
استثمارات هندية ضخمة في ميناء ” تشابهار الإيراني” استباقا لرفع العقوبات عن طهران
الهند وإيران دولتان، لا تجمعهما حدود مشتركة، وعلى الرغم من ذلك كانت العلاقات التاريخية بينهما على قدر عال من “القوة” بالاعتماد على عدد من العوامل منها العلاقات التجارية الوثيقة المتعلقة بطريق الحرير والروابط الثقافية التي يمكن تلخيصها في أن الهند وإبان حكم المغول كانت تتحدث اللغة الفارسية وكان النفوذ الفارسي في وقتها على أوجه.
كما أن هناك حوالي 40 إلى 45 مليون هندي ” شيعي” يقطنون شبه القارة الهندية وهو ما يسمح لطهران بنفوذ ديني واسع النطاق في الهند.
رؤية تاريخية
في الفترة التي تلت استقلال الدولتين وخروج الاستعمار البريطاني لم تشهد العلاقات البينية الكثير من التطور بل تأخر إعلان العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بسبب دعم طهران لقيام دولة باكستان التي انفصلت عن الهند بعد معارك دامية.
كما أن الدولتين اتخذتا مواقف مغايرة في فترة الحرب الباردة، ولكن في التسعينيات شهدت العلاقات بين الدولتين قفزة بسبب سعي نيودلهي وطهران إلى تحقيق مصالح متشابهة في أفغانستان.

وعلى الرغم من وجود تباعد بين الدولتين على صعيد العلاقات مع إسرائيل فإن الطرفين وقعا في 2001 ما عرف بإعلان طهران والذي عبر بوضوح عن موقفهما فيما يجري في أفغانستان.
وبعد أحداث سبتمبر تمكنت الدولتان من الاستفادة من سقوط حكومة طالبان في أفغانستان لتحقيق مصالحهما هناك ولذلك فإن أفغانستان كانت على الدوام نقطة التلاقي ومفتاح العلاقات الهندية –الإيرانية.

أما في عام 2003 فقد تم التوقيع على إعلان نيودلهي والذي كان بمثابة اتفاقية شراكة استراتيجية تضمنت 16 بندًا كان من أهمها التعاون في إنشاء ميناء تشابهار الإيراني وهو الاتفاق الذي شمل أفغانستان أيضًا باعتبارها الدولة التي سيكون لها موطئ قدم على المحيط على خلفية إمكانية النفاذ للميناء الإيراني.
وبالرجوع إلى إعلان نيودلهي الذي أطلق التعاون الاستراتيجي بين البلدين عن طريق خارطة طريق تعتمد على خطط مكثفة على مدى خمس سنوات، فقد تعثر الإعلان وواجه بعض العقبات نتيجة تصويت الهند في عام 2005 على مشروع قرار في وكالة الطاقة الذرية ضد الملف النووي الإيراني، وطهران التي رأت أنها تلقت طعنة من نيودلهي قامت على الفور بوقف تصدير الغاز المسال إلى الهند للمرة الأولى خصوصًا أن تصويت الهند أتاح لمجلس حكماء الوكالة إحالة الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن.
الملفات الخلافية
على أي حال لم يكن تصويت نيودلهي ضد طهران في وكالة الطاقة الذرية وجه الخلاف الوحيد، فالدولتان تمتلكان ملفات متشابكة وعلاقات متشعبة.

وفي إطار العلاقات مع دول الخليج تمتلك الحليفتان مواقف مغايرة، فالهند حليف اقتصادي وسياسي قوي ومقرب من الخليج العربي خصوصًا مع وجود جالية هندية كبيرة في هذه الدول تمثل عمالة دائمة وإذا كانت العلاقات الهندية – الإسرائيلية تشكل نقطة خلاف بين الهند وإيران إلا أنها تمثل نقطة تلاقي بين الهند والعواصم الخليجية خاصة بعد ذهاب البحرين والإمارات لخيار التطبيع مع إسرائيل.

وهنا اختارت نيودلهي أن تمارس لعبة طهران المفضلة بالإمساك بالعصا من منتصفها، ففي الوقت الذي تحرص فيه على علاقاتها مع دول الخليج وتطويرها بشراكات اقتصادية وأمنية واستخباراتية مع الإمارات والسعودية على وجه التحديد، فقد وقفت موقفًا حياديًا منذ تعرض ناقلات النفط لهجوم إيراني في الخليج العربي وحتى يومنا هذا كما لم تعلق إطلاقًا على استهداف الحوثي المدعوم من إيران لأمن المملكة العربية السعودية.
نيودلهي تتقن لعبة طهران
في ملف آخر تمارس الهند البراجماتية بشكل أكثر وضوحًا، فبعد انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل المشتركة من جانب واحد في 2018 وتوظيفها لسياسة الضغط الأقصى على إيران والذي امتد لتصفير صادرات طهران النفطية، عمدت نيودلهي إلى تنويع اعتماداتها بالتعاون مع الولايات المتحدة نفسها وبحلول إبريل 2019 كانت نيودلهي قد استوردت 4.6 مليون برميل من النفط من الولايات المتحدة مقارنة بنصف الكمية في إبريل من العام 2018.

صحيح أن النفط الإيراني “متوسط الحموضة” يعد أكثر ملائمة لمصافي النفط الهندية ولكن نيودلهي في نفس التوقيت حريصة على عدم إغضاب الحليف الأمريكي، وقد دخلت مع واشنطن في مفاوضات مطولة بعد انسحاب الأخيرة من خطة العمل المشتركة لتضمن حصولها على إعفاء لاستيراد النفط الإيراني وقد نجحت بالفعل ضمن ثمانية دول من الحصول على هذا الإعفاء “المؤقت”.
على جانب آخر استطاعت نيودلهي الاستفادة من العقوبات المخففة على ميناء تشابهار وذلك عبر إقناع واشنطن بأن أفغانستان الحبيسة ستكون قادرة على الوصول إلى المياه العالمية عن طريق مشروع الميناء المشترك بين ” الهند- إيران- أفغانستان” وأن هذا بدون شك سيسهم في النهوض باقتصاد أفغانستان ودمج الدولة التي مزقها الإرهاب في المجتمع الدولي مما يسهم في النهاية في انسحاب أمريكي مأمون من أفغانستان، وخلال كل تلك الفترة كانت نيودلهي حريصة على إيقاف استثماراتها في مشروع الميناء الشهير بين الحين والآخر خوفًا من انقضاء الاتفاق النووي إلى غير رجعة وارتفاع وتيرة العقوبات على إيران وبالتالي ذهاب أموال الاستثمارات الهندية هباءً.
جديد الملف واستباقية الهند
في خطوة استباقية، قدمت الهند مبادرات جديدة تجاه إيران، مستشعرة على ما يبدو أن إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 بات وشيكًا. وفي الأسبوع الماضي، قام جي بي سينغ ، السكرتير المشترك لشؤون إيران وباكستان وأفغانستان في وزارة الخارجية الهندية ، بزيارة إلى طهران.
وضع الأساس لتوثيق العلاقات، أجرى مشاورات سياسية مع كبار المسؤولين وتلقى تحديثات بشأن التقدم في تشابهار، حيث تمول نيودلهي مشروعًا لتطوير الميناء على خليج عمان. كان الغرض الرئيسي من هذه الزيارة هو استعادة موطئ قدم الهند المفقود في مشروع الموانئ الإيرانية.

وفي نفس الزيارة تطرق سينغ أيضًا إلى الحديث مع نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أحد الأشخاص الرئيسيين المشاركين هذه الأيام في المفاوضات المتعلقة بإحياء الاتفاق النووي المعروف رسميًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، فيما يشير بقدر عالي من التأكيد إلى أن نيودلهي تنتظر رفع العقوبات عن إيران قبل أن تنخرط في أي مشاريع أو نشاط تجاري واسع النطاق في البلاد.
وقد التقطت نيودلهي بعض الإشارات الإيجابية تمثلت في أن روبرت مالي ، أحد المفاوضين الرئيسيين في اتفاق 2015 ، قد تم تعيينه مبعوثًا لإيران من قبل إدارة بايدن. وبالمثل ، يشير تعيين ويندي شيرمان نائبةً لوزير الخارجية أيضًا إلى تقارب محتمل بين الولايات المتحدة وإيران ، حيث قادت الفريق الذي أبرم الصفقة في النهاية وهو ما يبعث برسائل تفاؤل متعددة إلى شبه القارة الهندية.
وعلى تلك الخلفية تستعد نيودلهي لاستئناف المشاركة رسميًا في تطوير ميناء تشابهار. على الرغم من إعفاء الهند من العقوبات الأمريكية على أعمال التطوير في تشابهار ، إلا أنها أوقفت شراء المعدات وأبطأت الإمدادات بينما ظلت الترتيبات المالية لدفع تكاليف مشاريع البنية التحتية في الميناء معلقة في مزيد من الخوف من العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران وقلق من أن يتوقف المشروع .

ولعكس الصورة الآن لدى طهران واستباقًا لإمكانية رفع العقوبات الاقتصادية عنها قام الوفد الهندي خلال الزيارة التي كانت برئاسة “سينغ ” بتسليم رافعتين بوزن 140 طنًا إلى الحكومة الإيرانية ، وهذا التسليم هو الجزء الأول من شحنة بقيمة 25 مليون دولار من ستة رافعات ميناء متنقلة. وبعد الزيارة بيومين فقط زار المندوبون الهنود الميناء لمناقشة استراتيجيات التنمية.
كما أجرت الهند وإيران مؤخرًا أول محادثات ثلاثية مع أوزبكستان لبحث سبل الاستخدام المشترك للميناء للتجارة. في النهاية ، تود الهند إدراج أوزبكستان في مشروع ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب لنقل البضائع بين الهند وإيران وأفغانستان وأرمينيا وأذربيجان وروسيا وآسيا الوسطى وأوروبا.
كما أنه وبدعوة مسؤولي وزارة الخارجية في إيران وأفغانستان وأوزبكستان ، ستعقد وزارة الخارجية الهندية قريباً اجتماعاً رباعي الأطراف في نيودلهي. وستتم مناقشة خطط “المسار السريع للتكامل الإقليمي” ، وفرص التجارة العابرة وإنشاء آلية مشتركة للتعامل مع ميناء تشابهار .
وعلى صعيد التعاون العسكري فقد استضافت نيودلهي مؤخرًا وزير الدفاع الإيراني اللواء أمير حاتمي. في زيارته الأولى للعاصمة الهندية ، حيث أجرى حاتمي محادثات مع نظيره ركزت على مجالات التعاون العسكري بين البلدين.
مستقبل العلاقات
وفقًا لما تقدم فإن مستقبل العلاقات الهندية – الإيرانية محكوم بشكل كبير بالتعاون في المجالات الاقتصادية لا سيما المتعلقة بالطاقة والتجارة البينية وذلك نظرًا لما تمثله طهران من مورد أساسي للنفط بالنسبة لنيودلهي ونظرًا للاستثمارات التي تقدمها طهران للهند في عدد من المشاريع أهمها ميناء تشابهار.
ورغم محاولات الدولتين المتكررة لتوسيع مجال التعاون ليشمل العمل الدفاعي والأمني المشترك إلا أن كون نيودلهي حليف مقرب من واشنطن حال بشكل كبير دون تطوير هذه العلاقات. بسبب ضغط واشنطن المستمر على الهند للحد من تعاملاتها الأمنية مع طهران. كما أنه يحول دون تطوير هذا الجانب من العلاقات التعاون الوثيق بين الهند وإسرائيل على كافة الأصعدة.
ولكن على الرغم من ذلك يشوب الرؤية المستقبلية نوع من التفاؤل المتعلق بأن العلاقات وإن كانت غير قابلة للتطوير في بعض المناحي إلا أن الحياد الذي عرفت به الهند على مدار تاريخها السياسي والدبلوماسي يؤهلها للعب دور الوساطة في الملفات التي تتعلق بأمنها على الأقل والتي تعد إيران طرفًا فيها ولا شك أن أمن الطاقة يعد من الأولويات شديدة الأهمية لدى نيودلهي وأن إيران من ناحية أخرى عنصر أمان لمعادلة الطاقة هذه وإذا استمر الوضع كما هو أو تم رفع العقوبات عن طهران فإن الهند ستكون من أوائل المستفيدين.
باحث أول بالمرصد المصري



