مكافحة الإرهاب

“الحاكمية” في أدبيات الإخوان وتكفير المجتمع

دأبت تنظيمات الإسلام السياسي، على تحريف آيات وأحاديث “السيف والقتال” عن مواضعها؛ لتخرج هذه النصوص المقدسة من أصولها، بهدف تطويعها وتطوعها وفق أهدافهم، وتصبح دالة على وجوب القتال. وقد بلغ ببعض هذه التنظيمات “الجهل” أن حكموا بجواز قتل النساء والأطفال وارتكاب أبشع الجرائم في حق الإنسانية؛ لإقامة “الحاكمية المزعومة” المنطلقة من أدبيات “حسن البنا” مؤسس تنظيم الإخوان مرور بسيد قطب الذي أرسى قواعد التكفير والتغيير باستخدام العنف، إلى أن طبق المفهوم على أرض الواقع على يد جماعات كالتكفير والهجرة وتنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية والقاعدة وداعش.

المفهوم والجذور التاريخية

لا يوجد إجماع على أصل فكرة “الحاكمية”، والاتجاه السائد، أن الحاكمية ترجع إلى الخوارج، عندما خرجوا على علي بن آبي طالب -رضي الله عنه-، محتجين على حادثة التحكيم في الصراع الدامي بين علي ومعاوية، وعند ذلك اعترض نفر من المسلمين الذين كانوا في جيش “علي” قائلين: “لا يجوز تحكيم الرجال في دين الله، لأن الحاكمية لله اعتمادًا على الآية القرآنية (إن الحكم الاّ لله)”، فرد عليهم علي -رضي الله عنه- بعبارته المشهورة: “كلمة حق أريد بها باطل، لأن كتاب الله صامت لابد أن ينطق بها الرجال، وقولهم يعني لا أمر إلا لله“، إلا أن هناك رأى آخر، يرى أن مصطلح الحاكمية مستحدث، حيث استخدم لأول مرة على يد “أبو الأعلى المودودي”، بحثًا عن استقلال “الهند” عن الإنجليز، إلا أن المودودي لم يمارسه طويلًا، بل تراجع عن أفكار الحاكمية وخضع لقوانين ودستور الدولة ولم يتوقف عند هذا الحد، بل ترشح في الانتخابات.

وعلى الرغم من أن المودودي توقف عن تطبيق الحاكمية، إلا أن المصطلح انتقل من المودودي لحسن البنا مؤسس الإخوان، ثم بعدها لـ“سيد قطب”، وظل يستخدم من قبل الجماعات الإرهابية إلى يومنا هذا،  لتبرير انحرافهم عن نهج الشريعة الإسلامية الصحيح، فسفكت دماء الأبرياء باسم الله، بدعوى أن “لا حكم إلا لله”، وأنه يجب تطبيق شرع الله في الأرض من خلال إقامة دولة الله. 

كما تعتبر الجماعات الإرهابية الحكام الذين يجتهدون في سن القوانين التي تناسب الحال والأحداث كفار أي أطلقوا عليهم لفظ الطواغيت الذي يعني “من اغتصبوا حكم الله”، وهذا يعني أن الجماعات الإرهابية لا تؤمن بمنهج “الاجتهاد” الذي دعا إليه الرسول.  

قطب والبنا وأيدلوجيا التكفير

C:\Users\DELL\Desktop\سيد قطب والبنا.jpg

سارت التنظيمات المتطرفة بدءا من سبعينيات القرن الماضي، على نهج حسن البنا وسيد قطب، في تبني مبدأ الحاكمية واستخدام العنف للتغيير، ولمحاربة ما أطلقوا عليه القوانين والدساتير الوضعية التي تسير عليها المجتمعات الإسلامية، ورفعوا شعار كـ”الإسلام هو الحل” و “ما الحكم إلا لله”، وانتقدوا النظم المدنية الحديثة لتداول السلطة كفكرة الديمقراطية والانتخابات، واعتبروها مخالفة لمبدأ “الشورى” في الإسلام، ووصل الأمر بهذه التنظيمات أن طوعت الأحاديث النبوية والآيات القرآنية لتبرير استخدام العنف ضد المجتمعات، وظهرا هذا جليا في تجارب واقعية خلال العقدين الماضيين، كتجربة “حماس” في فلسطين وسيطرتها على قطاع غزة، واستخدامها العنف لفرض وجودها وحكمها على القطاع، وتجلى ذلك أيذا في بزوغ نجم أذرع مسلحة أخرى تابعة لتنظيم الإخوان، مثل  تنظيم “الطليعة” في سوريا. وحركتي “حسم ولواء الثورة”، في مصر، من تنفيذهم عمليات إرهابية بهدف العودة للسلطة لتطبيق مفهومهم للدين على غالبية ترفض هذا المنهج، وتراه مخالف لصحيح الدين الإسلامي.

ومنهج الإخوان في استخدام العنف للتغيير وفرض منهج “الحاكمية” المغلوط على المجتمع، هو نفس ما يتبناه ما يعرف بتنظيم الدولة “داعش”، والذي تلخص هذه الرسالة الخاصة بالتنظيم والمنشورة في إحدى إصداراتهم “مجلة النذير”، طبيعة منهجهم، تقول الرسالة : ” سنتوجه بدعوتنا إلى المسئولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وهيئاته وأحزابه، وسندعوهم إلى منهاجنا ونضع بين أيديهم برنامجنا وسنطالبهم بأن يسيروا عليه.. فإن أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم، وإن لجئوا إلى المواربة والمراوغة وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة، فنشن حرب على كل زعيم أو رئيس أو حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق إلى استعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام، سنعلنها خصومة لا سِلم فيها ولا هوادة معها حتى يفتح الله بيننا”

 وربطت هذه التنظيمات أيدلوجيتها بفكرة “توحيد الله بالحاكمية”، أي تفسير مصطلحات الإسلام بحسب ما يتوافق مع فكر الجماعة ونظريتها باعتبار أن حكم البشر من دون الله نوعًا من الجاهلية لتحقيق الحاكمية المزعومة، وهو ما أشار له سيد قطب في كتابه “معالم على الطريق”، حين قال أن “الدعوة للقتل وذلك لتحقيق الحاكمية إلى إزالة من لا يفقه في دين الله شيئًا لتنتقل الحاكمية إلى من يفهم مراد الله وذكر مصطلح الحاكمية (11) مرة في النصف الأول من كتاب “ظلال القرآن”. 

وتعتمد الجماعات المتشددة على الفتاوى المتطرفة التي لا صلة لها بما يأمر إليه الدين، ووصلت نسبتها إلى 10% من فتاويهم التي تؤسس لفكرة الحاكمية ومن بين تلك الفتاوى.. فتاوى لـ “ابن تيمية” في أهل ماردين المستولي عليها التتار؛ بحيث جاء فيها: ” وأما كونها دار حرب أو سلم؛ فهي مركبة: فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجرى عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتَل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه“. 

وتستخدم التنظيمات تلك الفتاوى، لتبرير أعمال العنف؛ بحيث استبدلوا مثلا مصطلح “ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام” بكلمة “ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام”، وبذلك برروا أعمال القتل والعنف والتخريب وترويع الآمنين من المسلمين وغير المسلمين. 

داعش والقاعدة وليدة “حاكمية الإخوان”

C:\Users\DELL\Desktop\داعش والقاعدة.jpg

خرجت التنظيمات الإرهابية كلها من رحم جماعة الإخوان المسلمين. كـ “داعش” و”القاعدة” و فروع تلك الجماعات كـ “جبهة النصرة” و”أنصار الشريعة” و”التوحيد والجهاد” و”أنصار بيت المقدس” و”الجماعة الإسلامية” و”حركة التكفير والهجرة”)؛ فما هي إلا مسميات لجماعة واحدة هي “الإخوان”؛ لأن أعضاء هذه التنظيمات المسلحة كانوا أعضاء بجماعة الإخوان قبل أن يشكلوا تنظيمات مسلحة؛ واثبت مركز الدين والجغرافيا السياسية في بريطانيا، أن نسبة 50% من المتطرفين تربطهم روابط بجماعة الإخوان أو بتنظيمات مرتبطة بالإخوان؛ حيث تأثر قيادات تلك الجماعات أفكار بكتب سيد قطب وحسن البنا ومنهجهم المتمثل في عودة ما يسمى “الخلافة الإسلامية” أي تحقيق الحاكمية. 

يُعتبر تنظيم داعش الإرهابي امتدادا طبيعيا لفكر الإخوان، وقد تربت قيادات التنظيم على نهج الإخوان  داخل السجون وفي مدارسهم، واعترف مفتي الإخوان “يوسف القرضاوي”، في فيديو مصور “أن زعيم تنظيم داعش الإرهابي أبو بكر البغدادي كان من المنتمين للإخوان”، وقال أن هناك تشابه بين الإخوان و(داعش) المتمثل في أن التنظيمين يعيشان على مبدأ أنهم أفضل عند الله، ويحملان راية الإسلام ضد كل ما لا يطبق شرع الله على حد زعمهم، كما أن الإخوان شعارهم (سيف وتحته القرآن) يتضمن دعوة للحرب وليس السلام”. 

 كذلك انبثق تنظيم “القاعدة” من رحم جماعة الإخوان، حيث نشأ على يد “عبد الله عزام”، أحد القيادات التاريخية للإخوان، حيث التحق بكتائب تعرف بـ”المجاهدين” التي شكلها الإخوان عام 1967، وتطورت أفكارهم للعنف والقتل على يد  “أسامة بن لادن” والذي بدأ حياته كعضو في تنظيم الإخوان، وأطلق عليهم “الحركة الجهادية”، لإخراج ما أطلق عليهم “القوات الكافرة” من جزيرة العرب وإسقاط الأنظمة المتواطئة معها”. كما تبنى “بيت المقدس” نهج الإخوان في ارتكاب الأعمال الإرهابية، لاستعادة شرعية الإخوان المزعومة في مصر، حيث انضم عدد كبير من عناصر تنظيم الإخوان لـ”بيت المقدس”، ونفذوا العديد من العمليات الإرهابية باسم التنظيم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى