الصحافة الدولية

أردوغان يحكم قبضته على أئمة تركيا عن طريق “ديانت” و “ديتيب”

فرض النظام التركي على الأئمة الأتراك الالتزام بأدبيات حزب “العدالة والتنمية” وإعلائها فوق التعاليم الإسلامية إلى أن أحكم النظام قبضته على الأئمة وتهديد بعضهم بالإقالة في حالة عدم الالتزام بأدبيات الحزب؛ مما أدى لوقوع كثير من الأئمة بين مطرقة الفصل وسندان الالتزام بأدبيات الحزب المتشددة، بما يخالف تعاليم الدين الإسلامي السمح، نظرا لوقوعهم تحت وطأة ضرورة التزامهم بتعاليم “رئاسة الشؤون الدينية”، المعروفة باسم “ديانت”؛ فمعروف عنها عدم الحيادية وتحيزها السياسي لحزب العدالة والتنمية وسلاح مسيس في يد الرئيس أردوغان لتحقيق مشروع الخلافة وأستاذية العالم.

حلم الإخوان متوارث بأدبيات حزب العدالة والتنمية

توارثت أحزاب ” السلام الوطني” وتابعه “الرفاه” مرورا بـ” الفضيلة” وانتقالا إلى “السعادة” ووصولا إلى  “العدالة والتنمية” حلم الخلافة الممنهج بأيدولوجيات الإخوان.

لم يتوقف تحقيق الإخوان هدفهم الذي دعا إليه الأب الروحي للإخوان في تركيا، نجم الدين أربكان للخلافة المزعومة في كلماته: ” أنا عندي حلم ولديَ رؤية” على الأحزاب السياسية، بل وصل الأمر إلى تشكيل وعي تيار (ملي جورس) التركي – شباب الأتراك، الذين نشأوا في ألمانيا- على أدبيات الحزب (الحاكم).

وحرص أردوغان على إنشاء جيل جديد يحمل أدبيات الحزب، تبين ذلك عندما قال: “إنه يريد رؤية “جيل متدين”. إذ يحاول أردوغان ترسيخ مفاهيم إسلامية خاصة بأدبيات الحزب لدى الأجيال الجديدة من خلال نظام التعليم، إلى أن يصل إلى الهدف المنشود في أستاذية العالم؛ فلم تختلف المرتكزات الفكرية لجماعة الإخوان عن أفكار واستراتيجيات حزب العدالة والتنمية.

       تسييس الدين.. تبعا لأدبيات حزب العدالة والتنمية

مادامت السياسة التركية محكومة بحزب العدالة والتنمية؛ فإنها ستستمر بتنفيذ أجنداتها الخارجية مستغلة الدين باعتباره جزءا لا يتجزأ من خطط فكر الإخوان، فتبين هوية جماعة الإخوان في رؤية حسن البنا قائلا : إن الجماعة هي “دعوة سلفية وطريقة سُنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية”؛ لذا استغل أردوغان الأئمة والمساجد؛ لتثبيت بقائه في السلطة، والتغلغل عبر الأئمة إلى دول مختلفة بتطبيق أدبيات حزب العدالة والتنمية لمساندة جماعة الإخوان المسلمين لزيادة قوتها بالشرق باعتبارها حليفا أيدلوجيًا؛ فالتاريخ يشهد أن “أربكان”، المؤسس والأب الروحي لحزب العدالة والتنمية تربطه علاقات وطيدة بقيادة الإخوان على امتداد المنطقة.

واستغل أردوغان عضوية تركيا بحلف الناتو، وعلاقاتها مع دول الغرب في زراعة أئمة مدفوعين الأجر الذين أحكموا بأدبيات حزب العدالة والتنمية في الغرب بهدف خدمة الأهداف السياسية لنظام الحاكم، بحسبما أكدته مجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك تسييس إمام شاب يدعي إندير جيتين من أصل تركي في مسجد سيتليك في حي نيوكولن في ألمانيا، بحيث مارس الإمام التركي سياسة الانفتاح على باقية الأديان منخرطًا معهم حوار مفتوح لنقل أدبيات الحزب الحاكم ومحاولة الاندماج مع لألمان.

وفي يناير الماضي، ذكرت صحيفة “دير شبيجل” الألمانية أن الرئيس التركي يستخدم شبكة “DITIB” اتحاد الأئمة التركي في برلين “كجزء من شبكات التحكم في الأتراك المغتربين من أجل أهدافه الخاصة”.

ولم تهدأ محاولات أردوغان في استغلال الدين ونشر أدبيات الحزب الحاكم في فرنسا، مما دفع السلطات الفرنسية إلى تقليص وجود الأئمة الأتراك فيها وذلك من خلال ترحيلهم، مما جعل رئيس الوزراء الفرنسي، إدوارد فيليب، على توضيح رغبة فرنسا في مواصلة التصدي للإسلام المتطرف، من خلال تنشئة أئمة يتحدثون الفرنسية ممن نشأوا في فرنسا، بحسب صحيفة “زمان التركية”.

  المؤسسات الدينية..  أداة تحقيق لسياسية متعصبة

تعمل هيئة الشؤون الدينية في تركيا “ديانت” لخدمة الدوافع السياسية لحزب العدالة والتنمية؛ حيث توسعت نشاطها الدولي خاصة أن رئيسها مواليا للحزب، وذلك بدءًا من عام 2010م بعد تولي الحزب الحُكم، وهذا يُعتبر مخالفًا لعملها الأساسي المتمثل في تزويد المساجد بالأئمة والإشراف عليهم، ودفع رواتبهم وتقديم إرشادات أخلاقية فيما يتعلق بالصلاة والإيمان، مع العلم أن المسئولين على الهيئة الذي يبلغ عددهم 117 شخصا ليس كلهم أئمة؛ بحسب صحيفة “دويتش فيله” الألمانية. وتشرف هيئة “ديانت” على مجموعة من الهيئات الإسلامية ومن ضمنها الاتحاد الإسلامي التركي “ديتيب” .

وتُعد “ديتيب” الذراع التركي للجماعة الإخوان المسلمين؛ في التدخل بأوروبا وهو ما ظهر جليا من خلال مشاركة ممثلين عن الجماعة بفعالية المؤتمر الثاني للمسلمين الأوروبيين في مدينة كولونيا الذي تنظمه “ديتيب”، فضلًا عن الأقاويل التي تدين بعض الأئمة الأتراك بقيامهم بالتجسس لصالح أردوغان، كذلك يحوم حول “ديتيب” الشكوك في تمويلها؛ مما أدى إلى رفض الحكومة الاتحادية خلال عام 2017، تمويل عدة مشروعات تابعة لـ “ديتيب”. وهذا كله يتعارض مع السياسة والدستور الألماني الذي يعمل على تقويض مساعي الإخوان المسلمين لتدخل في الشئون الألمانية؛ لذا لمحت وزارة داخلية ولاية بافاريا الألمانية بوضع الاتحاد الإسلامي التركي تحت مراقبة حماية الدستور، بحسب دير شبيجل”.

 كذلك الجوامع بالولايات المتحدة الأمريكية لم تُعتبر أماكن للعبادة، بل تستخدم لتجسس لصالح الاستخبارات التركية، ومراقبة الأمريكان المشتبه في كونهم أنصار جولن. في حين أعلن مسؤولون نمساوين عن إغلاق 7 جوامع، بالإضافة إلى ترحيل 60 إمام لانتهاكهم قانون النمسا 2015م، الهادف لتناول التطرف الإسلامي؛ وفقًا لجريدة “زمان التركية”. كما اتصل العديد من المسؤولين بحزب العدالة والتنمية بهذه المؤسسة الدينية بالدول الأوروبية؛ لتطويع الأئمة الأتراك بالدول الأوروبية وتوظيفهم لترويج أفكار الحزب الحاكم الممنهج على أيدلوجية الإخوان المسلمين، والقضاء على فكر جماعة غولن وما تدعوا إليه نظرًا لأن أفكار ومبادئ غولن تقف حاجزًا أمام المشروع الإخواني في إقامة دولة دين.  

صوفية جولن وأيدلوجية الإخوان في المواجهة

لم يستمر التحالف بين حزب العدالة والتنمية وجماعة فتح الله جولن المفكر التركي طويلًا نظرًا للاختلافات الجوهرية التي لحقت بالحزب؛ لذا تصادمت أدبيات حزب العدالة والتنمية النابعة من أيدلوجية الإخوان مع نهج حركة فتح الله جولن الصوفية. باعتبار أن جولن يرى أن الإسلام ليس أيديولوجية سياسية أو نظام حكم أو شكلاً للدولة، فالدولة لا تؤسس على القانون الإسلامي لأن معظم الفروض الإسلامية متعلقة بالحياة الخاصة للأفراد، لذلك نفت الحركة عن نفسها العمل الحزبي؛ فدائمًا يردد اتباع الجماعة مقولة سعيد النورسي: “أعوذ بالله من الشيطان والسياسة”.

ولا تمتلك حركة جولن مشروعا معاديًا للسلطات الحاكمة عبر تاريخها، لا سيما أن الحركة مرت بخلافات مع حكومة العدالة والتنمية نظرًا لأن أردوغان متحمس لأدبيات حزب العدالة والتنمية التي تبعد عن المبادئ والقيم الإسلامية والإنسانية، واعتماد الحزب على مرتكزات فكرية لم تختلف عن مرتكزات جماعة الإخوان الأم. ومن بين تلك المرتكزات: الرغبة في إقامة حكومة إسلامية باعتبار أن الإسلام نظام شامل متكامل بذاته وقابل لتطبيق في كل مكان وزمان من خلال الدعوة والتربية، والالتزام بفريضة الجهاد إذا توفرت شروطه، وتحقيق الدور الحضاري من خلال الاستاذية والسيادة في العالم.

لذا أصبح أتباع حزب العدالة والتنمية يُشكل خطرًا على الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان؛ لدرجة أن البعض من أتباع الجماعة لا يتوانى في وصف أردوغان بالمستبد، أما حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان يوجه اتهامات للجماعة بأنهم خونة، وأصحاب تنظيم مواز داخل الدولة، ولا سيما في الشرطة والقضاء، كما شنت قيادات جماعة الإخوان هجوما عنيفا على فتح الله جولن، بعد أن كانت تصفه قيادات التنظيم بالمجاهد؛ بحيث يوضح إحسان داغي،  أستاذ العلوم السياسية في جامعة أنقرة، خلال كتاب “صعود الإسلام السياسي في تركيا”، أن حركة عبد الفتاح جولن ليست لها أجندة إسلاموية، وأن ما يجذب أتباع جولن هو نموذج التسامح، كما أن الحركة ترفض رفضًا صريحًا السعي لإقامة دولة إسلامية؛ بحيث يتسارع كل من الطرفين في استعمال الأئمة الأتراك كسلاح لمواجهة بعضهم وتحقيق نهجهم على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى