الصحافة الدولية

نظرة على سنغافورة في محيطها الإقليمي

استطاعت سنغافورة أحد النمور الآسيوية تحقيق نهضة اقتصادية رغم افتقارها للموارد الطبيعية، ووضع نفسها على الخريطة كمركز مالي ولوجيستي عالمي، وقالت مؤخرا إنها لن تسعى –بحكم تصنيفها كدولة نامية- للحصول على أحكام خاصة في المفاوضات الدائرة في منظمة التجارة العالمية، إذ يسمح وضع البلدان النامية في المنظمة للحكومات بمواعيد زمنية أطول لتنفيذ التزامات التجارة الحرة، ناهيك عن القدرة على حماية بعض الصناعات المحلية والحفاظ على الإعانات، جاء ذلك بمثابة الرد على ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في انتقاداته للمنظمة بأن هناك دولا متقدمة تحاول الاحتفاظ بمثل هذه الأحكام الخاصة.

مركز لتداول العملات الأجنبية

تعد سنغافورة أكبر مركز لتجارة العملات الأجنبية في آسيا، لكنها لا تزال بعيدة عن المملكة المتحدة والولايات المتحدة، التي يصل حجم التبادل فيها إلى 2.41 تريليون دولار، و1.27 تريليون دولار على التوالي. 

لذا فهي تسعى للحصول على فرصة أكبر في سوق العملات الأجنبية في العالم، الذي يصل حجم التبادل فيه إلى 5.1 تريليون دولار؛ حيث قال “بيني تشاي” مساعد المدير التنفيذي للسلطة المالية في سنغافورة إنه يتم التجهيز للانضمام للثروة الآسيوية المتنامية لسد الفجوات مع المراكز التجارية الأخرى. فيما تقدم الحكومة حوافز لمزيد من جاذبية الدولة كمركز للتجارة على كافة المستويات بدايةً من العملات الرئيسية حتى عملات الأسواق الناشئة مثل اليوان الصيني، رغبةً في الاستفادة من سوق العملات الآسيوية البالغ حجمه 22 تريليون دولار.

وقد شهدت سنغافورة بمثل هذه السياسة ارتفاعا في متوسط تجارة العملة اليومية يقدر بحوالي 529 مليار دولار في فبراير 2019، بعدما كان 416 مليار دولار في ديسمبر 2016، ووفقا للجنة سوق العملات الأجنبية في طوكيو، وصلت سنغافورة للمركز الأول في المنطقة من حيث متوسط حجم تداول العملات. 

ويرجع ذلك إلى أن الوضع الجغرافي لسنغافورة يجعل أساس نجاح جهودها متمثلا في القدرة على جذب مجموعات كاملة من أسواق العملات وليس كبار المتداولين فيها، بالإضافة إلى المستثمرين الأفراد الذين يتطلعون إلى توسيع محافظهم الاستثمارية.

مناورات عسكرية مع قطبين إقليميين 

تشارك سنغافورة في الفترة من 16 حتى 20 سبتمبر الجاري في مناورة بحرية ثلاثية مع تايلاند باستضافة الهند، تسمى “SITMEX” وذلك بمشاركة خمس سفن من الأساطيل الثلاثة وأكثر من 500 فرد. يحظى هذا التدريب بأهمية خاصة إذا حدث بشكل سنوي، إذ سيعد دليلا ملموسا على الشبكات الأمنية داخل آسيا وخاصة في منطقة المحيط الهادئ الهندية في حالة مشاركة دول أخرى في التمرين. أقامت القوات البحرية للبلدين التدريبات السنوية المشتركة التي تسمى “SIMBEX” لأكثر من عقدين، واحتفلا باليوبيل الفضي في تدريباتهما البحرية في 2018.

في أبريل 2019، انتهت المناورات العسكرية المشتركة بين البلدين، التي تعكس التقارب الاستراتيجي المتنامي بين البلدين لمواجهة تحديات على رأسها الصين. وقع الجانبان أول اتفاق تعاون دفاعي في أكتوبر 2003 ومذكرة تفاهم منفصلة بشأن التدريبات العسكرية المشتركة في عام 2005. ثم وقع البلدان عدة اتفاقيات أخرى لتسريع وتيرة العلاقات العسكرية بين عامي 2007 و2008. 

بدأت الدولتان حوارًا على مستوى وزراء الدفاع منذ 2015، وصدر منه ثلاث نسخ كان آخرها في 2018. أنشأ البلدان لجنة ثنائية لتكنولوجيا الدفاع بالإضافة إلى فريق خاص بالصناعات الدفاعية. 

في يوليو 2019، أجرت القوات المسلحة السنغافورية وجيش التحرير الشعبي الصيني مناورات ثنائية لمدة عشرة أيام، وكان من المفترض أن ينخرط الجيشان في عمليات التبادل المهني والتدريب التكتيكي. اشتمل هذا التدريب على 240 فردا من الجانب السنغافوري و74 من نظيره الصيني. كانت هذه هي النسخة الرابعة من تلك التدريبات التي بدأت عام 2009. 

النفوذ الصيني في الداخل السنغافوري

تاريخيا، لا يعد التأثير الأجنبي بالأمر الجديد على سنغافورة، بل ويأخذ أشكالا جديدة تناسب مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، لكن يصبح تأثيره بمثابة خطرا عندما يسعى إلى تقسيم مجتمع الأمة لتحقيق غاية بعينها، خاصة مع ظهور طابور خامس من أفراد يساعدون عن قصد أو عن غير قصد قوة أجنبية للتدخل في شؤون الأمة من الداخل. 

وعليه يعد الانسجام العرقي في دولة متعددة الثقافات مثل سنغافورة هو مفتاح بقائها، وهو ما عملت على ترسيخه منذ بداية بناء الدولة، لذا يجب ألا يصل الحال كي يتساءل المواطنون عما إذا كانوا مواطنين حقا. فقد أصدرت مؤسسة جيمستاون في واشنطن تقريرا في يوليو 2019 بعنوان “دراسة أولية لعمليات تأثير الحزب الشيوعي الصيني في سنغافورة”، الذي خلص إلى أن الحزب يستغل الجمعيات الثقافية والتجارية، ووسائل الإعلام، وجميع الأشخاص من أصل صيني في البلاد كوكلاء للتأثير على المجتمع والسياسة هناك. جاء هذا الأمر بعد أشهر من تأكيد حكومة سنغافورة على ضرورة تعزيز دفاعات البلاد ضد النفوذ الأجنبي الذي يمكنه التأثير على المواطنين العاديين خارج مستويات السياسة. 

رغم وجود قوانين داخلية لردع التدخل الأجنبي، يجب أن تعمل جنبا إلى جنب مع التدابير الأمنية للحفاظ على البلاد في بيئة آمنة في ظل التوتر الجيوسياسي في المحيط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى