أفريقيا

“افريقيا وبريطانيا”.. ملاذ آمن وفرص ضائعة

اتجهت كثير من الأنظار نحو القمة التي تقودها بريطانيا متطلعة إلى الشراكة مع القارة الإفريقية.

 واستضافت المملكة المتحدة أمس الاثنين، قمة بريطانية – أفريقية ناقشت على هامشها عددا من الفُرص المتاحة للاستثمار في القارة الأفريقية وهو ما يحتم البحث في مدى استعداد البيئة الأفريقية ببنيتها التحتية الحالية للاستثمارات الأجنبية.

على الرغم من المشاركة المتواضعة من دول القارة في القمة والتي تمثلت في مشاركة 21  دولة أفريقية فقط، من أصل 54 دولة أفريقية في القارة، وهو ما  يثير عددا من التساؤلات، والتي تتمحور حول الإقبال غير المشهود على القمم المختلفة في معظم المحافل الدوليةٌ، ولا سيما في ظل وجود اتحاد أفريقي قائم بالفعل وبشكل نشط، والذي ترأسه مصر خلال هذه الدورة.

يتناول هذا التقرير مجموعة من المحاور التي من شأنها أن تُسلط الضوء على الفرص الاستثمارية الضائعة في قارة أفريقيا، والتحديات التي تواجهها البيئة الاقتصادية والاستثمارية، والجهود والاتفاقيات التي جمعت القارة الأفريقية والعمالقة الاستثماريين في العالم.

فرص استثمارية ضائعة

تعتبر السوق الإفريقية الاستثمارية كنزا يحتاج إلى إلقاء الضوء عليه، واستغلاله بشكل جيد يضمن أن الفائدة ستعم على الجميع، فلا تزال إمكانات إفريقيا بصفتها بيئة نامية في قطاعات الأعمال والتصنيع في حاجة لتعظيم خُطط التنمية الصناعية والتجارية في الداخل والخارج.

في الواقع، وطبقًا لبعض الأبحاث التي جرت على السوق الإفريقية مؤخرًا، أن عدد الشركات في إفريقيا يتجاوز الـ 400 شركة تُحقق إيرادات سنوية تبلغ مليار دولار وأكثر، والتي تنمو بشكل أسرع وأكثر ربحية من نُظرائها في باقي أنحاء العالم.

تُعد الأسواق الإفريقية سريعة النمو، فرصة مهمة في مجال الأعمال، خصوصا في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. ففي الفترة ما بين 2000 – 2010 وصل نمو الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا بمتوسط معدل سنوي قدره 5.4 %، والذي يُقابله مقاييس نمو متساوية في القوى العاملة ونمو الإنتاجية.

بعد انهيار منظومة أسعار النفط عام 2014، بدأت تُظهر قارة أفريقيا نمو حثيث، فقد أوضح البنك الدولي أن هناك ست دول أفريقية تم إدراجها من أسرع عشرة اقتصادات نموا في العالم عام 2018، ونجد أن غانا تعتلي رأس القائمة.

على الجانب الآخر، فقد أوضح البنك الدولي في تقريره لعام 2019 أن العشرة دول الأكثر نموًا في العالم، شملت خمس من الدول الإفريقية، وحصلت أفريقيا جنوب الصحراء على مؤشر ثُلث الإصلاحات في الهياكل التجارية الداخلية بها.

قابلية القارة الإفريقية لقبول فُرص الاستثمار الخارجي

ومن هنا سنجد أن الفرصة الكبرى التي تدعم بيئة الاستثمار داخل إفريقيا هي القوى البشرية المتزايدة التي تجعل من المجتمع الأفريقي بيئة خصبة للاستفادة من القدرات البشرية داخلها، وهو ما ننظر إليه حاليًا من خلال المؤشرات الخاصة بتعداد السكان في أفريقيا، حيث يبلغ عدد السكان الحالي داخل القارة حوالي 1.2 مليار نسمة، ومن المتوقع وصوله إلى 1.7 مليار نسمة بحلول عام 2030، وهو ما يجعلنا ننظر إلى أسرع المناطق الحضرية تطورًا في العالم.

ليس هذا فحسب، وإنما بالنظر إلى الرواتب في القارة، فإننا نجدها ترتفع بشكل مناسب ليُصبح بها فرص تُجارية جديدة في الأسواق الاستهلاكية. ففي عام 2015 وصل الإنفاق السنوي للسوق الاستهلاكية في أفريقيا إلى 4 تريليون دولار، وتشير التوقعات إلى وصوله لنحو 6.66 تريليون دولار بحلول عام 2030، وهو ما يحفز الأسواق المتنامية في عدد من القطاعات الإنتاجية التي تشمل الأغذية والمشروبات والأدوية والخدمات المالية والرعاية الصحية والتعليم.

ولا نغفل الثورة الصناعية الإفريقية التي تظهر في زيادة المُنتجين في مجالات مختلفة بدءا من تصنيع الأغذية، مرورًا بصناعة السيارات، فقد أشار تقرير آفاق الاقتصاد العالمي إلى أن معدل النمو في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية في إفريقيا جنوب الصحراء في تحسُن يُمثل 1.2 % عام 2019، و1.5 % في 2020.

ومن المُرجح أن يحدث هذا النمو من خلال مُساهمة قطاع صادرات الصناعات التحويلية، إلى جانب كونه فرصة لتحويل إفريقيا إلى المركز الثاني في العالم للتصنيع، حيث تنتقل الصناعات من الصين إلى القارة الأفريقية الأقل تكلفة في الأيدي العاملة. فالقارة الإفريقية تُعد بيئة صناعية لديها القدرة على التصدير وزيادة الإنتاجية وترتفع بها كثافة اليد العاملة.

هل تجد بريطانيا لنفسها ملاذا آمنا في إفريقيا؟

الإجابة هنا تكمن في اهتزاز الوضع البريطاني بعد محاولات عدة من أجل الخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي يجب الاعتراف والاشارة إلى كون اقتصادها سيهتز إلى حد كبير. فبعد أول استفتاء أجراه الاتحاد الأوروبي بأسبوع، فقد اقتصاد أوروبا حوالي 800 مليون جنية إسترليني أي ما يوازي مليار دولار أمريكيا.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فكون كُتلة الاتحاد الأوروبي هي أكبر شريك تُجاري لبريطانيا، جعل الصدمة الاقتصادية التي ستواجهها بريطانيا قوية بشكل جاد، فقد غابت الخطط الاقتصادية للشركات الشريكة في الاقتصاد البريطاني لمدة ثلاث سنوات مستقبلية على الأقل.

تراجع نمو الاقتصاد البريطاني بنسبة سنوية بلغت 1% حاليًا، في مُقابل 2 % العام الماضي. وتوقفت استثمارات الشركات البريطانية بعد هذا الاستفتاء لتصل نسبة الاستثمار إلى 3.7 % في عام 2018، والذي تزامن مع نمو استثمارات دول مجموعة السبع في نفس التوقيت بنسبة 6 %، مما أدى إلى تراجع ثقة الشركات المستثمرة في بريطانيا.

وبالتالي تأتي الإجابة هنا إلى كون أفريقيا فرصة عظيمة للاستثمار، فمازالت تمتلك الكثير من الثورات والمواد الخام، ولا سيما النفط والمعادن التي يمكن لبريطانيا بناء استثماراتها عليها. وهو ما يضع القارة الإفريقية في موقع صاحب القرار في هذه المرحلة، ففي اجتماعات مجموعة العشرين وأفريقيا التي عُقدت على هامش قمة العشرين في برلين، أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن صندوق الاستثمار الذي قامت المجموعة بتأسيسه لمساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة للاستثمار في الدول الإفريقية، تلقى حوالي 200 طلب للاستثمار في أفريقيا.

وأكدت  ميركل آنذاك أن الدور الذي تقوم به كل من شبكة الاقتصاد الإفريقية ونمو أفريقيا لدعم الشركات الناشئة في أفريقيا يُعد دورا محوريا، وتدعمه ألمانيا باستثمارات تبلغ 130 مليون يورو، وهذا القرار نبع من تحُسن مؤشر إقامة الاستثمارات في الدول الإفريقية، وبالتالي تسعى ألمانيا وباقي دول مجموعة العشرين إلى خلق الثقة التي تجذب القطاع الخاص للاستثمار في أفريقيا.

ومن ثم لا يمكن تجاهل كل هذه المؤشرات الإيجابية التي جعلت من قارة أفريقيا أساس يمكن أن يرتكز عليه الاقتصاد البريطاني خلال فترة نقاهته، ليخرج قوي كما ينبغي له أن يكون، لتجنب الخسائر الفادحة التي ستُعاني منها بريطانيا إثر الخروج من الاتحاد الأوروبي بنهاية يناير الجاري.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى