخة 2023 للمنتدى لتشمل عنصرًا إنسانيًا، ومعرضًا واسع النطاق.

وحول الموضوعات والملفات الرئيسية المطروحة للنقاش، فقد تم الإعلان عن برنامج أحداث مجمعة في أربع مجموعات مواضيعية:

الاقتصاد العالمي الجديد: ويركز هذا المحور على توسيع التعاون التجاري بين روسيا والدول الأفريقية، والدعوة إلى تشكيل عالم جديد متعدد الأقطاب، حيث لن يكون هناك هيمنة للدولار وصندوق النقد الدولي. ويناقش هذا المحورعدة موضوعات فرعية، بما في ذلك: حلقة نقاش حول مشاكل بناء الطرق اللوجستية بين روسيا وأفريقيا، والإجابة على أسئلة حول كيفية بناء نظام عالي الكفاءة للتدفقات اللوجستية لضمان زيادة كبيرة في التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا.

الأمن المتكامل والتنمية السيادية: ويركز هذا المحور على دراسة كيف تعود تجربة روسيا في ضمان الأمن بالفائدة على البلدان الأفريقية، ستكون حلقة النقاش الأبرز في هذا المحور هي: “روسيا وأفريقيا: الشراكة من أجل السيادة الغذائية”، والتي تتناول مسألة شديدة الحساسية بالنسبة للدول الأفريقية وهي “أزمة الأمن الغذائي”، فمن المعروف أن أفريقيا هي المنطقة الأكثر تأثرًا بأزمة الأمن الغذائي في العالم، وتسببت الحرب الروسية الأوكرانية في تفاقم الأزمة. ومع انهيار اتفاق الحبوب الأوكرانية قبل أيام من بداية القمة، تساور الدول الأفريقية الشكوك حول مستقبل الأمن الغذائي في القارة، وكيف يمكن لروسيا أن تحافظ على الإمدادات المستمرة من الحبوب والأسمدة والآلات الزراعية إلى أفريقيا في ظل انهيار الاتفاق والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها؟

العلم والتكنولوجيا: ستكون الموضوعات الرئيسة في هذا المحور هي: التعاون الصناعي كوسيلة لتحقيق السيادة التكنولوجية، والتكنولوجيات المتقدمة المهمة للتنمية المستدامة في أفريقيا، وسيشتمل ايضًا على جلسات حول التقنيات النووية والرقمية والرعاية الصحية.

القضايا الإنسانية والاجتماعية: يغطي هذا المحور التعاون في مجالات التعليم والثقافة والرياضة وتمكين المرأة والشباب. وفي هذا السياق، ستُناقش مشاكل الانتقال إلى التنمية السيادية الكاملة في حلقة النقاش بعنوان “النظام العالمي الجديد: من تراث الاستعمار إلى السيادة والتنمية”، فضلا عن مناقشة نقل التجارب الروسية في مجال التعليم العالي والتعليم المهني وتكنولوجيا التعليم للدول الأفريقية.

بالإضافة إلى الجلسات، ستشهد القمة في إطار أعمال المنتدى الاقتصادي الإنساني روسيا – أفريقيا، عقد منتدى إعلامي، ومؤتمر عمداء الجامعات، وطاولة مستديرة لهيئات المراجعة الروسية والأفريقية، ومائدة مستديرة حول موضوع “روسيا – أفريقيا: تطوير مشاريع البنية التحتية”، بالإضافة إلى العديد من المنتديات، بما في ذلك: منتدى الأعمال الإبداعية، ومنتدى الحياة الصحية، ومنتدى تعاون خاص بين الوكالات الحكومية الروسية والأفريقية والشركات العاملة في صناعة المعادن الثمينة. إلى جانب ذلك، قد تفرض قضايا مثل “انضمام دول أفريقية إلى البريكس” و”الوساطة الأفريقية في الحرب الروسية الأوكرانية” نفسها على أجندة القمة الروسية الثانية.

أبرز المخرجات المنتظرة

تناولت العديد من التقارير الإعلامية والمواقع الإخبارية تكهنات بشأن نتائج القمة الروسية الأفريقية الثانية، وفقًا لتصريحات مسؤولين روس. وفي هذا السياق، من المتوقع أن تخرج القمة الروسية الأفريقية بعدد من النتائج أبرزها: 

اعتماد خطة عمل للفترة 2023-2026 لمجالات التعاون ذات الأولوية، وتهدف هذه الوثيقة إلى تطوير إمكانات التصدير لمنتجي السلع والخدمات الروس في سياق التعاون الروسي الأفريقي.

توقيع 23 اتفاقية ثنائية: وفقًا لوزير التنمية الاقتصادية الروسي “مكسيم أوريشكين” ستشهد القمة تقديم عروض للفرص التي يمكن تقديمها إلى البلدان الأفريقية لرؤساء الدول والمندوبين من قبل قادة شركات مثل Rosatom وRussian Railways وRosgeo وVTB، ومن المتوقع أن يتم التوقيع على حوالي 23 اتفاقية حكومية دولية ومشتركة بين الوكالات، واتفاقيات أخرى بين الشركات الأفريقية والروسية على هامش المنتدى.

دعم روسي لحصول أفريقيا على مقعد دائم في مجلس الأمن، في إطار إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ليكون مراعيًا للحقائق الجيوسياسية الجديدة، وأكثر تمثيلًا من خلال ضمان مشاركة الدول الأفريقية على نطاق واسع.

وضع تصور لآلية لوجستية جديدة لضمان توريد الحبوب والأسمدة للدول الأفريقية من روسيا كبديل للحبوب الأوكرانية.

الاتفاق على آلية للمعاملات المالية خارج إطار نظام “سويفت“، ربما تكون هذه الآليه هي النظام الروسي لتبادل الرسائل بين البنوك “SPFS”، والذي تم إنشاؤه في العام 2014، على خلفية تهديدات واشنطن، بطرد موسكو من نظام سويفت المالي، بعد اندلاع أزمة شبه جزيرة القرم مع أوكرانيا، وتسعى روسيا إلى ضم حلفائها إلى هذا النظام، أو من خلال اتفاقات للتعامل بالعملات الوطنية، كما فعلت روسيا مع مصر.

في الختام، يعطي حرص روسيا على عقد القمة الروسية الأفريقية الثانية رغم الحرب الدائرة في أوكرانيا مؤشرًا على أن العلاقات الروسية الأفريقية تتجه نحو مستوى جديد من العلاقات، وأن أفريقيا تمثل أولوية بالنسبة لموسكو، وأنها ماضية في خطتها نحو تعزيز وجودها في القارة الأفريقية وتدعيم علاقاتها بشركائها في مجالات التعاون ذات الأولوية، كجزء من رؤية روسية أوسع لعالم متعدد الأقطاب تمثل أفريقيا جزءًا أصيلًا منه.

+ posts

باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

هايدي الشافعي

باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى