أوروبا

ساحة سياسية مشتعلة … دلالات وتداعيات نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية

انتهت الانتخابات الأوروبية، التي عقدت في السادس والتاسع من شهر يونيو لهذا العام، بصعود اليمين المتطرف في أوروبا بشكل عام وفي فرنسا على وجه التحديد، وذلك حيث حصل حزب التجمع الوطني على ضعف الأصوات التي حصل عليها الائتلاف الرئاسي وذلك بنسبة تزيد على ٣١.٥٪ من الأصوات مقابل ١٥.٢٪ لحزب النهضة، ما جعله أهلاً للحصول على ٣١ مقعدًا من أصل ٨١ مقعدًا مخصصًا لفرنسا في البرلمان الأوروبي. لم تنتهي الانتخابات الأوروبية عند هذه النقطة، بل شهدت تداعيات داخلية في فرنسا لم تكن متوقعة حيث قام إيمانويل ماكرون بحل الجمعية الوطنية متخذًا من ديمقراطية الدولة ذريعة لتحقيق هدفًا يبدو شخصيًا أكثر من كونه قوميًا في أجواء لم تكن تعطي أي مؤشر لاحتمالية احتفاظ الائتلاف الرئاسي بالأصوات التي كان يتمتع بها، بل على العكس من ذلك، كانت الأجواء توحي باحتمالية كبيرة لصعود اليمين المتطرف بشكل كبير في الجمعية الوطنية.

أتت الانتخابات التشريعية الفرنسية، التي انعقدت جولتها الأولى في ٣٠ يونيو لهذا العام وانعقدت جولتها الثانية في ٧ يوليو الجاري، بنتائج لم تكن متوقعة حيث لم يكتفي الشعب الفرنسي من خسف اليمين المتطرف المتمثل في حزب التجمع الوطني بل أيضًا رفع الائتلاف الرئاسي للمرتبة الثانية ليعلو على الأخير في نسب الأصوات، وذلك مع صعود التحالف اليساري للمرتبة الأولى. في الواقع، لم يكن دور الانتخابات الأول مبشرًا بهذا النتائج النهائية بل كان قد أعطى حزب التجمع الوطني المرتبة الأولى، يليه تحالف اليساريين، ليأتي الائتلاف الرئاسي في المرتبة الثالثة، وهو ما يؤكد فرضية التناقضات التي تحدثنا عنها مسبقًا.

نتائج الانتخابات ودلالاتها

لم تحمل النتائج تباينات ملحوظة بين الكتل الأكبر في هذ الانتخابات حيث حصل ائتلاف الجبهة الشعبية الجديدة اليساري على مجمل ١٨٠ مقعدًا شاهدًا تصدر حزب “فرنسا الآبية” بحصوله على ٧١ مقعدًا منفردًا. هذا ويليه الائتلاف الرئاسي “معًا” بحصوله على مجمل ١٦٣ مقعدًا، خاسرًا بذلك ما يقرب من ٩٠ مقعدًا مقارنة بالانتخابات التشريعية التي جرت قبل عامين. ويأتي في المرتبة الثالثة حزب التجمع الوطني بحصوله منفردًا على ١٢٦ مقعدًا، وذلك فضلاً عن التحالفات بين حزب التجمع الوطني وحزب الجمهوريين الذي حصل على ١٧ مقعدًا، وتحالف الجمهوريين مع مختلف اليمينيين الذين استطاعوا الحصول على ٦٦ مقعدًا، بالإضافة إلى ٣٩ مقعدًا تم تخصيصهم لحزب الجمهوريين منفردًا.

المصدر: فرانس انفو

تختلف هذه الانتخابات اختلافًا واضحًا عن نتائج الانتخابات التشريعية السابقة والتي لم يمر عليها سوى عامين بحيث حصل ائتلاف الرئاسة علي ٢٤٦ مقعدًا يليه ائتلاف اليساريين بحصولهم على ١٤٢ مقعدًا وأتى كذلك حزب التجمع الوطني في المرتبة الثالثة ولكن بحصوله على ٨٩ مقعدًا في الجمعية الوطنية. لم يحصل الائتلاف الرئاسي حينها على الأغلبية المطلقة ولكنه كان يتمتع بالأغلبية التي تسمح للرئيس الفرنسي باختيار رئيس الوزراء من ائتلافه، لاسيما مع احتمالية خطر معدودة نتيجة لتقدم الائتلاف الرئاسي عن الكتل الأخرى في الجمعية الوطنية بفرق ملحوظ.

وعلى الرغم من توجه الشعب الفرنسي لليمين المتطرف في الانتخابات الأوروبية التي انعقدت مؤخرًا، وسعيه لتصعيده في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية لهذا العام، إلا أنه، بعد أن أعطى “جوردان بارديلا” ومارين لوبن الأمل في الحصول على أغلبية واضحة في الجمعية الوطنية، عاد ليدعم الائتلاف اليساري بل والرئاسي وهو ما يطرح العديد من الأسئلة وعلى رأسها دوافع هذا التحول في اتجاهات التصويت.

بدا أن الشعب الفرنسي لا يري اليمين المتطرف بالكفاءة التي يحتاج إليها على المستوى القومي، أي أنه من المرجح أنهم يرون أن مخاوفهم من هذا الحزب يمكن أن يكون أثرها ملموسًا بشكل أعمق علي المستوى القومي منه على المستوى الأوروبي. وعليه، يمكننا القول أن التجمع الوطني يثير الخوف لكثيرين في فرنسا لاسيما من يعتقدون أنه يريد إنشاء “ديمقراطية غير ليبرالية”، ولا يلتزم بالقوانين إلا بالكلام، تمامًا مثل الأنظمة في غيرها من الدول كالمجر وإيطاليا التي تربطه بها نوعًا من العلاقات أقرب إلى كونها صداقة. فضلاً عن إثارة المزيد من الجدل حولهم مؤخرًا حول تمويل حزب التجمع الوطني لمدة تقرب من عشر سنوات بقروض من بنك روسي، إضافة إلى اتهامات بالتمويل “غير القانوني” لحملة “مارين لوبان” الرئاسية لعام ٢٠٢٢ والتي تخضع للتحقيق القضائي.

إضافة إلى ذلك، نجد إن التكتيك الانتخابي اليائس المتمثل في “أي شيء عداهم” الذي اقترحته الحكومة، والذي دعا الناخبين إلى التجمع حول المرشح الأفضل للفوز على التجمع الوطني في كل دائرة انتخابية، نجح بالفعل في إبعاد التجمع الوطني عن الحصول على الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية، وهو صورة من صور التعبئة السلبية التي أتت بغرضها، وأثبتت أن الخوف من التجمع الوطني لا يزال قادراً على دفع الناخبين إلى هزيمتهم، لاسيما في دولة يرى فيها البعض هذا الحزب كونه امتدادًا للفاشية ولنازية الحرب العالمية الثانية. وعليه، نجد أن الشعب يتأرجح بين كونه رافضًا لاستمرارية الائتلاف الرئاسي في الحكم وكونه يخشى وصول اليمين المتطرف إلى السلطة، وهو ما يدفعنا للنظر في صعود الائتلاف اليساري ليحتل المرتبة الأولى بين الكتل الثلاثة، أي أنه لم يكن لاقتناع الشعب بالجبهة الشعبية الجديدة بل كنوع من اللجوء لسياسة يمكننا وصفها بكونها “سياسة أقل الأضرار” والتي يسعى الشعب فيها لاختيار الكتلة التي على الأرجح لا يفضلها، ولكنه يرى فيها أقل المساوئ.

عدم فوز اليمين المتطرف بالأغلبية المطلقة لا ينفي أن التجمع الوطني حصل – منفردًا – على عدد من الأصوات يعلو الأحزاب اليسارية والمتوسطة كل منها على حدى، وهو ما قد يشير إلى أن هذا التيار السياسي لايزال يتمتع بقدر من التفضيل من الناخب الفرنسي، ويجعلنا نفكر أنه كان بالإمكان أن يأتي في المرتبة الأولى إن كان قد استطاع إدراج الجمهوريين في تحالف قوي بينهما مثلما فعلت الأحزاب الأخرى (اليساريين والوسطيين)، فضلاً عن محاولات إسقاط مرشحي الحزب في أغلب الدوائر الانتخابية التي أدت إلى خسارتهم حتي في الدوائر التي كانوا مكتسحين فيها في الجولة الأولى، ما حجب صعودهم للمرتبة الأولى وتفوقهم على الكتلتين. وعليه، لايزال يتضح أن التحالف الوطني تقدم تقدمًا كبيرًا عن الانتخابات الماضية، بل وأيضًا تقدم على الأحزاب الأخرى كل منها على حدى.

هذا وعند النظر من زاوية أخرى، يتضح أن مبادرة ماكرون، وعلى الرغم من عدد المقاعد التي فقدها ائتلافه وتعرضه لاحتمالية “التعايش” مع رئيس وزراء ذات توجه مختلف، قد يكون لها جانبها الإيجابي أيضًا من ناحية، وهو كالتالي: أولاً، أن ماكرون تفادى العديد من الانتقادات التي كانت ستوجه إليه في حالة استمرار الوضع على ما كان عليه بعدما صعد اليمين المتطرف في الانتخابات الأوروبية، لاسيما من أنصار التجمع الوطني. ثانيًا، أنه أظهر للناخب دعم لما أسماه “ديمقراطية” الدولة و”حرية” الناخب. ثالثًا، استطاع ماكرون الخروج من هذه الانتخابات بذريعة قد يستغلها للرد على منتقديه مؤخرًا وهي أنه ترك الحرية للفرنسيين لاختيار ممثليهم ولكنهم فضلوا الائتلاف الرئاسي على حزب التجمع الوطني. رابعًا، ساهمت هذه المبادرة في التهدئة من صيت التجمع الوطني بشكل نسبي لاسيما مع حملات التعبئة التي قاموا بها والتي كانت تتضمن قدر من التعبئة السلبية ضد الرئيس وائتلافه، ما زاد من شعبية التجمع الوطني بمعدل هو الأعلى منذ سنوات. وعليه، في حال عدم إقدام ماكرون على اتخاذ هذه الخطوة، لكانت شعبية التجمع الوطني أخذت في التصاعد لدرجة من شأنها أن تهدد الرئيس تهديدًا حقيقيًا يتجاوز التهديد النسبي الذي يواجههه حاليًا. وبالتالي، ساهمت هذه المبادرة في تشتيت أسهم الانتقاد بعيدًا عنه والتي كانت قد تشكل مدخلاً لحزب التجمع الوطني ليزيدوا من نسبة نجاح حملتهم ضد الرئيس. أخيرًا: وعلى الرغم من فقدان الرئيس وائتلافه جزءًا ليس بقليل من سلطتهم، إلا أن هذه المبادرة لعبت كاستثمار في الصورة الذهنية التي يحتفظ بها الناخب الفرنسي عن ماكرون كرئيس للدولة بحيث تكون هذه المبادرة خطوة تساهم في مجملها بانعكاس إيجابي علي صورة ماكرون التي لم تكن في أفضل أشكالها مؤخرًا.

تداعيات محتملة … ماذا بعد ؟

لم تأتي هذه الانتخابات برد إيجابي على طموحات الكتل الثلاثة الأكبر في الجمعية الوطنية تاركة فرنسا في وضع غير مسبوق لا توجد فيه كتلة سياسية مهيمنة في البرلمان، وهو وضع من شأنه أن يدفع بالدولة إلى منطقة مجهولة سوف تنطوي على مفاوضات متوترة لتشكيل حكومة جديدة وتسمية رئيس وزراء يتقاسم السلطة مع الرئيس. ولكن، لايزال اختيار الرئيس لأي رئيس وزراء محتمل يتطلب دعم الأغلبية البرلمانية، لذا قد ينتظر ماكرون التأكد من خطواته المقبلة، والتي من الممكن أن يسعى فيها للتواصل مع أحزاب أخرى للحصول على الأغلبية التي تساعده على فرض قراراته دون عائق.

وفي هذا الوضع الضبابي والذي لا تتمتع فيه أي من الأحزاب او الائتلافات بالأغلبية المطلقة والواضحة اللازمة لتشكيل حكومة، أي ٢٨٩ مقعدًا في الجمعية الوطنية، بات الوضع معقدًا، مؤديًا بالأحزاب إلى جولة أخرى داخلية من شأنها أن تتطلب المزيد من الائتلافات الداخلية، ولكن إلى أي مدى يمكننا التحدث عن ائتلافات إضافية ؟ فهي عادةً ما تتم بين الأحزاب المتقاربة أيديولوجيًا، ولكن، في غضون المشهد الحالي، نجد أنه بشكل عام يعد اليساريين موحدين والوسطيين كذلك، واليمين يشهد ائتلافات طفيفة لاسيما بعد الدراما التي سبقت الانتخابات بين اليمينيين، لرفض الجمهوريين التحالف مع التجمع الوطني.

وبالتالي، فنحن نتحدث عن إمكانية إبرام تحالفات بين مجموعات تمثل تيارات سياسية مختلفة، لاسيما وأن الجمعية الوطنية المنقسمة سوف تتطلب من المشرعين بناء توافق بين الأحزاب للاتفاق على مواقف الحكومة وأجندة تشريعية، عدا أن السياسة الفرنسية المتوترة والانقسامات العميقة بشأن بعض الموضوعات ذات أهمية محورية مثل الضرائب والهجرة والسياسة في الشرق الأوسط تجعل هذا الأمر صعباً بشكل خاص. وعليه، لايزال سيناريو الاتفاق غامضًا، فليس من المتوقع أن ينضم الوسطيين إلى اليساريين فقط لغرض الخسف من اليمين المتطرف، على الرغم من اتفاقهم علي هذا المبدأ والذي ظهر بشدة في خوضهم حملة ضد اليمين المتطرف انسحب فيها المرشحون في سباقات ثلاثية لصالح المرشح الذي يُعتقد أنه الأكثر ترجيحًا لهزيمة مرشح اليمين المتطرف. لذا، فيكون الأرجح هو أن يتجه ماكرون لإبرام تحالفات مع عناصر أكثر اعتدالاً من اليسار، خاصةً مع رفضه التعاون مع حزب فرنسا الآبية اليساري المتشدد، وهو مقترح يمكن أن ترفضه هذه الأحزاب اليسارية نفسها، وإن تم، من المتوقع أن يكون تحالفًا هشًا خصوصًا وأنه من المتوقع ألا يتنازل الاشتراكيين عن تحالفهم في الجبهة الشعبية الجديدة بهذه السهولة، كما أنها ليست المرة الأولى التي ينضموا فيها إلى ائتلاف مع هذه الأحزاب اليسارية نفسها.

ومن ناحية أخرى، تعد احتمالية تحالف الوسطيين مع الجمهوريين المعتدلين على الطاولة، وهو ما يبدو أن يسعى إليه بعض حلفاء ماكرون، ولكن، سيظل هذا التحالف بحاجة إلى انضمام المزيد من الأعضاء لكونهم لن يتمكنوا وحدهم في الحصول على الأغلبية المطلقة. وفي النهاية، لايزال المعسكر الرئاسي يستطيع أن يحتفظ بالسلطة، ولكن يكون ذلك شريطة أن يقنع نحو ١٢١ نائباً من اليمين أو يسار المعتدلين بالسماح له بالحكم حتى يضمن عدم عرقلة الأغلبية لهذا القرار. ولكن وإن تم الأمر كما يرغب ماكرون في غياب أغلبية واضحة ومستقرة، فإن حكومة الأقلية سوف تعيش تحت تهديد الرقابة في الجمعية الوطنية، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى خلافة سريعة.

وفي هذا الصدد، وعلى الرغم من محاولات “جون لوك ميلونشون”، في دعوة الرئيس الفرنسي لاختيار رئيس الوزراء من حزبه إلا أنه من المستبعد أن يقوم ماكرون بتلبية هذا الطلب لاسيما كونه يرفض التعامل معهم، أي أنه وإن كان سيجبر على “التعايش”، فلا يفضِل أن يكون مع اليسار المتشدد. ومن جهة أخرى، لم تمنح نتائج الانتخابات ماكرون المساحة التي تسنح له فرصة تعيين رئيس الوزراء من ائتلافه مثلما فعل مسبقًا، حيث استطاع الحفاظ على حكومات الأقلية هذه لمدة عامين، لأن المعارضة من اليمين واليسار واليمين المتطرف لم تتحد قط للإطاحة بها. ولكن الوضع حاليًا يختلف خاصةً وأن الفوارق بين نتائج الكتل الثلاثة الأكبر في الجمعية الوطنية باتت متقاربة بشكل كبير، وهو ما عرقل إجبار ماكرون على “التعايش” مع بارديلا وأعطاه بريق من الأمل إزاء إمكانية إعادة تعيين أحد أفراد ائتلافه في هذا المنصب. ولكن، دون اتفاق قوي داخل الجمعية الوطنية، لاسيما بين الائتلاف الرئاسي والتيارين اليميني واليساري أو على الأقل أحدهما، يخاطر ماكرون بعدم تمرير أجندته بل وعرقلة تعيين رئيس الوزراء من ائتلافه، خصوصًا وأن الكتلتين سويًا تتمتعان بأغلبية مطلقة واضحة تتعدى ٣٠٠ مقعد من أصل ٥٧٧ مقعدًا في الجمعية الوطنية، وإن تم التعيين، يظل الاتفاق ضروري من أجل الحفاظ على استمرارية حكومته وتمرير مشروعات القوانين التي تخدم مصالح ائتلافه بالشكل الذي يسعى إليه.

هذا ويمكننا القول أن الخطر لا يأتي فقط من الاختلافات القائمة بين الكتل الأكبر في الجمعية الوطنية بل تظهر علامات عدم الرضا بين الائتلافات عينها. من ناحية، بدأ اليمينيون – وإن كانوا لا يشكلون ائتلافًا بالمعنى المتعارف عليه – في هذه الخلافات مسبقًا، ولكن تظهر بشكل أوضح الآن الخلافات التي نشبت داخل ائتلاف الرئاسة وائتلاف اليسار. فمن ناحية، وإن نظرنا إلى داخل الائتلاف الرئاسي، نجد الغضب الناجم عن اتخاذ الرئيس لمثل هذا القرار الذي – في وضع يحاولون الوسطيين فيه الحفاظ على سلطتهم – أتى ليضعهم في وضع أسوأ مما كانوا عليه، في موقف لم يكن يشكل خطرًا وتوقيت كان يسنح للرئيس فرصة إبقاء  الوضع على ما كان عليه وإلهاء الشعب. كما أن السيناريو الحالي يضع الوسطيين في احتياج تام لتوسيع ائتلافهم، وهو ما يخلق نوعًا من الانقسام حول الأحزاب الذي يجب التحالف معهم؛ فيصر البعض على التحالف مع الجمهوريين بينما يصر البعض الآخر على التحالف مع اليساريين المعتدلين.

من ناحية أخرى، نجد أن اليساريين شهدوا انقسامات داخلية من الممكن أن يتم تعزيزها لاسيما مع المستقبل المبهم الذي ينتظر الجمعية الوطنية في فرنسا والسياسات التي يتبناها كل حزب على حدى. ويتضح هذا الانقسام بشكل كبير حول موضوعات يتصدرها الحرب في غزة، وهو ما أدى بميلونشون إلى اضطراره لمواجهة الانتقادات الحادة التي تعرض لها من جانب يساريين أكثر اعتدالاً، فضلاً عن اتهام الساسة اليساريين المتطرفين، الذين اتهموا إسرائيل بالسعي إلى ارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، بكونهم معادين للسامية. وعليه، وعلى الرغم من تقدم الاشتراكيين للانتخابات الأوروبية التي انعقدت هذا العام بشكل مستقل، إلا أن دعوة الرئيس الفرنسي لهذه الانتخابات والخوف من صعود اليمين المتطرف هو الذي ساهم في إنجاح جميع الزعماء اليساريين في الجبهة الشعبية الجديدة، حيث أنه وعلى الرغم من الخضر والاشتراكيون والشيوعيون وحزب فرنسا الآبية كانوا منقسمين بشدة، قبل بضعة أشهر، بسبب الاختلافات الشخصية والأيديولوجية، إلا أنه، وحتى تاريخيًا، عندما يكون هناك تهديد من أقصى اليمين، فإن اليسار يتحد. ولكن، هذه الانقسامات قد تظهر مؤخرًا على الساحة السياسية، لاسيما مع محاولات اليسار المتشدد في فرض سياسته التي لا يمكننا القول عنها أنها مُرضية لباقية الأحزاب اليسارية المنضمة إلى الائتلاف، وهو ما يترك مساحة للرئيس الفرنسي لإقناع اليساريين المعتدلين بالانضمام إليه، وهو أمر لايزال معقدًا ومتطلبًا ولكنه يظل احتمالاً واردًا، كما أنه يترك مجالاً للشك وطرح تساؤلات جدية حول القيادة وما إذا كان الائتلاف قادرًا بالفعل على الحكم بعيدًا عن التهديد المباشر الذي يشكله حزب التجمع الوطني.

ختامًا، تعكس نتائج الانتخابات، من فوارق ضئيلة بين الكتل الثلاثة الأكثر صيتًا في الجمعية الوطنية وانتصار ائتلاف اليسار، واقعًا سياسيًا جديدًا شديد الاستقطاب في فرنسا، ينقسم فيه الشعب بين ثلاثة كتل، علي الأرجح غير مرضية، يتأرجح بينها الناخب الفرنسي باحثًا عن صد وإبعاد الكتلة التي تشكل الخطر الأكبر عليه، بينما غفل فيها عن البحث عن الحزب أو الائتلاف الذي يمثل توجهه السياسي والأيديولوجي الحقيقي، أي يمكننا القول أن الشعب لايزال يغفل عما يريده بالفعل. ولكن الوضع الحالي يترك تخوفات كثيرة إزاء المستقبل السياسي في فرنسا ويطرح العديد من التساؤلات حول استقرارها السياسي في المرحلة القادمة، خاصةً في ظل هذه التوترات الداخلية والسخط الشعبي القائم.

وعليه، وإن كان الرئيس الفرنسي غير راض عن الوضع الحالي للجمعية الوطنية ولا يستطيع الوصول، بالتعاون مع التيارات السياسية الأخرى، إلى أرض مشتركة، يتعذر عليه، بحسب المادة ١٢ من الدستور الفرنسي، حل البرلمان مرة أخرى قبل مرور عام على الانتخابات، وهو ما يجبره علي التعامل مع الوضع. إلا أنه ليس من المتوقع أن يتم تعيين رئيس وزراء في الوقت الراهن بل من المرجح أن يستغرق وقتًا ليس بقليل لأسباب عدة وهي : أولاً، أن كل من الكتل الثلاثة لاتزال تسعى للحصول علي الأغلبية المطلقة في البرلمان ليتم تعيين رئيس الوزراء من ائتلافهم. ثانيًا، من الواضح أن الرئيس الفرنسي لايزال يحتاج وقتًا للتفكير في أفضل طريقة للخروج بأقل الخسائر، لاسيما مع سخط أعضاء ائتلافه في أعقاب قراره لحل الجمعية الوطنية وبالتأكيد خوفهم من خسارة أكبر قد تأتي إثر قرار آخر غير محسوب، وهو ما يضع على عاتق ماكرون عبئًا يتعين عليه التدقيق بشأنه. كما أنه يجب ألا ننسى أن الأيام المقبلة في فرنسا ستكون مكثفة مع بدء الأولمبيات وهو ما قد يبطء عجلة الاحتدام بشأن السياسة الداخلية. هذا وأنه من الممكن – بل ويبدو أنه القرار المفضل لدى الكثير – أن يحاول البعض، أو بالأحرى الكثير، دفع ماكرون للاستقالة، ولكنه احتمالاً من شأنه أن يضع المستقبل السياسي في فرنسا في وضع أكثر اضطرابًا يصعب رؤية ما يليه.

ميرنا أسامة

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى