
سد النهضة الإثيوبي .. مفاوضات متعثرة وخيارات متاحة
اختتمت يوم الخميس التاسع من يناير أعمال الاجتماع الرابع، الذى عقد بأديس أبابا على مدار يومي 8-9يناير 2020، دون الوصول الى اتفاق، ويأتي هذ الاجتماع في إطار سلسلة الاجتماعات الأربعة التى تقرر عقدها بشأن سد النهضة، على مستوى وزراء الموارد المائية والوفود الفنية من الدول الثلاث مصر والسودان واثيوبيا، وبمشاركة ممثلين من الولايات المتحدة والبنك الدولي كمراقبين، وذلك في ضوء مخرجات اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث في العاصمة الأمريكية واشنطن يوم 6 نوفمبر 2019، وبرعاية وزير الخزانة الأمريكية وحضور رئيس البنك الدولي.
مفاوضات متعثرة
أعلنت وزارة الموارد المائية المصرية في بيان لها يوم الخميس 9يناير أن الإجتماع الرابع شهد استكمال مناقشة مخرجات الاجتماع الوزارى الثالث الذى عقد في الخرطوم خلال الفترة (21-22) ديسمبر 2019، وذلك في اطار محاولة تقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث للوصول الى توافق حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، حيث واصلت الدول الثلاث المناقشات حول نقاط التوافق والاختلاف وحاولت مصر من خلال مشاركتها في تلك المناقشات تقريب وجهات النظر وتقليص الفجوة في المواقف وذلك من خلال تقديم مقترحات ودراسات تضمن لأثيوبيا توليد الكهرباء باستمرار وبكفاءة عالية في فترات الجفاف الشديد دون الاضرار بالمصالح المائية المصرية.
وشدد بيان وزارة الموارد على ضرورة أن يتكامل سد النهضة بوصفه منشأ مائي جديد في نظام حوض النيل الشرقي للحفاظ على مرونة المنظومة المائية لمواجهة الظروف القاسية التي قد تنشأ عن ملء وتشغيل سد النهضة اضافة إلى حالات الجفاف والاثار التي قد تنتج عن ظاهرة تغير المناخ.
وبالرغم من كل الجهود المبذولة لا تزال المفاوضات متعسرة، نظرا لعدم وجود اجراءات واضحة من الجانب الاثيوبي للحفاظ على قدرة السد العالى على مواجهة الاثار المختلفة التى قد تنتج عن ملء وتشغيل سد النهضة خاصة اذا واكب ذلك فترة جفاف أو جفاف ممتد لعدة سنوات متتابعة.
تصريحات متضاربة
بعد انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات حدثت حالة من التخبط في التصريحات، حيث خرجت وزارة الخارجية الاثيوبية ببيان حول نتائج المفاوضات زعمت خلاله أن مصر طلبت أن تمتد فترة ملء السد من 12عام الى 21عام وأعلنت رفض اثيوبيا التام لهذا المقترح، وهو ما نفته الخارجية المصرية في بيانها الصادر يوم الجمعة 10يناير 2020، مؤكدة أن الطرح المصري يقود إلى ملء السد في 6 أو 7 سنوات إذا كان إيراد النهر متوسطا أو فوق المتوسط خلال فترة الملء، أما في حالة حدوث جفاف، فإن الطرح المصري يمكّن السد الإثيوبي من توليد 80% من قدرته الإنتاجية من الكهرباء، مما يعني ان الجانب الإثيوبي لت يتحمل سوى نسبة ضئيلة من أعباء الجفاف.
وأرجعت الخارجية المصرية سبب عدم التوصل الى اتفاق خلال الاجتماعات الوزارية الأربعة إلى تعنت إثيوبيا وتبنيها لمواقف مغالى فيها تكشف عن نيتها في فرض الأمر الواقع وبسط سيطرتها على النيل الأزرق وملء وتشغيل سد النهضة بشكل أحادي دون أدنى مراعاة للمصالح المائية لدول المصب وبالأخص مصر بوصفها دولة المصب الأخيرة، بما يخالف التزامات إثيوبيا القانونية وفق المعاهدات والأعراف الدولية، وفي مقدمتها اتفاق إعلان المبادئ المبرم في 23 مارس 2015، وكذلك اتفاقية ١٩٠٢ التى أبرمتها إثيوبيا بإرادتها الحرة كدولة مستقلة، واتفاقية ١٩٩٣ التى تعهدت فيها بعدم إحداث ضرر لمصالح مصر المائية.
ماذا بعد؟
في ظل إنتهاء الاجتماعات الفنية الأربعة المقررة على مستوى وزراء الموارد المائية للدول الثلاث دون الوصول الى اتفاق حول قواعد ملئ وتشغيل سد النهضة، بات أمام الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا حلا أخيرا في العاصمة الأميركية واشنطن، فمن المقرر أن يجتمع وزراء الخارجية والري لمصر والسودان واثيوبيا في 13يناير 2020 بوزارة الخزانة الأمريكية في واشنطن، بهدف حل الخلافات بين الدول الثلاث بحلول 15 يناير، وذلك في ضوء ما توافق عليه وزراء الخارجية في اجتماعهم في واشنطن يوم 6 نوفمبر 2019، وعلى الرغم من اعتراض مصر على أسلوب الخارجية الإثيوبية ورفضها للبيان المعلن عنها، أكدت مصر أنها ستشارك في الاجتماع المقرر عقده في واشنطن يومى 13 و14 يناير 2020، من منطلق التزامها بالعمل الأمين من أجل التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن وفى إطار سعيها للحفاظ على مصالح الشعب المصرى التى لا تقبل التهاون فيها.
الخيارات المطروحة أمام مصر
بعد خطوة التدويل التي اتخذتها مصر كمنهج في حل أزمة سد النهضة المتصاعدة، وما تبعها من سلسلة الاجتماعات الأربعة التي راعتها الولايات المتحدة والبنك الدولي، يتساءل الكثيرون عن الخيارات المتاحة أمام الجانب المصري، إذا لم يتوصل الأطراف الثلاثة إلى اتفاق خلال اجتماع واشنطن يومي 13و14يناير 2020، وفيما يلى توضيح لأبرز تلك الخيارات:
- طلب التوفيق أو الوساطة:
أن تلجأ إلى البند العاشر من اتفاق “اعلان المبادئ” الموقع في 23مارس عام 2015، والذي يحمل اسم “مبدأ التسوية السلمية للمنازعات” وينص على أنه إذا “لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول أو رئيس الحكومة”، سواء كانت هذه الدولة الوسيط هي الولايات المتحدة (استنادا الى علاقتها القوية بكل من مصر واثيوبيا) أو أي دولة أخرى يتوافق عليها الطرفان.
- اللجوء إلى الاتحاد الافريقي:
إنطلاقا من مبدأ الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية، تستطيع مصر الاتجاه بشكوى إلى الاتحاد الأفريقي وخاصة مجلس السلم والأمن الأفريقي المنبثق عن الاتحاد، مع التأكيد على أن هذا النزاع ليس نزاع بين دولتين ولكنه نزاع في تطبيق القانون الدولي، وقد يؤدي هذا النزاع إلى تهديد السلم والأمن في أفريقيا، وعلى الاتحاد الإفريقي النظر في الشكوى والتحقيق فيها ثم اتخاذ قرار بشأنها.
- اللجوء إلى التحكيم الدولي ومجلس الأمن:
علاوة على ذلك، يمكن لمصر بالاتفاق مع اثيوبيا اللجوء إلى محكمة العدل الدولية للبت في النزاع، ولكن نظرا إلى أن الوقوف أمام المحاكم الدولية يتطلب موافقة الطرفين، والتي ربما لن تقبل بها إثيوبيا تخوفا من ضعف موقفها، تتجه مصر في هذه الحالة إلى التقدم بشكوى إلى محكمة العدل الدولية لطلب الفتوى (والتي لا تشترط موافقة الطرفين)، ويتم إرسال هذه الفتوى إلى مجلس الأمن للنظر فيها، لمراجعة تهديد السلم والأمن الدوليين.
- استخدام الحلفاء:
كحل آخر، يمكن استغلال العلاقات المصرية الجيدة بالمؤسسات والدول المانحة والتي لديها استثمارات ضخمة في إثيوبيا للضغط عليها من أجل الرضوخ إلى مطالب الجانب المصري، وهناك نتحدث عن الصين وإيطاليا تحديدا.
- خيار الانسحاب من الإتفاق الإطاري:
يرى بعض المتخصصون في الشأن الإفريقي انه من بين الخيارات المتاحة إعلان كل من مصر والسودان الانسحاب من الاتفاق الإطاري، وهو الإتفاق الذي يعطي المشروعية لإثيوبيا لبناء السد، حيث لم يعرض الاتفاق الإطاري على البرلمان المصري للموافقه عليه حتى الآن، فاذا ما تم عرضه ورفضه من البرلمان سيمثل ذلك مخرج قانوني من الإتفاق، ولكن يظل الموقف السوداني مبهم ولا يمكن التنبؤ به في هذا الشأن.
- الإنضمام إلى “عنتيبي”:
بينما يذهب آخرون إلى إمكانية لجوء الجانب المصري إلى الإنضمام لإتفاقية “عنتيبي”، والموقعة عام2010 بين: إثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا، وانضمت إليها بورندي في عام 2011 ، لكنها لم تدخل بعد حيز النفاذ، حيث تنص الاتفاقية في أحد بنودها على مبدأ الانتفاع العادل والمنصف والمعقول، لموارد نهر النيل، كما تنص الاتفاقية، على أن لدول حوض النيل والمنشآت ذات الصلة حق التمتع بالحماية التي تمنحها مبادئ وقواعد القانون الدولي المطبقة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، ولكن إذا ما قررت مصر اللجوء إلى هذا الخيار فلابد أن تتحفظ على بعض البنود التي لا تتفق مع سياستها المائية، والتأكيد على حصة مصر التاريخية في المياه.
- الخيار العسكري:
استبعد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في أكثر من مناسبة اللجوء إلى الخيار العسكري، مشيرا إلي أن مصر تعوّل دائما على الحلول السلمية والدبلوماسية لمشكلة سد النهضة، خاصة وان هذا الخيار سيكون له العديد من الآثار السلبية على كل الأطراف، وهو ما لاترغب فيه مصر ابدا، ورغم اسبعاد الخيار العسكري إلا ان كل الخيارات مطروحة إذا ما تعلق الأمر بأمن مصر القومى.
وأخيرا،
يظل الوقت هو العامل الأكثر أهمية في ظل كل التحديات والخيارات المتاحة، فأيًا كان الخيار الذي ستنتهجه مصر لآبد ان يتم في أسرع وقت ممكن، للخروج من مأزق المماطلة الإثيوبية خاصة بعد إعلان إثيوبيا المضي نحو ملء السد في يوليو 2020 وفرض سياسة الأمر الواقع دون مراعاة مصالح كل من مصر والسودان، وهو ما لن يقبله الجانب المصري.
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية



