كورونا

تأثير تهديد “كورونا” على الاقتصاد العالمي

يُمر الاقتصاد العالمي بحلقة ركود في سلسلة دورته الاقتصادية، إذ كانت تعتقد أقلية كبيرة بين الاقتصاديين أن يشهد عامي 2020 و2021 تباطء للنمو العالمي إن لم يكُن انكماش، وذلك في ظل عدم اليقين والضبابية اللذان يُقلقان الاستثمار العالمي، بسبب ما يجتاح الاقتصاد العالمي من توترات عديدة، من بين أهمها الحرب التجارية بين الولايات المُتحدة وشركائها التجاريين وعلى رأسهم الصين والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لكن هذا الاعتقاد أصبح في شبه المؤكد الآن وتحولت هذه الأقلية إلى أغلبية، بعد تفشي فيروس كورونا، وضربه القطاعات الاقتصادية الانتاجية بكاملها سواء السلعية أو الخدمية منها، ولهذا فقد تراكم تأثير الفيروس فوق التأثيرات من عوامل الاضطراب الأخرى، ليُشكل أسوء تهديد للاقتصاد العالمي في العقدين الأخيرين. 

ضربة قاتلة في أسوء توقيت

  • الناتج المحلي الصيني: انتشر الفيروس في ظل بلوغ الناتج المحلي الصيني ما يقدر بنحو 19.24% من الناتج الإجمالي العالمي، ويمثل ثاني أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة الأمريكي التي تمثل 24% من الاقتصاد العالمي ويرتبط بدرجة كبيرة مع الاقتصاد العالمي من خلال حركة التجارة وانتقال الأفراد ورؤوس الأموال فضلا عن دخول المكون الصيني في معظم المنتجات. 
  • أسواء وقت للانتشار: تزامن ظهور وانتشار الفيروس في ظل ظروف عالمية غير مواتية؛ حيث تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وأزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي Brexit، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة الامريكية والصين، لذلك خُفضت توقعات نمو الاقتصاد العالمي الى 2.1% بدلا من 2.4% خلال عام 2020.

خلل يجتاح قطاعات الاقتصاد العالمي

C:\Users\DELL\Desktop\eight_col_000_1O74G3.jpg
  • التأثير على حركة التجارة العالمية:
  • الصين مُصدر أساسي: أكبر دولة مصدرة عالميا، ومع انتشار الفيروس وصعوبة فحص السلع المُصدرة يتوقع أن تنخفض صادرات الصين وواردات العديد من الدول بما ينعكس على معدلات الإنتاج والتشغيل والتصنيع في الصين، وكذلك في الدول المستوردة خاصة تلك التي تستورد مدخلات إنتاج وسلع وسيطة. وبالفعل فقد أعلنت شركة هيونداي موتور وكيا موتورز عن تعليق بعض خطوط التجميع للشركتين بسبب نقص بعض الأجزاء التي تصنع في الصين.
  • من المتوقع أن تنخفض الشُحنات العالمية من الهواتف الذكية بنسبة 2% – 5% عما كان متوقعا هذا العام حيث تصنع الصين 70% من جميع الهواتف الذكية التي تباع في الأسواق العالمية. 
  • يأتي قطاع النقل البحري على رأس القطاعات المتضررة حيث انخفضت رسوم استخدام سفن كيب سايز العملاقة، والتي تستخدم عادة في نقل المواد الخام مثل خام الحديد، بنسبة 90% خلال شهر يناير، وذلك وفقا لبلومبرج.
  • التأثير على أسواق المال:
    • الأسواق العالمية: سبقت الصين معظم الأسواق العالمية حيث انخفضت من يناير وحتى اول فبراير بمقدار 10% قبل أن تقلص من خسائرها في شهر فبراير لتستعيد 8.4% من الخسائر، اما عن أبرز لأسواق الأمريكية والأوروبية واليابانية فقد تلت الأسواق الصينية وبدأت الأسواق تضطرب في منتصف شهر فبراير بعد اعلان انتشار فيروس كورونا في أجزاء من أوروبا وامريكا حيث انخفضت تلك الأسواق بنسب تتراوح بين 8% و11% حتى اول مارس 2020.
    • الأسواق العربية: وتراوحت الانخفاضات بين 8.2% لسوق دبي 9.93 لسوق السعودية، و11.19% لسوق قطر، بينما انخفض السوق المصري بمقدار 11.04% منذ بداية يناير 2020.
  • التأثير على قطاع النفط:
    • الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط: إذ تحل بعد الولايات المتحدة الامريكية، كما أنها أكبر مستورد له، فضلا عن الغاء رحلات الطيران من والى الصين بما يؤدي الى تراجع الطلب على وقود الطائرات. لذلك تقدر وكالة بلومبرج الأمريكية انخفاض الطلب من الصين بنحو 3 ملايين برميل نفط في اليوم أو ما يعادل 20% من الاستهلاك الصيني، والذي يمثل الانخفاض الأكبر في سوق النفط منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
    • إجراءات تُقلل استخدام النفط: نتج عن الاجراءات الحكومية التي تستهدف السيطرة على انتشار المرض، تباطؤ في عدة أنشطة صناعية واقتصادية. إذ أصبح ناتج مصافي النفط أقل من المعتاد. بسبب توقف شاحنات الشحن وتقلص عدد الرحلات بحوالي 13000 رحلة يوميًا.
  • انخفض النشاط في القطاعات الصناعية الرئيسية بنسبة 15% إلى 40% مقارنة بالعام السابق.
  • انخفضت مستويات الطلب على الكهرباء والإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوياتهم خلال السنوات الفائتة بنسبة تتراوح من 15% إلى 40% في القطاعات الصناعية الرئيسية، بما يشمل استخدام الفحم في محطات الطاقة وخطوط إنتاج الصلب الرئيسية.
  • تقلصت أعداد رحلات السفر الداخلية إلى 70% عن مثيلتها من شهر. ومع انخفاض إنتاج صناعات الصلب الرئيسية بمقدار الربع، أصبح من المتعين على أفران الصهر أن تغلق، ما لم يرتد الطلب سريعًا. وذلك بالإضافة إلى تضاؤل القدرة على الاحتفاظ بالأسهم وتوقعات الطلب المتوترة.
  • أشارت التحاليل الأولية التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة (IEA) ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، إلى أن تداعيات تفشي المرض قد تؤثر بنسبة تصل إلى نصف في المائة عن الطلب العالمي على النفط في الفترة من يناير إلى سبتمبر من هذا العام.
  • في المعتاد خلال عطلة رأس السنة الصينية الجديدة، تتوقف العديد من الأنشطة لمدة أسبوع، وذلك بسبب إغلاق المتاجر ومواقع البناء وانهاء معظم الصناعات عملياتها. ويتولد من هذه العطلة تأثيراً ملحوظاً على المدى القصير في معدلات الطلب على الطاقة، وبالتالي الانبعاثات. إلى أن هذا التأثير ما يلبث أن ينتهي لتعود المعدلات لترتفع كما وضعها الطبيعي. إلى أن هذا العام، وبعد أزمة كورونا، استمر الانخفاض ولم يصعد كما كانت العادة، ودون وجود علامة على حدوث انتعاش، حتى بعد الاستئناف الرسمي للعمل في 10 فبراير.
  1. هبوط قياسي: على إثر ما سبق هبطت أسعار النفط في 2 مارس الجاري إلى أدنى مستوى لها يونية 2017 عند مستوى 48 دولار للبرميل، وقد يدفع ذلك الدول المصدرة للنفط إلى تخفيض انتاجها بدرجة كبيرة لتعويض انخفاض الطلب والحد من تراجع الأسعار بدرجة كبيرة، يوضح الشكل الحالي وضع الأسعار:
  • التأثير على صناعة الأدوية:
  • طفرة في مبيعات القفزات والأقنعة: تعتبر الاستفادة الكبرى من فيروس كورونا حتى الان هي لشركات الأقنعة والقفازات، التي حققت مبيعات كبيرة نتيجة زيادة الطلب على الأقنعة والقفازات الطبية منذ انتشاء فيروس كورونا، فعلي سبيل المثال ارتفعت أسهم شركة Alpha Pro Tech الكندية التي تبيع الأقنعة والقفازات في الصين بنسبة 70% خلال يناير فقط، بينما زادت القيمة السوقية لشركة 3M بنحو مليار و400 مليون دولار منذ بداية العام. وتمتد الاستفادة لشركات الأدوية خصوصا التي تعمل على أبحاث الأمصال المضادة لفيروس كورونا، مثل شركة Novavax التي قفز سهمها 72%، وسهم Inovio الذي ارتفع 25%، ثم سهم MODERNA الذي ارتفع بـ 5% في الفترة نفسها.
  • تحالفات دولية لإنتاج علاج فعال: وتوجد العديد من الشركات التي تعمل سواء مفردا او في تحالفات لإجراء تجارب معملية لعلاج الفايروس مثل تعاون شركة Clover مع GSK، وتعاون شركة Inovio Pharmaceuticals الأمريكية مع شركة Beijing advanced biotechnology الصينية. وقد بدأت بالفعل عدد من الشركات اجراء التجارب السريرية لعلاج الفايروس ومن المتوقع أن يتم انتاج عقار نهائي يمكن تداوله وبيعه في شهر إبريل.
  • أرباح مُرتفعة: تشير بعض التوقعات إلى أن مبيعات شركات الادوية سترتفع في عام 2020 لتبلغ 60 مليار دولار مقابل 54 مليار دولار في عام 2019.
  • التأثير على حركة النقل الجوي:
  • خسائر ضخمة: قامت حتى الان 70 شركة طيران في جميع انحاء العالم بإلغاء رحلاتها الدولية، بالإضافة إلى قيام 50 شركة طيران اخري بتخفيض جدول رحلاتها من وإلى الصين بنسبة 80%. لكن التأثير السلبي للفايروس لم يتوقف على الصين نفسها بل انتقل إلى عدد من الدول الأسيوية القريبة مثل كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة، ثم انتقل إلى مناطق اخري مثل إيران وإيطاليا. وتتوقع منظمة الطيران المدني الدولية ICAO أن تتراوح خسائر شركات قطاع الطيران المدني بسبب الغاء الرحلات الجوية على مستوي العالم إلى ما بين 4.5 و5.5 مليار دولار بسبب الفايروس، ومن المتوقع أن تصل تلك الخسائر إلى 30 مليار دولار حال واصل فيروس كورونا انتشاره بنفس سيناريو عدوي السارس التي حدثت في 2003، حيث تكبد القطاع ذلك الحجم من الخسائر وقتها.
  • حصة الوجهات المُصابة: تمثل المناطق الأكثر انتشارًا لفيروس كورونا وهي (الصين، كوريا الجنوبية، سنغافورة، اليابان، إيران، إيطاليا) نحو 25% من اجمالي عدد المسافرين في العالم، وبإيرادات تتخطي 20% عالميا، أما في حال النظر بشكل أوسع إلى المناطق المتأثرة والتي تشكل كافة الدول التي ظهرت بها حالات كورونا فإن ذلك يمثل نسبة 83% من اجمالي عدد الركاب والايرادات لقطاع الطيران في العالم.
  • خسائر شركات الشرق الأوسط: الخسائر الفعلية لشركات الطيران في الشرق الاوسط فقد بلغت 100 مليون دولار حتى الان وفقا لتصريح مسؤول الاتحاد الدولي للنقل الجوي في الشرق الاوسط IATA، فوفقا للوضع الحالي من المتوقع أن تشهد شركات النقل الإقليمية انخفاض في إيراداتها بنسبة تبلغ 3%.
  • التأثير على قطاع السياحة:
  • انتشار واسع: ضرب فيروس كورونا 76 دولة حتى الان، والعشرات من تلك الدول المضارة تعتمد على السياحة كداعم للناتج المحلى بشكل او بأخر، إلا أن تلك الدول لم تحدد حتى الأن مدى الضرر الذي ألحقه هذا الوباء العالمي باقتصاداتها، فيما يلي بعضًا من أهمها:
  • الولايات المُتحدة: يتلقى ضربة قوية خلال العام الحالي، وذلك بعد توقعات بفقدان ما نسبته 28% من إجمالي السياحة الواردة أليه من الصين، مما ستؤدى إلى خسارة مبدئية تفوق الـ 5.7 مليار دولار من العائدات السياحة، فضلاً عن إلغاء 4 ملايين ليلية فندقية، فيما يظل الوضع بعد العام 2020 ضبابيًا.
  • فرنسا: انخفضت السياحة في فرنسا منذ ظهور الفيروس بما نسبته 30 إلى 40 %، ومن المتوقع أن يؤثر ذلك بالسلب على الناتج القومي للدولة الفرنسية، والذي تمثل السياحة 8% من إجماليه، ولقد ادت المخاوف من انتشار الفيروس إلى أغلاق عدد من المزارات والمعارض الهامة مثل متحف اللوفر.
  • الصين: كان للوباء اثار كارثية على القطاع السياحي الصيني، فمع إصابة أكثر من 80،000 حالة حتى الان في الداخل الصيني ووفاة ما يفوق على الـ 3،000 حالة، قامت أكثر من 70 شركة طيران بإلغاء جميع رحلاتها إلى المطارات الصينية، مما وضعها في حالة من العزلة عن العالم الخارجي، ومن السابق لأوانه حصر الخسائر التي ضربت القطاع السياحي الصيني.
  • السعودية: المملكة ليست من أكبر الاقتصادات السياحية العالمية، لكنها تشهد سنوياً عدد من الشعائر الدينية التي تعرف بشدة الاكتظاظ البشرى كمواسم الحج والعمرة، ومع استمرار الوباء عالمياً وتوسع انتشاره في عدد من البلدان العربية والإسلامية، يمكن أن تصبح المملكة وفى أيام معدودة بؤرة للوباء، لذلك يهدد استمرار الفيروس خلال الفترة القادمة بإلغاء شعائر العمرة خاصة في شهر رمضان المعظم، وربما يليه إلغاء لشعائر الحج للعام الهجري 1441، وهو ما سيمثل خسارة تفوق الـ 20 مليار ريال من الإيرادات السياحية.

ضربة بعد ضربة… كرونا والحرب التجارية

  • الحرب التجارية: إجراءات حمائية اتخاذها الرئيس الأمريكي لخفض العجز التجاري بين بلاده وشركائها التجاريين خاصة الصين، إذ بلغ العجز التُجاري في السلع قد بلغ خلال كامل 2019 تقريبًا 870 مليار دولار، واستمر أعلى من مُعدلات 500 مليار دولار مُنذ 2003.
  • الحرب مع الصين: بلغ العجز التجاري لصالح الصين بلغ في 2019 ما إجماليه 346 مليار دولار تقريبًا، وشكل مُنذ عام 2008 ما نسبته أعلى من 30% من إجمالي العجز التُجاري للولايات المُتحدة مع العالم، ويوضح الشكل التالي تطور العجز التُجاري الأمريكي مع الصين ونسبته من إجمالي عجزها الكُلي.
  • هدف الإدارة الأمريكية من الحرب: إجبار الصين أن تتراجع عن خططها لخلق وتنمية شركات حكومية تُنافس الشركات الأمريكية في السوق العالمية في مجال الروبوتات والتكنولوجيات المُتقدمة الأخرى وعلى رأسها اتصالات الجيل الخامس وما بعده.
  • أسلوب الحرب: انتهج الرئيس الأمريكي خلال الحرب التجارية مع الصين أسلوب رفع التعريفات الجُمركية على الواردات منها، مما يؤدي إلى رفع أسعار سلعها في مُقابل نظيراتها من ورادت الدول الأخرى، بهدف خفض التدفقات منها للداخل الأمريكي، وممارسة مزيدًا من الضغوط على الحكومة الصينية بهدف شراء سلع أمريكية –زراعية في الأساس- لخفض العجز المُتنامي بين البلدين.
  • الرد الصيني: اتخذت إجراءات مَضادة كفيلة بتقليل تأثيرها، من بين أهمها –بالإضافة إلى التعريفات العكسية- خفض قيمة اليوان في مُقابل الدولار، وتنفيذ اقتطاعات ضريبية على أرباح الشركات مما يُسفر في النهاية عن تقليص النفقات التشغيلية للشركات المُصدرة وبالتالي خفض قيمة المُنتج ذاته، ما يجعله يظل في المُنافسة داخل السوق الأمريكية.

1- الانعكاسات الاقتصادية للحرب على الولايات المُتحدة والصين:

  • ضعف اقتصادي عام: 
  • الاقتصاد الصيني: تراجعت مُعدلات نموه من مستوى 6.7% في الرُبع الثالث من 2018 إلى مُعدلات 6.2% في ذات الرُبع من عام 2019، كما تراجع نمو الناتج الصناعي على أساس سنوي من مُعدلات 6.1% في أغسطس 2018 إلى 4.4% في ذات الشهر من 2019.
  • الاقتصاد الأمريكي: الولايات المتحدة انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي من مستوى 3.5% في الرُبع الثاني عام 2018 إلى مُعدل 2% فقط خلال 2019، ويرجع ذلك إلى: أولًا إلى انخفاض مؤشر مُديري المُشتريات الصناعي إلى مستوى ما دون 50 نُقطة لأول مرة مُنذ يناير 2013 على الأقل خلال شهر أغسطس 2019. يوضح الشكل التالي تطور الناتج المحلي الإجمالي لكلا الدولتين:
  • انخفاض مُعدلات الاستثمار الأجنبي المُباشر بين البلدين: انخفضت الاستثمارات المُباشرة الصينية في الولايات المتحدة خلال عام 2018 بنسبة تزيد عن 80٪ إلى 5 مليارات دولار، من 29 مليار دولار في 2017 و46 مليار دولار في 2016. أما الاستثمارات المُباشرة الأمريكية في الصين فقد انخفضت إلى 13 مليار دولار في 2018 من 14 مليار دولار في عام 2017.
  • انخفاض عجز الميزان التجاري الأمريكي مع الصين: كانت التعريفات الجُمركية الأمريكية أكثر نجاعة في الحد من الواردات الصينية من حيث الحجم، بينما كان العكس من حيث نسبة الانخفاض، إذ انخفضت الصينية من مُعدلات 44.6 مليار دولار في يونية 2018 إلى 39 مليار في ذات الشهر من 2019، بنسبة 12%. فيما انخفضت الصادرات الأمريكية للصين من 10.8 مليار إلى 9 مليار دولار في ذات الشهر وذلك بنسبة 16%، ويوضح الشكل التالي تطور التبادل التجاري بين الدولتين:
  • انخفاض قيمة اليوان الصيني: انخفضت قيمة اليوان حوالي 5% في المتوسط مقابل الدولار مُنذ بدأ الحرب التجارية في يونية حيث كان الدولار يساوي 6.62 يوان، في حين بلغت قيمته خلال فبراير 2020 في المتوسط 6.99 يوان. وهو ما وفر للمُصدرين الصينيين فرصة لتقليل أثر رفع تعريفات الجمركية الأمريكية على بضائعهم. لكن هذا الانخفاض يُمثل كذلك تهديدًا للاقتصاد الصيني إذ انخفضت قيمة اليوان سيؤدي إلى إحجام المُستثمرين عن ضخ مزيد من الاستثمارات بالعُملة الأجنبية خوفًا من انخفاض قيمتها، بل وسيضطر البعض منهم إلى التخارج إذا اتخذت عملية الانخفاض وتيرة أسرع، أو استمرت بذات الوتيرة لفترة أطول، وهو سيجبر الحكومة على استعمال احتياطاتها من النقد الأجنبي الأمر الذي سينعكس سلبًا على الاقتصاد الصيني بأكمله، يوضح الشكل التالي تطور متوسط مُعدلات صرف الدولار أمام اليوان شهريًا.

2- تأثر الحرب التجارية بالفيروس:

  • توقف الحرب (اتفاق تجاري مبدئي): توصل الطرفان إلى اتفاق مبدئي وقعاه في 15 يناير من العام الجاري، أهم بنوده أن تقوم الصين بشراء ما قيمته 200 مليار دولار من السلع الزراعية الأمريكية، وهو ما بعث الارتياح في الاقتصاد العالمي من حيث أن الاقتصاد الصيني في طريقه إلى التعافي بعد الضغط الذي مارسه عليه الاقتصاد الأمريكي، ومن ناحية أخرى أن المُستهلكين الأمريكيين سيعودون لنفس مُستويات الاستهلاك قبل الحرب التجارية.
  • كورونا يقضي على التفاؤل بانتهاء الحرب: أدى ظهور الفيروس إلى انتهاء حالة التفاؤل التي سيطرت على الأسواق العالمية، لتضرر هذه الأسواق بشدة من جراء انتشار العدوى وهو ما أثر على الإنتاج الصناعي وحركة السياحة والتبادل التجاري وسلاسل التوزيع العالمية، على نحو ما نتناوله لاحقًا في هذا التقرير.
  • كورونا قد يؤثر على إتمام الاتفاق التجاري: قد تعجز الصين في ظل وضعها الحالي من انخفاض الاستهلاك والطلب، عن الوفاء بالتزاماتها خاصة تلك المُتعلقة بشراء السلع الزراعية الأمريكية، وهو ما قد يرغم الولايات المُتحدة على عدم تنفيذ التزاماتها برفع وتأجيل رسوم جمركية مفروضة حاليًا على الواردات الصينية أو كانت على وشك أن تفرض.

مُتنفس بيئي رغم الأضرار الاقتصادية

1- الانبعاثات الكربونية:

  • شهد العالم في الأسابيع الأخيرة انخفاضًا كبيرًا بشكل ملحوظ في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وهذا الانخفاض الغير متوقع كان له أسباب تتعلق بتفشي وباء فيروس كورونا المستجد في الصين.
  • لم يتسبب الفيروس في إمراض الآلاف فقط، ولكنه تسبب في أضرار اقتصادية عديدة ناتجة من إغلاق المصانع والمصافي والرحلات الجوية في جميع أنحاء الصين.
  • طالبت الحكومة الصينية من مواطنيها بالبقاء في منازلهم في العديد من المدن. وهو ما نتج عنه عدة مترتبات أدت في النهاية إلى تخفيض معدل الانبعاثات الكربونية في الصين، حتى وصلت إلى ما هو أقل من 25% من مثيلاتها في العام الماضية في أول 3 أسابيع من بداية انتشار الوباء. 
  • خلال الفترة نفسها من عام 2019، أطلقت الصين حوالي 400 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون (MtCO2)، مما يعني أن الفيروس خفض بالفعل الانبعاثات العالمية بمقدار 100 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، أي 6 ٪ من الانبعاثات العالمية خلال نفس الفترة.
  • تعتبر الصين إحدى أكثر الدول مساهمة في زيادة وتيرة التغيرات المناخية بسبب انبعاثاتها الضخمة. حتى أن مقدار الانخفاض في الاسابيع الثلاثة الأولى يكاد يكون مساوياً لما تساهم به ولاية نيويورك الأمريكية في عام كامل من نفس الانبعاثات (حوالي 150 مليون طن متري). وكذلك انخفضت مستويات تلوث الهواء بغاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 36٪ مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.
  • وهناك تأكيد آخر على انخفاض استخدام الوقود الأحفوري في قياسات الأقمار الصناعية لغاز ثاني أكسيد النيتروجين NO2، وهو إحدى ملوثات الهواء التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحرق الوقود الأحفوري. ففي الأسبوع الذي تلا عطلة رأس السنة الصينية 2020، كان متوسط ​​المستويات قد تدنى بالفعل بنسبة 36٪ في الصين مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019.

2- تحركات الحكومة الصينية لاحتواء آثار الأزمة وانعكاساتها البيئية:

  • أدركت القيادة الصينية المخاطر المادية بسبب أزمة الوباء، إذ بدأت حزمة من التدخلات الفورية.
  • من أوائل تحركات الحكومة كان دعوة البنوك إلى تجديد القروض والحكومات المحلية لخفض الإيجارات والتكاليف الأخرى للشركات، وكذلك على شركات السمسرة والتداول، لمنع أسعار الأسهم من الهبوط.
  • كان من المفترض تحديد هدف نمو إجمالي الناتج المحلي لعام 2020 رسمياً في الدورة السنوية للبرلمان، والتي تعقد عادة في بداية شهر مارس، ولكنها تأخرت بسبب ظروف الأزمة. وبات من الواضح أن اندلاع المرض قد يعيق جهود الصين المستمرة لتنمية اقتصادها ومحاولتها للمساهمة الإيجابية في مشكلة التغيرات المناخية.
  • كانت الحكومة الصينية قد وضعت أهدافًا طموحة للنمو الاقتصادي هذا العام، وأصبح من المتعين عليها بعد انتهاء الأزمة السباق للتعويض عما فاتها. وهو ما قد يعني بالضرورة وضع سياسات جديدة لتحفيز الصناعات الملوثة مثل الصلب والإسمنت، وتخفيف الجهود المبذولة للابتعاد عن الفحم. وهي السياسات التي انتهجتها سابقاً المصانع الصينية، والتي تميل إلى زيادة الإنتاج لتعويض الإنتاج المفقود أو الإغلاق المؤقت، وهي سياسة تعرف بمصطلح “التلوث الانتقامي”.
  • من المتوقع أن تنتعش مستويات الانبعاثات الكربونية الضارة مرة أخرى، بل وبصورة أكبر خلال الفترة ما بعد احتواء تداعيات انتشار فيروس كورونا. خاصة وأن النظام الصيني قد تضرر سياسياً بقسوة بعد فشله في إدارة الملف الصحي ووقف انتشار المرض في الأسابيع الأولى لاندلاعه. وبهذا لن تكون من أولوياته الحفاظ على البيئة مقارنة باسترجاع مقومات التنمية الاقتصادية، بهدف تقليل الضرر على المواطن الصيني بأقصى سرعة.
+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى