كتب ودوريات

غياب الاستراتيجية الكبري للولايات المتحدة

Foreign Affairs, May/June 2019, Volume 98, Number 3.

المؤلف: مجموعة باحثين

الدورية: فورين أفيرز

يدور الجدل في أروقة صناعة القرار ومراكز البحث الأمريكية حول مفهوم تراجع الهيمنة الأمريكية عالمياً، وهو ما دفع أربعة خبراء للتقديم طرح لما يسمونه “الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة” في ملف بدورية فورين أفيرز تحت عنوان “ماذا يوجد في الداخل؟” .

يرى الخبراء أن الصورة الأمريكية لم تعد كما كانت بالنسبة لهؤلاء الذين عاشوها في الماضي، وذلك لأن القوة الصلبة للولايات المتحدة قد عانت من انخفاض نسبي، في حين أن القوة الناعمة الأمريكية قد حققت ضربة هائلة.  وتري ميرا راب هوبر وريبيكا فريدمان ليسنر أنه يتعين على واشنطن أن تتخلى عن تخيلاتها لليبرالية ما بعد الحرب الباردة، والتي تسعى نحو تحقيق انتصار عالمي معين، وعليه ينبغي أن تخفف السياسة الأمريكية من طموحاتها، وأن تركز على تعزيز مبدأ الانفتاح والاندماج داخل النظام الدولي.

ووجه عالم السياسة ستيفن والت باهمية أن يكون هناك قدر من التوازن الخارجي دائمًا فهو أكثر منطقية من مساعي فرض الهيمنة العالمية، وذلك لصعوبة تحقيق الهيمنة العالمية في الوقت الحالي، في حين دعمت “كوري شيك” الموقف الحالي ووصفته بأنه ليس قاسياً بالشكل الذي لا يمكن الرجعة فيه، كما أنه لا تزال هناك فرصة للولايات المتحدة لاستعادة مكانتها، ودعم النظام الدولي الليبرالي، وإعادة العالم إلى المسار الصحيح. لكن هذه مجرد فرصة، والذي يجب أن يبدأ بشفافية هو التقييم والاعتراف بالمشكلة.

“هذا الوقت مختلف”

السياسة الخارجية للولايات المتحدة لن تتعافى أبدًا

يرى الكاتب “دانيال دبليو دريزنر” تحت هذا العنوان أنه مع استمرار غياب أي إستراتيجية كبرى متماسكة للولايات المتحدة ستبقى قوة عظمى بالطبع، لكنها ستصبح قوة عادية وأقل ثراء، وخاصةً في ظل وجود قوى أخرى تسعى للتنافس.

وأوضح أن هذه ليست المرة الأولى التي يشكك فيها المراقبون في جدوى النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، والتي يمكن حصرها في التهديدات النفطية في السبعينيات من القرن الماضي والتي مثلت تهديدًا خطيرًا للنظام الدولي الليبرالي ، وكذا العجز التجاري في ميزانية الولايات المتحدة في الثمانينيات، وتهديدات هجمات 11 سبتمبر، والأزمة المالية في عام 2008.

وأضاف أنه لا يمكن إلقاء اللوم على عاتق ترامب في تدهور السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فعلى الرغم من احتمالية قيام رؤساء المستقبل بمحاولة استعادة الشكل الكلاسيكي للسياسة الخارجية للولايات المتحدة ، إلا أنه لا يمكن إحياؤها على الأرجح.

وعلى الرغم من النظرة المتشائمة بشأن تدهور النظام الليبرالي الذي أصبح خطراً على المؤسسات الأمريكية التي ترتكز على النظام الدولي الليبرالي، إلا أن النظام لم يسقط بعد، وعليه أوصى بضرورة بذل كل جهد ممكن للحفاظ على النظام الدولي الليبرالي، ويحذر أيضًا من البدء في التفكير فيما قد يحدث بعد نهايته.

ويرى والت أنه بعد انقضاء المدة الرئاسية للرئيس ترامب ، سيحاول أي رئيس جديد بلا شك استعادة التعقل في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، حيث سيقوم/تقوم بإلغاء الحظر علي السفر إلي الولايات المتحدة، ووقف الخطاب العدائي تجاه الحلفاء القدامى، وإنهاء الهجوم على النظام التجاري العالمي، ولكن ستظل آثار إدارة ترامب باقية على الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة لفترة من الزمن.

وأشار كذلك أن تأثير قرار ترامب فرض عقوبات إقتصادية على إيران ووصفه بأنه قرار “أحادي” قد حفز الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة على إنشاء نظام نقدي بديل في الوقت الحالي، وأنه على المدى الطويل سيتعلم كل من حلفاء الأمريكيين وأيضا خصوم الولايات المتحدة تجنب الإعتماد على الدولار.

كما أن خطابات ترامب الساخرة من تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون في جميع أنحاء العالم قد زعزعت من الصورة السلبية الهيمنة الأمريكية في العالم، وهو ما يتطلب إعادة الترويج لهذه القيم في الخارج ومحاولة تثبيتها في الداخل، علي حد قول ستيفن وولت. كما يرى بقاء تأثير هذه الحقبة في البيت الأبيض على سياسة أي رئيس قادم بعد ترامب بشكل لا يمكن محو أثره.

النظرة السابقة، أكدت عليها كل من ميرا راب هوبر وريبيكا فريدمان ليسنر في مقالهما بعنوان” العالم المفتوح .. ما يمكن أن تحققه أمريكا بعد ترامب”، وأشارت إلى أن تغير العالم الذي نعيشه الآن وظهور منافسين مثل الصين وروسيا– واللذان يشاركان بقوة في النظام الليبرالي على الرغم من تصريحاتهم بتحدي الأولويات الليبرالية-  قد خلق الحاجة لضرورة إدراك القادة الأمريكيين هذه الحقيقة وتعديل استراتيجيتهم وفقًا لذلك.

ويلقي العديد من الخبراء باللوم على ترامب في عكس استراتيجية الولايات المتحدة الكبرى، ويعربون عن أملهم في استئناف الولايات المتحدة للدور الذي شغلته بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ووصف الخبراء الهيمنة الأمريكية بأنها استندت إلى مزيج نادر من الظروف المواتية لم يعد من الممكن الحصول عليها الآن؛ فعلى الرغم من أن نظام ما بعد الحرب الباردة لم يكن مترابطًا أبدًا، إلا أنه كان يتطلع إلى ظهور شكل من أشكال الليبرالية العالمية.

وأوصت الباحثتان بإنه ما لم تكن الليبرالية العالمية مطروحة اليوم فإنه يجب على الولايات المتحدة أن تجعل التوجه إلى الانفتاح هو الهدف الشامل في استراتيجيتها الجديدة.

نهاية الغطرسة .. والعصر الجديد من ضبط النفس الأمريكي

يقدم ستيفن والت التحديات التي تواجه الولايات المتحدة ومنها أن الصين أصبحت أكثر قوة وحزم، ونشوء تهديدات جديدة في الفضاء الإلكتروني، والموجة المتزايدة من اللاجئين، وتجدد خطابات كراهية الأجانب ، والتطرف، وتغير المناخ، وغيرها الكثير. ومع تزايد تعقيدات البيئة العالمية، إزادت حاجة واشنطن إلى التفكير الواضح في مصالحها الحيوية ووضع أولويات جديدة للسياسة الخارجية، حيث يجب أن تحدد الاستراتيجية الأمريكية الكبرى الناجحة المكان الذي يجب أن تكون فيه الولايات المتحدة ومدى استعدادها لخوض الحرب ولأي غرض مشيراً إلى أن هذا هو النهج الثابت في السياسة الخارجية التي وجهت البلاد طوال معظم القرن العشرين وإرتقت بها إلي مكانة القوي العظمى ومن ثم لا تزال هي الخيار الأفضل. وأوضح والت أن تخلي نخب السياسة الخارجية عن الواقعية لصالح استراتيجية كبرى غير واقعية ـ الهيمنة الليبرالية ـ أضعفت البلاد وألحقت أضرارًا كبيرة في الداخل والخارج، وللعودة إلى المسار الصحيح ، ينبغي على واشنطن أن تعود إلى الواقعية وضبط النفس الذين حققا لها مكاسب كبيرة في الماضي، حيث ينبغي أن تتبنى الولايات المتحدة استراتيجية “التوزان الخارجي” والإمتناع عن الحملات العسكرية مع التركيز على الحفاظ على توازن القوى.


زر الذهاب إلى الأعلى