أفريقيا

“مجموعة الأزمات الدولية” تكشف سيناريو المواجهة الدموية في إثيوبيا

عرض: محمود سلامة – شادي محسن

نشرت “مجموعة الأزمات الدولية” تقريرا في 27 نوفمبر، حول مواصلة القتال بين الجيش الاثيوبي والجبهة الشعبية لتحرير التيجراي، والتي يمكن أن تُدخل إثيوبيا في “حمام دم” في ميكيلي عاصمة التيجراي. 

حسب أحدث المستجدات، تواصل الحكومة الاثيوبية برئاسة “آبي أحمد” نشر البيانات التي تفيد بتقدم الجيش الاثيوبي باتجاه عاصمة إقليم التيجراي “ميكلي”، بينما على الجانب الآخر تفيد قوات التيجراي صمودها أمام الجيش الاثيوبي بل وإسقاط طائرة مقاتلة وأسر قائدها. يبدو أن الطرفين سيتبادلان الادعاءات حول التمكن من مفاصل المشهد، خاصة على المستوى الميداني المسلح. لا يمكن التيقن بشكل كامل بمستجدات المشهد نظرا للقيود المشددة على دخول الإقليم منذ بدء القتال في الرابع من نوفمبر.

يستهل المركز تقريره بالإشارة إلى ضرورة وقف القتال المسلح، وتقليل الضرر اللاحق بالمدنيين. كما يجب على الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة تكثيف الجهود لتجنب المزيد من إراقة الدماء. فقد تتكشف كارثة إنسانية قريبًا في ميكيلي تكون تكلفتها الاشتباك بين قوتين مدججين بالسلاح في مدينة يبلغ عدد سكانها حوالي نصف مليون نسمة. لكن لم يفت الأوان بعد لتجنب المزيد من الوفيات بين المدنيين، ولا لتجنب مواجهة دموية يمكن أن تلحق أضرارًا دائمة بالبلاد.

وأوضح التقرير أن الحصار المفروض على التيجراي جوًا وبرًا حال دون تقديم الدعم الإنساني لأهالي الإقليم، كان ما لا يقل عن 600 ألف شخص في تيجراي يعتمدون على المساعدات الغذائية قبل الصراع ولم يتلقوا حصصهم الغذائية هذا الشهر؛ فتسبب في فرار أكثر من 40 ألف لاجئ من بلدات غرب تيجراي مثل حميرة ودانشا إلى شرق السودان.

كما أشار المركز إلى تضارب التقارير الحقوقية المتعلقة بالأوضاع الإنسانية في التيجراي، فبينما ألقى تقرير أولي للجنة حقوق الإنسان الإثيوبية باللوم على قوات التيجراي في قتل المئات من المدنيين ومعظمهم من الأمهرة في بلدة مايكادرا غرب تيجراي في 9 نوفمبر. أبلغ لاجئون من تيجراي في المخيمات عن فظائع ارتكبتها ميليشيا الأمهرة التي كانت تقاتل إلى جانب الجيش الفيدرالي.

يجادل المسؤولون الفيدراليون في أديس أبابا بأنهم يعملون للقبض على زعماء التيجراي المتمردين المُتهمين (حسب الرواية الإثيوبية في أديس أبابا) بتقويض الاستقرار في جميع أنحاء إثيوبيا منذ طردهم من السلطة على المستوى الوطني في عام 2018. ويؤكدون أن جبهة تحرير تيجراي الشعبية، هي من بدأت باستهداف العشرات من الجنود في هجوم على قاعدة عسكرية فيدرالية في 4 نوفمبر، وأن هدف قادة التيجراي هو ضمان تمتعهم بالحصانة ضد “جرائم الماضي والحاضر” والاستمرار في ممارسة السيطرة على النظام.

يؤكد التقرير أن أديس أبابا عازمة على تحقيق نصر عسكري وترفض فكرة المفاوضات، قائلة إنه لا يمكن السماح لزعماء تيجراي بالإفلات من مهاجمة الجيش الوطني وانتهاك الدستور، وهو ما تدعي أنه حدث عندما أجرت تيجراي انتخابات إقليمية في سبتمبر في تحد واضح لأحكام الفيدرالية. ويجادل المسؤولون في أديس أبابا بأن السماح للجبهة الشعبية لتحرير التيجراي بالإفلات من أفعالها سيشكل سابقة مزعزعة للاستقرار من شأنها أن تحفز أعمال التمرد في المستقبل. وهم يزعمون أن الدخول في حوار من شأنه أن يكافئ الأفعال غير القانونية لجبهة تحرير التيجراي، التي يسمون قيادتها الآن “المجلس العسكري” أو ” الزمرة”، التي تصفها أديس أبابا بأنها “عمل خائن”. 

في 27 نوفمبر، التقى رئيس الحكومة الاثيوبية بثلاثة مبعوثين عن رئيس الاتحاد الأفريقي سيريل رامافوزا وأخبرهم أنه لن يشارك في محادثات مع جبهة تحرير شعب التحرير. وقال إن الحوار مع الحزب الحاكم بزعامة تيجراي من شأنه أن “ينمي ثقافة الإفلات من العقاب مع تكلفة مدمرة لاستقرار البلاد”.

يرى التقرير أن حمام الدم المحتمل الذي قد ينجم عن تصاعد المواجهة بين الطرفين من شأنه أن يُعمّق العداء بين أولئك الذين يواجهون بعضهم البعض ويخاطرون بمزيد من تنفير قطاعات من السكان المدنيين في التيجراي.

على الرغم من أن إدارة آبي أحمد لديها مظالم جدية ومشروعة ضد قيادة التيجراي، حسب ما ذكره التقرير، إلا أن هذه الرواية لا يمكن أن تبرر مسار عمل ينطوي على مخاطر سياسية وإنسانية هائلة. إن الهجوم على ميكيلي (عاصمة التيجراي) الذي لا يسمح للمدنيين بالوقت الكافي لمغادرة المدينة، أو في حالة عدم مغادرتهم، يفشل في التمييز بينهم وبين المقاتلين، فذلك سيكون انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي وسيضر بشدة بصورة الحكومة الإثيوبية الدولية.

بالنظر إلى ما جاء في تقرير مجموعة الأزمات الدولية، فإن ما قد يستتبعه من هجوم عسكري من قبل أديس أبابا -حتى إذا كان ناجحًا-، يجب على جميع الأطراف قبول صفقة لتعليق الأعمال العدائية. بدءًا من رئيس الاتحاد الافريقي رامافوزا، الذي دعا إلى محادثات، ينبغي أن يناشد رئيس الوزراء آبي إلغاء أو على الأقل تمديد المهلة التي أصدرتها حكومته. إن فرص التوصل إلى اتفاق متفاوض عليه لإنهاء القتال، ناهيك عن التوصل إلى حل طويل الأمد لنزاع دستوري مرير، تتلاشى بسرعة، بالنظر إلى تصميم أديس أبابا على تأمين السيطرة على المدينة وتقديم قادة جبهة تحرير التيجراي إلى العدالة. 

وأشار إلى أنه على الرغم من أن جبهة التيجراي دعت مؤخرًا إلى إجراء محادثات، إلا أنها أثارت أيضًا عقباتها أمام الحوار قبل النزاع بإعلانها أن الحكومة الفيدرالية غير شرعية. وقال المركز: “يجب على الشركاء في إثيوبيا، من القادة الإقليميين إلى الاتحاد الأفريقي إلى الاتحاد الأوروبي وأعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ألا يستسلموا للإشارة الصادرة عن حكومة أبي، فإن مشاكل إثيوبيا تحتاج في النهاية إلى حل سياسي، من خلال المحادثات، وليس من خلال القوة”.

وختامًا، أوضح التقرير أن الحاجة الأكثر إلحاحًا الآن هي إنقاذ الأرواح. إن دخول مدينة مكتظة بالسكان بالمدفعية والقوة الجوية كما حذر المتحدث العسكري الإثيوبي من أن القوات الفيدرالية ستفعل ذلك قريبا سيتسبب في خسائر فادحة لا تطاق في صفوف المدنيين، ويلحق أضرارًا بالغة بسمعة إثيوبيا الدولية.

تعليق باحثي المركز المصري

  • يلقى الجيش الإثيوبي وحكومة آبي أحمد دعما عسكريا من قوات عرقية مثل الأمهرة، ومن أطراف إقليمية أخرى ذات صلة بالأزمة؛ ستشجع أبي أحمد إلى مواصلة التقدم العسكري باتجاه إقليم التيجراي؛ من أجل فرض سيطرة كاملة على الإقليم. في المقابل تسمح الطبيعة الجغرافية لإقليم التيجراي لقوات الجبهة الشعبية بالاستمرار في مقاومة الحكومة الفيدرالية وشن هجمات عسكرية على القوات المتمركزة في العاصمة. وهو ما يشير إلى أن الصراع سيكون ممتدًا بين قوات الإقليم وآبي أحمد.
  • أما فيما يتعلق بمسارات حل الأزمة، فيبدو أن آبي أحمد سيستمر في رفض أي جهود وساطة لحل الأزمة سواء على المستوى القاري (الاتحاد الأفريقي)، أو الدولي (مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة)؛ بغرض تغيير ملامح الوضع في إثيوبيا، وضمان فرض السيطرة العسكرية على التيجراي قبل التدخل الدولي في ضبط المشهد؛ بداعي أن الهدوء سيفجر سيناريو التأثير “بالدومينو” فينتج عنه سلسلة من التمرد من قبل أقاليم أخرى، وهو ما يعني أن آبي أحمد يقوده التقدير بأولوية إحكام السيطرة على الدولة الفيدرالية والحيلولة دون تفككها.
  • وهو ما يعني القول إن مستجدات الأزمة ستعيد إثيوبيا إلى حقبة ما قبل 1990، أي فترة الإمبراطورية الساعية لبسط نفوذ “مركزي” على أقاليم الدولة. لذا من المحتمل أن يلجأ آبي أحمد بعد استتباب الوضع في التيجراي إلى سيناريو: تعديل الدستور بشأن حق الأقاليم في تقرير مصيرها بالانفصال عن الدولة، بمعنى أوضح تغيير مبدأ “الفيدرالية الإثنية” الذي أقره وطبقه رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق الراحل “مليس زيناوي”.
  • وأخيرا، لا يعني الأمر استبعاد تام لسيناريو رضوخ أديس أبابا لضغوط خارجية بالوساطة في حل الأزمة، لا سيما بعد صعود الإدارة الديموقراطية للبيت الأبيض في يناير 2021، ولكن نتائج هذا السيناريو سيرمي إلى احتمالين اثنين: الأول، إما الإطاحة بآبي أحمد، (وهو غير مرجح على نحو ما)، خاصة في ظل دعم العرقيات الإثيوبية لحزب “الازدهار” الحاكم. الثاني، وهو توفيق الأوضاع السياسية من خلال تعيين نائب لرئيس الوزراء من عرقية التيجراي في مقابل إعادة انتخابات إقليم التيجراي تزامنا مع الانتخابات العامة في إثيوبيا.
+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى