السد الإثيوبي

سد النهضة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

لا يخفى على أحد أن مشروع سد النهضة الإثيوبي يعد من أكثر الموضوعات التي أثارت حالة من القلق والترقب بين المواطنين المصريين عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، حيث شرعت إثيوبيا في بناء السد بعد إعلان اتفاقية “عنتيبي” التي وقعت عليها ست دول من دول حوض النيل، وتجاهلت الجانب المصري بوضع حجر الأساس للسد في إبريل 2011 مستغلة انشغال مصر بالأحداث الداخلية التي أعقبت الثورة وتأييد السودان وأوغندا لموقفها باستغلال نصيبها من مياه النيل في تحقيق التنمية.

وبالرغم من طول فترة المفاوضات بين مصر وإثيوبيا للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، إلا أن الحكومة الإثيوبية تصر على موقفها برفضها جميع المقترحات المصرية دون نقاش، الأمر الذي دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي للحديث عن “أزمة سد النهضة وتداعياتها” أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الرابعة والسبعين لحث المجتمع الدولي على لعب دور فعال في تشجيع جميع الأطراف على التحلي بالمرونة والوصول لحل مُرضٍ للجميع.

التسلسل الزمني لبناء السد

            أظهرت إثيوبيا نيتها لبناء السدود على الأنهار منذ عام 2001 حين أعلنت الحكومة عن استراتيجيتها الوطنية للمياه التي تتضمن إنشاء عدداً من السدود على أنهارها الدولية، فقامت في البداية بإنشاء السدود على نهر “أومو” على الحدود مع كينيا وحرمت كينيا من 80 % من حصتها من المياه مما تسبب في هجرة معظم سكان شمال كينيا وتركهم أراضيهم، ثم قامت بمسح موقع سد النهضة في عام 2009، وتم إنهاء التصميم في نوفمبر 2010، ثم أعلنت في إبريل 2011 عن بداية العمل في بناء السد دون النظر إلى الاتفاقيات الحاكمة للقيام بأي نشاط يتعلق بمياه النيل، واستندت إثيوبيا في ذلك إلى اتفاقية “عنتيبي” التي تنهي الحصص التاريخية لمصر والسودان في مياه النيل، والجدير بالذكر أن اتفاقية عنتيبي وقعت عليها ست دول فقط من دول حوض النيل في حين قوبلت بالرفض من الجانبين المصري والسوداني.

وأعلنت إثيوبيا بعد ذلك عن المدة الزمنية لإنهاء بناء السد والتي قدرت حينها بخمس سنوات على أن يتم افتتاح السد في 2017، كما أعلنت أن التكلفة المبدئية للسد تبلغ 4.8 مليار دولار وتنفذه شركة “ميتيك” الإثيوبية بالتعاون مع شركة “ساليني إمبريجيلو” الإيطالية المقاول الرئيسي للمشروع، وتمت زيادة السعة التخزينية من 14.5 مليار متر مكعب من المياه إلى 74 مليار متر مكعب وهو ما يعادل حصتي مصر والسودان من مياه النيل.

وفي الفترة ما بين 2011 و2013، كانت إثيوبيا تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق الحلم ببناء السد الذي من شأنه أن يوفر لها 6400 ميجاوات تقريباً من الكهرباء لدرجة أنها قامت بتحويل مجرى النيل لاستكمال عمليات البناء.

وفي مايو 2016، تعلن إثيوبيا أنها على وشك إكمال 70% من بناء السد، ولكن نتيجة للصعوبات التي واجهتها في تمويل السد فقد أعلنت عن تأجيل افتتاح السد إلى 2018، ولكن بحلول هذا الموعد كانت إثيوبيا قد واجهت العديد من المشكلات التي تمثلت في مطالبات الشركة الإيطالية بتعويضات تقدر بـ 330 مليون دولار نتيجة تأخر الشركة الإثيوبية في إنهاء أعمالها، كما أعلن العاملون في بناء السد عن مجموعة من المطالب لتحسين أوضاعهم المعيشية وتوقفهم عن العمل، بالإضافة إلى انتحار مدير المشروع وتعيين آخر قام بدوره مؤخراً بإعلان الانتهاء من السد بحلول عام 2022 وأن نسب البناء وصلت إلى 66% فقط، في حين بلغت الأعمال المدنية في السد بلغت 83٪ بينما بلغت الأعمال الكهروميكانيكية 25٪ وأعمال الصلب 13 ٪ نتيجة المشكلات المادية والفنية التي واجهها بناء السد. 

مراحل المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان

  • مايو 2011: بعد تنحي الرئيس مبارك في عام 2011، أعلنت إثيوبيا أنها سوف تطلع مصر على مخططات السد لدراسة مدى تأثيره على دولتي المصب مصر والسودان. وعقب ذلك تم تنظيم زيارات متبادلة لرئيسي وزراء البلدين لبحث الملف.
  • سبتمبر2011: اتفقت السلطات المصرية والإثيوبية على تشكيل لجنة دولية تدرس آثار بناء سد النهضة.
  • مايو 2012: بدأت اللجنة أعمالها بفحص الدراسات الإثيوبية الهندسية وتأثير السد على مصر والسودان.
  • مايو 2013: أصدرت لجنة الخبراء الدوليين تقريرها بضرورة إجراء دراسات تقييم لآثار السد على دولتي المصب. وقد توقفت المفاوضات عقب أحداث 30 يونيو في مصر التي رفضت تشكيل لجنة فنية دون خبراء أجانب.
  • يونيو 2014: اتفقت السلطات في مصر وإثيوبيا على استئناف المفاوضات مرة أخرى.
  • أغسطس 2014: اتفقت السلطات المصرية والإثيوبية على تنفيذ توصيات اللجنة الدولية المشكلة في 2012 من خلال مكتب استشاري عالمي.
  • سبتمبر 2014: عقد الاجتماع الأول للجنة الثلاثية التي تضم مصر وإثيوبيا والسودان للتباحث حول صياغة الشروط المرجعية للجنة الفنية وقواعدها الإجرائية والاتفاق على دورية عقد الاجتماعات.
  • أكتوبر 2014: اتفقت مصر وإثيوبيا والسودان على اختيار مكتبين استشاريين أحدهما هولندي والثاني فرنسي لعمل الدراسات المطلوبة للسد.
  • مارس 2015: وقع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره السوداني عمر البشير ورئيس وزراء إثيوبيا ديسالين في العاصمة السودانية الخرطوم وثيقة “إعلان مبادئ سد النهضة”. وتضمنت الوثيقة 10 مبادئ أساسية تتسق مع القواعد العامة في مبادئ القانون الدولي الحاكمة للتعامل مع الأنهار الدولية.
  • يوليو 2015: عقدت في العاصمة السودانية الخرطوم الجولة السابعة لاجتماعات اللجنة الفنية وأصدرت بيانا يتضمن قواعد وأطر عمل المكتبين الاستشاريين الدوليين.
  • سبتمبر 2015: انسحب المكتب الاستشاري الهولندي لـعدم وجود ضمانات لإجراء الدراسات في حيادية
  • نوفمبر 2015: استأنفت الاجتماعات الفنية في العاصمة المصرية القاهرة والتي انتهت بتحديد جولة جديدة للتفاوض في الخرطوم بحضور وزراء الخارجية والمياه معا.
  • ديسمبر 2015: وقع وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا على وثيقة الخرطوم التي تضمنت التأكيد على اتفاق إعلان المبادئ الموقع من قيادات الدول الثلاث، وتضمن ذلك تكلف مكتبين فرنسيين لتنفيذ الدراسات الفنية الخاصة بالمشروع.
  • مايو 2017: الانتهاء من التقرير المبدئي حول سد النهضة، وخلاف بين الدول الثلاث على التقرير.
  • أكتوبر 2017: مصر توافق على التقرير المبدئي للمكتب الاستشاري، ووزير الري المصري يزور موقع السد لمتابعة الأعمال الإنشائية، ويعرب عن قلق مصر من تأخر تنفيذ الدراسات الفنية للسد.
  • نوفمبر 2017: أعلن وزير الري المصري عدم التوصل لاتفاق بعد رفض إثيوبيا والسودان للتقرير المبدئي للمكتب الاستشاري وأن الحكومة المصرية ستتخذ ما يلزم لحفظ حقوق مصر المائية.
  • ديسمبر 2017: اقترحت مصر على إثيوبيا مشاركة البنك الدولي في أعمال اللجنة الثلاثية، التي تبحث في تأثير إنشاء سد النهضة الإثيوبي على دولتي المصب، مصر والسودان.
  • يناير2018: رفضت إثيوبيا مشاركة البنك الدولي، وأكد رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايلي مريام ديسالين على إنه لن يعرض مصلحة الشعب المصري للخطر بأي شكل من الأشكال.
  • مارس 2018: أعلن السفير السوداني لدى القاهرة توجيه الخرطوم دعوة رسمية للجانب المصري، لعقد اجتماع ثلاثي لوزراء الخارجية والري ومديري أجهزة المخابرات في السودان وإثيوبيا ومصر، بشأن سد النهضة.
  • أبريل 2018: أعلن وزير الخارجية المصري عدم الوصول إلى اتفاق في جولة المفاوضات حول إنشاء سد النهضة الإثيوبي مع السودان وإثيوبيا.
  • سبتمبر 2018: توجه وزير الري إلى العاصمة الإثيوبية للمشاركة في الاجتماع الثلاثي للجنة الفنية بحضور وزراء السودان وإثيوبيا.
  • سبتمبر 2018: أعلنت وزارة الري عدم التوصل لنتائج جديدة، وإرجاء المفاوضات إلى وقت آخر.
  • يوليو 2019: قدمت مصر مقترحاً يختص بفترة ملء وتشغيل السد في فترات الجفاف والفيضان بما لا يتعارض مع مصالح إثيوبيا ولا يضر بمصالح مصر المائية.
  • سبتمبر 2019: رفضت إثيوبيا المقترح المصري دون نقاش وامتنعت عن حضور الاجتماعي السداسي.

الأضرار المتوقعة على مصر جراء بناء السد

تمتلك مصر تقريرًا صادرًا من لجنة خبراء دوليين منذ 2014 يؤكد أن إقامة سد النهضة على النيل الأزرق بارتفاع 145 مترًا وسعة تخزينية 74 مليار م3 وتشغيله بشكل منفرد لا يراعى مصالح دول المصب ويمكن إثيوبيا من التحكم الكامل في إيراد النيل الأزرق، كما يتسبب السد في تأثيرات سلبية على الحصة المائية المصرية ونقص الكهرباء المولدة من السد العالي والذي يمكن أن يصل إلى حد التوقف تماماً في فترات الجفاف، خاصة أن الدراسات الإثيوبية تقترح الملء في فترة 6 سنوات بغض النظر عن إيراد نهر النيل.

كما يسبب السد نقص المياه المتاحة لقطاعات الري والزراعة والشرب في مصر أثناء فترة الملء، مما ينتج عنه تأثيرات اجتماعية واقتصادية كبيرة قد تؤدى إلى عدم زراعة ملايين الأفدنة وفقدان الدخل لملايين المصريين المعتمدين على الزراعة في دخلهم السنوي. ويضاف إلى ذلك عدد من التأثيرات الاقتصادية نتيجة خسارة شبكة الطاقة في مصر لجزء كبير من الكهرباء المولدة من السد العالي وهو ما يمثل أعباء اقتصادية لتعويض هذا النقص.

أما الضرر الأكبر فلن يكون على مصر وحدها ولكن على السودان أيضاً إذا ما انهار السد كما أشارت بعض الدراسات والدلائل التي أكدت عدم صلاحية التربة التي يتم بناء السد عليها ورصد تسريب في جدار السد، وهو أمر كارثي حيث سيؤدي ذلك إلى اندفاع المياه المحملة بالرواسب ومخلفات الانهيار الأرضي والصخور إلى دولتي المصب، حيث تصل كمية المياه في بعض فترات العام إلى ما يزيد على نصف مليار متر مكعب يومياً مما يجعل الأمر أشبه بتسونامي يضرب السودان ومصر.

هل يدفع التعنت الإثيوبي مصر نحو اللجوء للمجتمع الدولي؟

تنظم العلاقة بين مصر وإثيوبيا في تقاسم مياه النيل وعدم إقامة السدود التي تضر مصالح أي من الدولتين خمس اتفاقيات، بالإضافة إلى اتفاقيات مصر مع دول الهضبة الاستوائية، وكذلك الاتفاقيات التي تنظم العلاقات المائية بين مصر والسودان، لكن الحكومة الإثيوبية ترى أن كل ما يسقط على أرضها من مياه هو حق لها تتصرف فيه كيف تشاء، ولم تعد ملتزمة بنصوص هذه الاتفاقيات لأنها تقف عائقاً أمام عملية التنمية التي تستهدفها.

أما الاتفاقية الأخيرة الموقعة بين “إثيوبيا ومصر والسودان” فتنص في أحد بنودها على “أن تقوم هذه الدول بتسوية منازعاتها الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض وفقاً لمبدأ حسن النوايا، وإذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول أو رئيس الحكومة”.

وهذا ما حدث بالفعل اليوم في كلمة الرئيس السيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حينما تحدث عن تعثر المفاوضات لمدة أربع سنوات، وأشار أيضاً إلى حق إثيوبيا في التنمية، لكنه أكد على أن استمرار التعثر في المفاوضات حول سد النهضة سيكون له انعكاساته السلبية على الاستقرار والتنمية في المنطقة، حيث أن مياه النيل بالنسبة لمصر هي مسألة وجود.

وتعد هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس السيسي عن أزمة “سد النهضة” أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ بداية المفاوضات بعد أن كان هناك اتفاق على حل المشكلة فيما بين الدول ذات الشأن، ويؤكد ذلك على تعنت الحكومة الإثيوبية والتمسك بخطتها في إنهاء السد وتشغيله دون النظر إلى الأضرار التي يسببها لدولتي المصب، ولكن الرئيس السيسي أوضح أنه مازال يتمسك بالأمل في التوصل لاتفاق يرضي جميع الأطراف لأن رسالة مصر تتمثل في السعي لتحقيق السلام، والتعاون والتفاهم المشترك، وتحقيق التنمية المستدامة.

الجدير بالذكر هنا أن إثيوبيا أقامت بالفعل ثلاثة سدود على نهر “أومو” مما أثر سلباً على كميات المياه المتدفقة إلى بحيرة توركانا في كينيا، الأمر الذي دفع السكان الأصليين لمناطق جانبي النهر والصيادين في بحيرة توركانا إلى ترك أراضيهم التي تأثرت بنقص المياه والبحث عن مناطق أخرى صالحة لنمط حياتهم، وقد نشأ عن ذلك بعض النزاعات المسلحة بين هؤلاء السكان وبين الحكومات المحلية، ما يعني أن السياسة الإثيوبية في بناء السدود لها نتائج كارثية على الأفراد، ولابد من مواجهتها وإلا سوف تمتد هذه النزاعات إلى الدول المجاورة، وهو ما يتعارض مع خطط التنمية التي تسعى إليها الحكومات من أجل رفاهية شعوبها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى